الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) الآية
وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
نعم: والبشر يعجزون عن استرداد أي شيء يأخذه الذباب، لأنه بمجرد أخذه يصب عليه من لعابه، فيحوله من فوره شيئاً آخر لا يمكن استعادته (1).
الجواب: إن هذا الكلام السخيف وهذه الإحالات التافهة العسرة على تقدير صحتها كل هذا لا يشبه فصاحة كلام الله وبلاغته وإنما يناسب عقول أهل الزمان المفتونين بالغرب الكافر، وكون هذا المثل العظيم الذي ذكره الله سبحانه يبين في بطلان الشرك به وقبحه وسخف عقول الكفار الذين يعبدون آلهة يبلغ بها العجز أن تخلق أحقر مخلوق وأصغره وهو الذباب بل لو سلبها الذباب شيئاً ما استطاعت استرداده لعجزها وحقارتها، وقد كانوا يصبون اللبن والعسل ونحوه على الأصنام
(1) الإيمان، (ص34).
فيقع عليها الذباب، فيخبر المعبود الحق أن هذه المعبودات الباطلة لا تملك نفعاً ولا دفعاً.
قال ابن كثير في قوله تعالى: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) أي هم عاجزون عن خلق ذباب واحد بل أبلغ من ذلك عاجزون على مقاومته والانتصار منه لو سلبها شيئاً من الذي عليها من الطيب ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال:(ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) قال ابن عباس: الطالب الصنم والمطلوب الذباب. انتهى (1).
أنظر الفرق بين السلف والخلوف وكيف يصرف صاحب كتاب توحيد الخالق معاني كلام الله على هذه المهازل التي لا تدرك، هذا على تقدير صحتها، ويدع المعنى العظيم الجليل الذي أراده الله سبحانه بكلامه إنها تأويلات سوء.
والإنسان يعجب كيف عاد هذا المعنى العظيم الكبير لهذا المثل الذي ضربه الخالق لحسن توحيده وقبح الشرك به وتفاهة المشرك ومعبوده، كيف عاد هذا إلى أن الذباب بمجرد أخذه الشيء يصب عليه من لُعَابه فيحوّله من فوره شيئاً آخر لا يمكن استعادته.
(1) تفسير ابن كثير.
إنه كلام لا شك صارف عن تدّبر القرآن والانتفاع به من حُسن الإيمان وقبح الشك والطغيان حيث تعود هذه المعاني الجليلة العظيمة إلى هزليات وسخافات.
لقد أنزل الله القرآن هدى وشفاء لم ينزله أحاجي وأغاليط وطلاسم وأسرار، وأي نفع وفائدة نكسبها إذا علمنا أن الذباب يفعل ما زعم أرباب هذه العلوم الملاحدة؟ على تقدير صحته؟ إن هذا مراد إبليس وهو إحالة معاني كلام الله العظيمة إلى سخف وتفاهة، وقد ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (الإيمان) تحت عنوان: الإعجاز العلمي الحديث للقرآن (ص83) قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) الآية وكثيراً ما يُردد مُروِّجوا هذه البضائع المزيّفة هذه الآية يستدلون بها على ما فُتح على الملاحدة من الضلالة، وقد تقدم بيان معناها.
فيا من يريد علم القرآن خذه من السلف الكرام، الذين يُجلُّون كلام الرحمن عن اللغو والهذيان.
قال ابن القيم رحمه الله في معنى آية سورة (الحج): فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فلم يسمعه فقد عصى أمره، كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأوضح برهان بأوجز عبارة وأحسنها وأحلاها وسَجّل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في
صعيد واحد وعاوَن بعضهم بعضاً بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد. ثم بيَّن عجزهم وضعفهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم، فأي شيء أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه وحده؟.
فهل قَدَرَ القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها، فأقام سبحانه حجة التوحيد وبيّن ذلك بأعذب ألفاظ وأحسنها، ولم يستكرهها غموض، ولم يشِنْها تطويل، ولم يعبها تقصير، ولم يُزر بها زيادة ولا نقص، بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز ما لا يتوهمه متوهّم، ولا يظن ظان أن يكون أبلغ من معناها منها.
وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشأن، البليغ في النفع ما هو أجلّ من الألفاظ. انتهى.
وقد قال رحمه الله في كتاب الأعلام: حقيقي على كل مسلم أن يُسْمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه. انتهى.
تأمل الفرق بين هذا المعنى العظيم المراد بهذا وبين ما يُهَوِّن شأن كلام رب العالمين وينقص قدره ويُسقط حرمته مما خاض به الخائضون وتهوك به المتهوكون يظهر لك الفرقان بين طرق الضلال وطريق الإيمان.