الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً)
ثم تكلم صاحب كتاب توحيد الخالق في جملة خوضه وخرصه على الجبال فقال: في قوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً).
الوتد يُغرس في الرمل لتثبيت الخيمة، وهكذا الجبال قد اخترقت بامتدادها الطبقة اللزجة التي تقع أسفل الطبقة الصخرية التي تُكَوِّن القارات. فأصبحت بالنسبة للقارات كالوتد بالنسبة للخيمة فالوتد يثبت الخيمة بالجزء الذي يُغْرَس في الصحراء وكذلك الجبال تثبت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة اللزجة التي تقع تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات.
ولقد تأكد الباحثون من هذا في عام 1965م، وعلموا أنه لولا أن الله قد خلق الجبال بشكل أوتاد لطافت القارات، ومالت الأرض واضطربت من تحت أقدامنا، والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن، قال تعالى:(وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) وقال سبحانه: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ)(1).
(1) توحيد الخالق، ص345.
صاحب كتاب توحيد الخالق يفسر القرآن كما تبين على مقتضى نظريات المعطلة، وقد بيّنت ولله الحمد انهيارها من أصلها في الكلام على السديم المزعوم، وحيث أنه متابع للقوم فقد خاض في شأن الجبال على مقتضى النظريات الزائفة كما خاض في دوران الأرض على طريقتهم.
وهنا زعم أن الجبال تُثبِّت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة التي زعم أنها لَزِجَه وأنها تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات.
وهكذا تستمر إحالات صاحب كتاب توحيد الخالق إلى ظلمات خيالات المعطلة، وكلامه هذا وغيره مبني على مقتضى نظرياتهم وهو يغصب آيات القرآن غصباً ويقسرها قسْراً لتجاري هذيان الملاحدة.
فالطبقة التي يزعمون أن أصول الجبال مغروسة فيها طبقة مُتَخيَّلة على مقتضى أن الأرض منفصلة من السديم الغازي الدائر وكانت حين انفصالها غازاً دائراً حتى تكثفت وبردت وصارت صالحة للحياة مع استمرار دورانها، فعندهم أنه أثناء دورانها برزت من باطنها الجبال لِتثبِّتها ليس التثبيت الذي أراد الله عز وجل بكلامه وإنما تثبتها عن الاضطراب والميدان حال الدوران.
وحيث أن السديم باطل والدوران باطل فكذلك هذا الكلام عن الجبال باطل لأنه مبني على باطل فالجبال مُلْقاة من أعلى إلى أسفل كما
تواتر ذكر إلقائها إلقاءاً في القرآن بخلاف دعوى الملاحدة أنها برزت من باطن الأرض أثناء الدوران.
كذلك فتثبيتها للأرض ليس كما زعموا أنه لمنعها من الميدان أثناء الدوران وإنما كما قال السلف قال ابن كثير رحمه الله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً) أي ممهدة للخلائق ذلولاً قارة ساكنة ثابتة. (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) أي جعلها لها أوتاداً أرساها بها وثبتها وقرّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها، انتهى من تفسيره.
فإن سألت عن سكونها عن الاضطراب الذي ذكر ابن كثير فلا تظن أنه يوافق هذيان الملاحدة الذين يزعمون أن الجبال تُسَكّن اضطراب الأرض حال الدوران، هذا ظن باطل لأنه كما تبين مبني على أصل باطل.
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة بعد أن ذكر أن الأرض خلقها الله واقفة ساكنة ذكر الجبال وقال: ومن منافعها ما ذكره الله تعالى في كتابه أن جعلها للأرض أوتاداً تثبتها ورواسي بمنزلة مراسي السفن وأعْظِمْ بها من منفعة وحكمة (1).
وقال شيخه ابن تيمية: والأرض يحيط الماء بأكثرها، والهواء يحيط بالماء والأرض، والله تعالى بسط الأرض للأنام وأرساها بالجبال لئلا تميد
(1) مفتاح دار السعادة 1/ 219.
كما تُرْسي السفينة بالأجسام الثقيلة إذا كثرت أمواج البحر وإلا مادت (1).
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت)(2) فهذا الميدان والاستقرار لأن الأرض والمقصود اليابس منها خلق على الماء فهو يضطرب اضطراب السفينة الواقفة على ساحل البحر، ولذلك توضع عليها الأثقال لِتَسْكن.
والمتأخرون يزعمون أن وظيفة الجبال تثبيت الأرض عن الميدان أثناء الدوران وهذا باطل مبني على السديم الباطل.
ورحم الله ابن القيم حيث يقول: فلا تُتْعب ذهنك بهذيانات الملحدين فإنها عند مَن عرفها مِن هَوَس الشياطين وخيالات المبطلين، وإذا طلع فجر الهدى وأشرقت النبوة فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) انتهى.
وأين ابن القيم يرى آيات كلام الله رب العالمين تُحْشَر حَشْراً وتُقْسَر قسْراً لمصاحبة هوس الشياطين وخيالات المبطلين؟.
ويقول صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ص2/ 57: إن دوران الأرض حول محورها يُشكّل تضاريس سطح الأرض، ثم ذكر بعض
(1) الفتاوى 6/ 596.
(2)
رواه الترمذي (6/ 154) وأحمد (3/ 124).
الجبال وأنها تجمّعت لفترات طويلة من الزمن تصل إلى مئات الملايين من السنين، وبفعل النشاط النووي في باطن الأرض تعرضت هذه الرواسب لحركات رفع تكتونية أدّتْ إلى ظهورها على سطح الأرض على شكل طبقات رسوبية مُلْتوية متخذة شكل السلاسل الجبلية والهضاب العالية. انتهى.
إن دعوى بروز الجبال من باطن الأرض مبني على اعتقاد دورانها واعتقاد دورانها مبني على اعتقاد السديم واعتقاد السديم مبني على اعتقاد تكوينه الذرّي وكل هذا باطل سوف يظهر بطلانه بهذا الكتاب إن شاء الله غير ما تقدم.
والرب سبحانه خلق الجبال في الهواء وألقاها على الأرض لئلا تميد وتضطرب.