الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الظلمات الثلاث
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص357:
وقوله تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(1).
ما هي الظلمات الثلاث التي ينطوي داخلها الإنسان في بطن أمه من طور إلى طور؟.
سؤال عرفت إجابته بدقة بعد أن تقدم علم التشريح وكشف أن الغشاء الذي يحيط بالجنين في بطن أمه ليس غشاء واحداً كما يُرى بالعين المجردة، وإنما هو أغشية ثلاثة هو الغشاء المنباري، والحزبون، والغشاء اللفائفي، وكل من هذه الأغشية لا يسمح بنفاذ الضوء أو الماء والحرارة، أفلا يكون بتلك الخصائص ظلمة وتكون جميعها ظلمات ثلاثً؟. انتهى.
زعم صاحب كتاب توحيد الخالق أن علم التشريح تقدم وكشف معنى الآية وأن الظلمات الثلاث هي التي ذكر عن المتبوعين والقول ما قالت حذامي، ومعلوم أن هذا باطل وقد تقدم، الكلام على تفسير القرآن
(1) الزمر، آية:6.
بالرأي وخطر مخالفة السلف، وقد نقل ابن كثير في تفسيره أن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد أنهم يقولون في قوله تعالى:(فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ) أنها ظلمة الرِّحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن. انتهى.
إن ما يفعله صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله في هذا الزمان جناية على كلام الله عظيمة وذلك بتغيير معانيه على مقتضى ضلالات وخيالات الملاحدة.
وهذه الجناية أوْرثت ذلاً نفسياً للأتباع على غير بصيرة وأوْرثت تعظيماً لأعداء الله الكفرة حيث إنما تبيّنت وظهرت معاني القرآن على أيديهم بسبب علومهم وكشوفهم، ومن هذا عَزَف الكثير ممن فُتِنوا بهم عن المناهج السلفية، ومن هنا انفتح باب التنقص للصحابة والسلف بعدهم ولو لم يكن من بعض الناس بالمقال كان بالحال.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه طوائف من الضُّلال والمنحرفين ثم قال:
(ثم إن هؤلاء مع هذا لم يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم بل ولا نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم صار منهم من يقول: كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب وأنهم هم حقّقوا ما لم يحققه الصحابة).
ويقولون أيضاً: إن الرسول لم يعلمهم هذا لئلا يشتغلوا به عن الجهاد فإنه كان محتاجاً إليهم في الجهاد.
وذكر كلاماً ثم قال: فهؤلاء جمعوا بين أمرين: بين أن ابتدعوا أقوالاً باطلة ظنوا أنها هي أصول الدين لا يكون عالماً بالدين إلا من وافقهم عليها، وأنهم علموا وبينوا من الحق ما لم يبينه الرسول والصحابة.
وإذا تدبّر الخبير حقيقة ما هم عليه تبين له أنه ليس عند القوم فيما ابتدعوه لا علم ولا دين ولا شرع ولا عقل. انتهى.
تأمله وطبّقه على ما حصل يظهر لك فضل علم السلف على الخلوف، وأن كلام الملاحدة في المخلوقات لا علم ولا دين ولا شرع ولا عقل.
ثم قال شيخ الإسلام: وآخرون لما رأوا ابتداع هؤلاء وأن الصحابة والتابعين لم يكونوا يقولون مثل قولهم ظنوا أنهم كالعامة (يعني الصحابة والتابعين) الذي لا يعرفون الأدلة والحجج وأنهم كانوا لا يفهمون ما في القرآن مما تشابه على من تشابه عليه، وتوهّموا أنه إذا كان الوقف على قوله تعالى:(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) كان المراد أنه لا يفهم معناه إلا الله لا الرسول ولا الصحابة فصاروا ينسبون الصحابة بل والرسول إلى عدم العلم بالسمع والعقل وجعلوهم مثل أنفسهم لا يسمعون ولا يعقلون، وظنوا أن هذه طريقة السلف وهي الجهل البسيط التي لا يعقل
صاحبها ولا يسمع، وهذا وصْف أهل النار لا وصْف أفضل الخلق بعد الأنبياء (1). انتهى.
لقد تشابهت القلوب فكثير من أهل وقتنا ينتقصون السلف وهم الناقصون المنقوصون والسبب في هذا التنقص أنهم لم يتعلموا مثل علومهم، كذلك يحتقرون ويزدرون من لم يحمل مثل شاراتهم المحدثة ويعتبرونه جاهلاً ولو كان على الاستقامة في دينه، ومعلوم أن هذا العيْب والثلب يتناول الصحابة والسلف.
(1) النبوات، (ص247).