الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أمثلة من الضحايا
من أمثلة ضحايا علوم الملاحدة الشاعر العراقي (معروف الرصافي) قلّد الملاحدة في فضائهم الخيالي فأنكر السماء المبنية لأنه لا وجود لها ولا ذِكر في علومهم، يقول في شعره:
ولستُ من الأُلى وهِمُوا وقالوا
…
بأن الروح تعرجُ للسماءِ
لأن الأرض تسج في فضاءٍ
…
وما تلك السماء سوى الفضاءِ
إن هذا لا بُدّ منه لمن اغترّ بعلوم المعطلة فهذا اعتقد دوران الأرض الذي هو فرع من دوران السديم الذي انفصلت منه، واعتقد الفضاء الذي لا حدَّ له فقال:(وما تلك السماء سوى الفضاء).
إن إنكار السموات المبنية لم يُعهد بهذه الصورة قبل بداية هذه العلوم التجريبية، وكذلك لما قلّدهم في الذرة المزعومة أنكر فناء الأشياء وزعم أنها فقط تتحوّل من حال إلى حال وهذا هو اعتقاد المعطلة في الذرة وقد قال تعالى:(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).
يقول في عدم فناء الأشياء:
ولا من يرى الأشياء تفنى
…
بحيث تكون من عدمٍ هواءِ
ولكن هُنّ في جمع وفَرْقٍ
…
تبدّلُ منهما صُوَر البقاءِ (1)
يعني أن الأشياء لا تفنى وإنما تتبدل صورها بالجمع والفرْق يعني حسب التركيب الذري، ولذلك قال:(في جمع وفرق).
وهذا الزنديق يُنكر الوحي على الأنبياء ويرى الشرائع مختلفة من قوم دهاة أذكياء خدعوا الناس بأنهم أنبياء يوحى إليهم، يقول عن نفسه:
ولستُ من الذين يروْن خيراً
…
بإبقاء الحقيقة في الخفاءِ
ولا ممن يرى الأديان قامت
…
بوحي مُنْزَلٍ للأنبياءِ
ولكن هُنَّ وضْعٌ وابْتداعٌ
…
من العقلاءِ أربابُ الدّهاءِ
وقد أنكر البعث والجزاء عدو الله وتبرأ ممن يُصلي ويصوم يقول عن نفسه:
ولا من معْشر صَلّوْا وصاموا
…
لِما وُعِدوه من حُسْن الجزاءِ
ولا ممن يرْون الله يجزي
…
على الصلوات بالحور الوُضاءِ
فهذا ممن صَرّحوا وغيره كثير يكتمون مثل زندقته، وكثيرون وقعوا في حيرة وشك.
المثال الثاني: جميل الزهاوي العراقي، وهذا ممن تزنْدق بعلوم الغرب المعطلة، وله شعر كفريّ نجس يقول فيه:
(1) ديوان الرصافي 1/ 112.
تَوَقّفتُ لا ادري تجاه الحقائقِ
…
أأنِّي خلقت الله أم هُوَ خالقي
أنظر هذا الكفر الغليظ والجرأة على الله سبحانه، والمراد انه لتأثره بعلوم الغرب قال ما قال، وكذلك أنكر البعث لأنه غير محسوس له كما يُنكر أسيادُه غير المحسوس. يقول:
وسائلةٌ هل بعد أن يعبثُ البِلى
…
بأجسادنا نحيا طويلاً ونُرْزَقُ
فقلتُ مجيباً إنني لستُ واثقاً
…
بغير الذي حِسِّي له يتحقق
وهيهات أن تُرجى حياة لميِّتٍ
…
إليه البِلى في قبره يتطرّق
تقولين يفنى الجسم والروح خالدٌ
…
فهل بخلود الروح عندكِ منطق؟
أنظر قول هذا الزنديق: (إنني لست واثقاً بغير الذي حِسِّي له يتحقق) فهو مذهب أرباب العلوم الحديثة حيث لا يؤمنون بغير المحسوس مع تناقضهم البيّن من إيمانهم بمجرات من نسج الخيال وذرات لا تُدرك لأنها في عالَم المُحال.
وهو مُنكِر لوجود الخالق يقول:
لما جهلتَ من الطبيعة أمرها
…
وأقمتَ نفسكَ في مقام مُعَلِّلِ
أثبتَّ ربّاً تبتغي حَلاًّ بِهِ
…
للمشكلات فكان أكبر مُشكلِ
ويزعم الخبيث أن الله هو الأثير وان الله في الطبيعة والطبيعة في الله وهذا هو مسلك أرباب العلوم الحديثة وهو وحده الوجود التي يؤمن بها الزهاوي.
والمراد هنا ما دَخَله وأمثاله من إلحاد الملاحدة المعطلة أهل العلوم الحديثة، فهو يؤمن بمذهب (دارون) في النشوء والارتقاء وقد صَرّح بذلك فهو يقول:(والمذهب القويُّ في رأيي هو مذهب دارون في النشوء والارتقاء وقد تبعته ولم يتبعه في العراق أحد قبلي، وقد شاع فيه [يعني في العراق] بسببي) وله قصيدة عنوانها: (سليل القرود) قال فيها:
وُلِدَ القرد قبل مليون عامٍ
…
بَشَراً فارتقى قليلاً قليلا
أيُّ شيء أَلَمَّ بالقرد حتى
…
هَجَرَ الغاب نَجْلُه والقبيلا
وعلى رجليه مشى بعد أن
…
سارَ على أربعٍ زماناً طويلا
يا لَهُ من تطوّرٍ حَوّل القرد
…
لإنسان يُحسن التخييلا
فليتأمل العاقل ما يفعل الشيطان بمن أعطاه قيادة وهو الذي يفتخر بأنه من نسل القرود فيقول:
إنْ نحن إلا أقْرُدٌ
…
مِن نسْل قردٍ هالِكِ
فَخْرٌ لنا ارْتقاؤنا
…
في سُلّم المداركِ
إن الشقاء ليس له نهاية وقد قيل: (واخو الجهالة في الشقاوة يَنْعمُ).
فانظر تأثّره بِدَارون لأن العلوم الحديثة تُوصل مُتّبعها إلى ذلك، فبعد أن يعتقد السديم والمجرات السابحة في فضاء لا ينتهي إن طلب قلبه ربه لم يجده وأحسن أحواله أن يقع وحده في الوجود، وهو البحر الذي غرق فيه من غرِق من مُقَلّدة الملاحدة.
فإذا نظر في العالَم السفلي ونشأة الحياة في الأرض ما استطاع التخلّص من نظرية دارون اللهم إلا أن يَفِرّ إلى مثلها يعني كائنات حَيّة نشأت مقطوعة عن منشئ فهذا مذهب الطبائعيين وهم أرباب العلوم الحديثة.
وإنه لمن الضلال المبين أن تُتَخذ كفريات الكفرة ونظرياتهم الإلحادية طريق هُدى وذلك بدعوى إثبات الخالق، وقد تبين من بطلان نظرياتهم ما فيه كفاية، وسوف يأتي زيادة على ذلك إن شاء الله.
وحيث أن الأمر كما قلت أن المعتقد لِما يعتقده هؤلاء المعطلة في السديم ليس له تخلّص من نظرية دارون في نشوء الكائنات إلا أن يلْجأ إلى مثلها.
يقول الزهاوي الملحد:
كل ظني أن الحياة على الأرض
…
بَدَتْ من تفاعل الكيمياءِ
وقال:
ثم إن الحيوان بعد دُهُورٍ
…
صار إنساناً ماشياً باسْتواءِ
وقضتْ سُنَّة الوِراثةُ فيهِ
…
أن تكون الأبناءُ كالآباءِ
أما صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله فيريدون أن يفرضوا هذا السديم المزعوم على الدين فرضاً بإثبات الخالق فَيَنْجرّ من يُحَسِّن الظن بهم ويُصدقهم في عدم التعارض مع الشريعة إلى الوقوع في الضلال وقد
لا يشعر.
ولذلك يقول صاحب كتاب توحيد الخالق عن السديم وذراته المزعومة المتخيَّلة:
إذا شاهدنا تركيب السديم وجدناه يتكون من ذرات مادية، وقد عرف العلماء أن هذه الذرات مركبة من عدة جسيمات (إلكترونات، بروتونات، نيترونات
…
إلخ).
ومن هذا التركيب تستنتج العقول أن هناك بداية لتكوين الذرة في الكون وأن تكوين الذرة ليس أزلياً ليس قبله شيء، إنما الذرة مخلوق حادث وعرفنا ذلك من اجتماع أشياء مختلفة متغايرة: (إلكترونات ذات شحنة كهربائية سالبة بروتونات ذات شحنة كهربائية موجبة، نيوترونات ميزونات
…
إلخ)، وذلك كما تعرف أن القلم الذي بيدك حادث ليس أزلياً من ملاحظة تركيبه من سن معدنية، وجسم عاجي، فتجزم بأن هناك لحظة جمع فيها المعدن مع العاج.
وكذلك تدلنا العقول أيضاً على أن هناك لحظة جمعت فيها الإلكترونات مع البروتونات مع غيرها لتكوين الذرة تلك اللحظة هي لحظة تكوين الذرة المادية في هذا الكون الذي يتكون منها السديم.
وإذن ليس هذا السديم أزلياً قديماً كما يزعم الكافرون اليوم، ولا تظن أن قبل التقاء الإلكترونات مع البروتونات مع غيرهما من مكونات
الذرة كانت الإلكترونات، والبروتونات سابحة في الكون، هي وباقي مكونات الذرة، ثم اتحدت لتكوين السدم، لا تظن ذلك لأن الإلكترونات قد خُلقت لتتحد بالبروتونات وبسائر المكونات الأخرى لتكوين الذرة، ولمعادلة شحنة البروتونات الموجبة، وقد خلقت سائر مكونات الذرة لتكوين الذرة وفق خطة محكمة وتنظيم دقيق وتقدير محدد موزون، فإذا كانت الحكمة المشاهدة من خلق (البروتونات، الإلكترونات
…
إلخ) هو: تكوين الذرة.
وإذا كانت الذرة المادية حادثة غير أزلية.
فلا شك إذن أن وجود هذه المكونات (إلكترونات، وبروتونات
…
إلخ) حادث ليس بأزلي الذي لا أول له كما يزعم الكافرون (1).
أنظر قوله عن الذرة: (إنما الذرة مخلوق حادث).
وقوله: (وإذن ليس السديم أزَليّاً قديماً كما يزعم الكافرون).
يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من الذين سلكوا هذا المسلك: أنتم لا للأعداء كسرتم ولا الإسلام نصرتم، وإنما صِفتكم كمن يُطِبُّ زكاماً فَيُورثُ جُذَاماً.
وإنه من الكذب على الله أن يُوصف بأنه خالق لِما لم يخلقه بل لِما لا وجود له إلا في الخيال بل لِما أُريد به كَيْد دينه وإضلال عباده.
(1) توحيد الخالق ص322.
تزعمون أن هذا يدلّ على الله ويَهْدي إليه، والشر لا يأتي بالخير، كيف تُرْجى هداية عن طريق ضلالة، إنه يُجنى من الشوك العنب.
أما من نُفِخَ بِصورهم وأنهم أسلموا وأنهم عرفوا الخالق وأنهم يعني عن طريق هذه العلوم والكشوف فهؤلاء بين أمور هي:
الأول: ذكر أهل العلم من السلف أن المتكلمين بما معهم من الحق رغم ضلالهم ينتفع بهم البعيد عن الإسلام حيث يقرّبونه إليه لكن من أراد سلوك الصراط المستقيم عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم يقطعونه، فتأمل هذا فقد ضلّ بسبب عدم معرفته أو عدم المبالاة بما يؤول إليه خلائق.
الثاني: أن غاية كثير منهم الإقرار بالخالق وأن للكون مدبّر وهذا الإقرار لا يُدخل في الإسلام فإن المشركين يقرّون بهذا.
الثالث: اغترار هؤلاء بأن طُرق قومهم ضلال لعدم إثبات الخالق فقط فتبقى هذه النظريات الضالّة المضلّة عندهم صحيحة وعلم يدل على الله ويهدي إليه وأن ضلال من ضَلّ من قومهم فقط لعدم إثباتهم الخالق، فتكون هذه النظريات وسائل للدلالة على الله وهي من أعظم ما يُبعد عنه كما أنهم هم يضلون بمتابعتها.
الرابع: إضلال المسلمين وغِشّهم بتحسين هذه الطرق ومدحها فيحصل الضلال.
ولقد ضل عن مكان الله من تابع هذه العلوم حيث لا يعرف سموات ولا علو ثابت ولا سفول ثابت للكون، ولا يعرف العرش.
وقد ذكر المكان ابن تيمية نقلاً عن السلف (1).
إن الضلال عن مكان الله تضمنه هذه العلوم الملحدة لمن تابعها وسار في ركبها حيث يتخيل الكون كله فضاء لا حَدّ له محشو بمجرات لا يحصرها العدد ولا تزال تتوالد، فمن جرته هذه العلوم والكشوف ضل ضلالاً بعيداً ولا يدري أين ربه، وقد يقع في وحدة الوجود.
ولا محذور في ذكر المكان لله عز وجل إذا أثبتنا استوائه على العرش وأن العرش فوق السموات السبع وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عُرج به كلما ارتفع كلما قرب من ربه، وأنه قرب من ربه لما عُرج به قرباً تأخر عنه جبريل عليه السلام.
وقد ورد ذكر المكان حيث أقسم الله به كما جاء في الحديث أن الشيطان قال مخاطباً الله تعالى: وعزتك لأغوينّ بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم. فقال الله تعالى: (وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأغفرن لهم ما استغفروني) رواه الترمذي.
(1) الفتاوى 5/ 376.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولفظ المكان ورد عن السلف، قال حماد بن زيد: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء. انتهى (1).
وقال شيخ الإسلام أيضاً: قد وَردت الآثار الثابتة بلفظ المكان فلا يصح نفيه مطلقاً. انتهى (2).
(1) مجموعة الفتاوى 5/ 376.
(2)
الاستقامة 1/ 127.