الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أرض العرب والمروج والأنهار
وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (العلم طريق الإيمان) ص25 تحت عنوان: (جزيرة العرب في ماضيها ومستقبلها) أن غربياً ذكر أنهم درسوا تاريخ الأرض في الماضي فوجدوا أنها تمرّ بأحقاب متعددة من ضمن هذه الأحقاب المتعددة حقبة تسمى العصور الجليدية، وهو أن كمية من ماء البحر تتحول إلى ثلج وتتجمع في القطب المتجمد الشمالي ثم تزحف نحو الجنوب وعندما تزحف نحو الجنوب تُغطي ما تحتها وتُغيّر الطقس في الأرض، ومن ضمن تغيير الطقس تغيير يحدث في بلاد العرب فيكون الطقس بارداً وتكون بلاد العرب من أكثر بلاد العالَم أمطاراً وأنهاراً.
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق للغربي: قلت له: إسمع من أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك هذا كله مذكور في حديث رواه مسلم يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) ثم أخبر صاحب كتاب توحيد الخالق أن هذا الغربي قال: وهذا يدل على أن النبي محمد لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علوي.
الجواب: نحن ولله الحمد بغنية عن أن تُفَسَّر لنا الآيات والأحاديث على مقتضى علوم الملاحدة، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا نؤمن به ونصدّق ولا نتكلّف تكلفاً يلقينا في بحار الخيالات بل والضلالات، وقد قال تعالى عن نبيه:(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)، وما قامت علوم مقلِّدة الدهرية إلا على ساق التكلف فإن هذا ظاهر لا يخفى.
وقد تكلم على هذا الحديث كثيرون في وقتنا ومَرْجعهم كلهم في شرحه وبيانه إلى علوم المعطلة وكأنها قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إن من يتابع كلامهم في شأن عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً يرى أنه محال جملة وتفصيلاً على هذيان الغرب الكافرة من نشأة الأرض وكوْنها غازاً فتكثفت وكوْنها تدور، ولذلك شرحوا الحديث على اعتبار العصور الخيالية التي مَرَّت عليها الأرض فذكروا ما سمّوه العصر البليستوسين، والعصر الأوردفيشي، والعصر الكربوني، والعصر البرمي، وهذا العصر الذي سمّوه البرمي يقولون أنه متأخر عن العصور التي قبله، ويحددون عمر هذا العصر البرمي المتأخر بـ (250 إلى 270) مليون سنة تقريباً.
كذلك شرحوا هذا الحديث على مقتضى أن الجزيرة العربية وأفريقيا كانت كتلة واحدة متصلة منذ 40 مليون سنة.
وهذه العصور والملايين كلها من زبالة خيالات الملاحدة.
والذي قاله نبينا صلى الله عليه وسلم حق وصدق سواء أحاطت به عقولنا أو لم تحط به ولا يتم الإسلام إلا على ظهر التسليم.
وهنا ينبغي الحذر الشديد من الوقوع في متاهات الكفرة وضلالاتهم أو شيء منها فإن بعضها يجرّ إلى بعض، إن نظرياتهم متعانقة متماسكة مشكاتها واحدة وهي مشكاة التعطيل تبدأ منه وتنتهي إليه.
وليُعلم أن الخلاف بينهم في هذه النظريات يعود إلى وِفاق في الأصول الابتدائية والفروع النهائية وذلك أن الوجود واحد، وإن أحسن أحوال من سلك طريقهم في أصل الكون وتابع نظرياتهم في علم الأرض وغيره إن أحسن أحواله الشك وحسبك به داء، وإلاّ فكم وكم من ضحايا لهم في هذا الزمان صار سبيلهم سبيل من هلك.
إن من يدّعي أن هذا الطريق يُعرِّف بالله أو يُقرب إلى الله أو يكمل علم الدين فإنه لا يرى الكفاية بما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين وعلمائهم حتى عصرنا.
فإن قال: هذا شيء لم يحدث في الماضي ولو حدث لجعلوه طريقاً للدعوة وللهدى والإيمان، فيقال: لو كان خيراً لفُتِحَ عليهم، وإنه إنما جاء ليزيد الدين غربة، وهذا حاصل فقد مُلئِت الدنيا من هذه العلوم وشُغِل الخلق فيما لم يؤمروا به بل بما نهوا عنه من الخوض والتخرص والظنون
والضلالات والخيالات وماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت والله إلحاد كثيرين ساروا مع هذه النظريات حيث سارت واسْتقرؤا بداياتها ونهاياتها فوصلوا إلى ما وصل إليه أربابها من التعطيل.
وكأننا في جهل بمخلوقات ربنا حتى يعلمنا هؤلاء أو في نقص حتى يكملوا أحوالنا، أو أن الدعوة لا تحصل إلا بذلك.
لقد أنزل الله آياتاً من كتابه العزيز فيها الثناء على المؤمنين الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض وأنهم هم أولوا الألباب، ولقد كان في ذروة هذا وسنامه الرعيل الأول، ولقد كان نظرهم وتفكرهم كنظر نبيهم وتفكره، ومن يؤمن إيمانهم؟ ومن يهتدي هُداهم؟.
لقد حُشيَتْ قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذُلاًّ بجانب أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء دينه، وما ظُلمنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فقد ذكر أهل العلم أن كل شر في العالَم إنما يحصل بسبب الذنوب، وأن سلوك طرق الكفار والتشبه بهم في علومهم وأعمالهم لمن أضر الأضرار في هذا الزمان على الأمة وإنما (لا يشعر تائه لمصابه) وقد وَرَدَ أن الله إذا أراد إنفاذ أمر سَلَبَ أهل العقول عقولهم حتى ينفذه فإذا رَدّ عليهم عقولهم وقعت الندامة.
ومما يبين فساد ما فُسِّرَ به الحديث ذكر العصور التي مددها بزعمهم ملايين السنين مع أن قبلها أزمان للمادة عندهم لا تُحَدّ فالمادة عندهم
أزلية وهو قول الفلاسفة وهو كفر حتى مع إثبات وجود الخالق كيف بهؤلاء الذين لا يعترفون بوجوده؟.
والمراد أن سلوك سلبهم ضلالة من البداية إلى النهاية، أما إصابتهم فيما يصيبون فيه من العلم بالمخلوقات فغايتهم ظَواهِر من الحياة الدنيا عندنا ولله الحمد من العلم بها ما يكفي مع الأمان من سلوك طرقهم المفضية إلى الضلالة ولا بد. ألا يكفينا ما كفى الصحابة والسلف الذين ذهبوا بالإيمان واليقين والعلم الراسخ المتين؟ أيظن مقلِّدة الغرب أن يكونوا أهدى منهم؟ ولقد حُذِّرنا غاية التحذير من اتباع سنن الأمم قبلنا مع أننا أُخبرنا أن هذا الإتباع سيقع بشكل يكاد ألا يُصَدَّق به لولا أنه خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحدث في قرون الأمة مثل هذا الإتباع ولا ما يقارب عشر معشاره ولقد كانت النتيجة استحكام الغربة واشتداد الكربة.
فالحديث ورد فيه ذكر المروج والأنهار، فالمروج في زماننا تَعَدَّتْ الوصْف والذي يعرف أرض الجزيرة قبل 70 سنة تقريباً يعلم أن الذي حصل في أرضها انقلاب هائل ما كان أهلها يظنون أن يُقارب ولا بعض ما حصل.
فقد عُمِرَت الأراضي بالزراعة سواء منها القابل المخصب، أو البور المجدب، وسواءاً القريب من المدن أو البعيد عنها كما هو ظاهر لكل أحد
فقد صارت مروجاً لأن المرْج هو الأرض الواسعة يكون فيها النبات الكثير، فهذا قريب.
أما الأنهار فالإشكال فيها، فإن كان المراد هذه المياه الجارية المتدفقة على غير المعتاد فقد انحل الإشكال، وإن كان غير ذلك فالله أعلم ولا نتكلف.
وعلى كل الأحوال سواء كانت هذه المزارع الكثيرة التي غَطَّت مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة هي المراد بالمروج وهذه المياه المتدفقة هي المراد بالأنهار أو أن المراد غير ذلك مما يعلمه الله، لكن المجزوم به أن ما تُوبع به المعطلة في بيان معنى الحديث باطل.
أما كونها تعود كما ورد في الحديث فإذا كان المعنى أنها كانت في الماضي مروجاً وأنهاراً فما المانع من ذلك؟ لكن الباطل كل الباطل هذيان المعطلة لأن مَبْناه على كلامهم الباطل في الكون.
والعجب من صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله ممن ينبهرون انبهاراً ظاهراً وينفعلون انفعالاً لا يستطيعون إخفائه إذا سمعوا من بعض الملاحدة كلمة فيها إما إقرار بالجملة بوجود خالق للكون من غير التزام بعبوديته أو نحو ذلك، إنهم يُقيمون الدنيا ويقعدونها، وقد كان يحصل أعظم من ذلك من اليهود والنصارى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ولا تُقام
الدنيا ولا تُقعد، فإنه يوجد في كل زمان من يعترف بالخالق من الدهرية ومن يعترف بالرسول من أهل الكتاب من غير دخول في الإسلام.
كذلك فإن دعوة الكفار بما يؤيّد باطل قومهم باطلة حيث إنها تؤول إلى الضلال، ولقد اهتدت الخلق من العرب والعجم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعهم بالطرق الشرعية قال تعالى:(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فهل نسْتدرك ونكمل بهذه الطرق المحدَثة الدعوة أم أنه فَتْح أبواب ضلالة؟ ثم لوْ قُدِّر مصلحة بذلك فمفاسدها لا تُحد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والداعي إذا دعى إلى الله متبعاً بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم فلا يُسْأَل عن نتائج دعوته، فبعض الأنبياء يأتي يوم القيامة ومعه الرجل وبعضهم معه الرجلان وبعضهم يأتي وليس معه أحد ونشهد أنهم بَلّغوا البلاغ المبين، وليس عليهم ملام.
وإنما يسْأل الداعي عن انحرافه في الدعوة عن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم وهو قد أُمر بإتباعه دون تكلّف.
وقد تقدم جواب شيخ الإسلام فيمن يدعو بالغناء بالشعر المباح بمصاحبة الدّف فاهتدى على يديه قطّاع الطريق الذين يقتلون ويشربون الخمر ويسرقون، فقال عن طريق دعوته إنها بدعية.
وارجع إلى قول شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب وهو أن العمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم فإن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَه.
وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه بل نهى عنه. انتهى.
فيقال هنا: إنه على تقدير وجود مصلحة فما قيمتها وما قدْرها بجانب مفسدة التعطيل الذي تُفتح أبوابه، وبجانب تحريف معاني كلام الرب سبحانه وتغيير المراد منه؟ مع أن أمر هؤلاء الخائضين مبني على الظن والتخرص وانظر ما قاله صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) 1/ 99 ومع كلامه هذا يُقرر نظرياتهم الزائفة يقول:
ومع كل هذا الاجتهاد العلمي في تفسير الآيات القرآنية الكونية، فإن ما قدمه المفسرون في شأن عبارة عن تفسيرات ظنية، ولا يمكن الجزم فيها بأمور يقينية، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، ومهما تقدم العلم وتطورت أساليبه سيظل الإنسان عاجزاً عن معرفة كيفية تكوين الكون بما فيه من عناصر وظواهر، ولن يستطيع الإنسان بما أوتي من علم محدود معرفة أصل مادة الكون وممن خلق؟ وسبحان الله العلي القدير بديع السموات والأرض، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.