المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من تعاليم التلمود - القول المبين في سيرة سيد المرسلين

[محمد الطيب النجار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة الناشر

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: بين يدي السيرة النبوية

- ‌مدخل

- ‌البيت العتيق

- ‌مدخل

- ‌بدء بنائه ومحاولات تجديده:

- ‌عام الفيل والطير الأبابيل:

- ‌بقية الأخبار عن عمارة البيت العتيق:

- ‌الحجر الأسود:

- ‌العرب في مكة

- ‌العرب المستعربة في مكة

- ‌الجراهمة والخزاعيون في مكة:

- ‌قصي بن كلاب وأثره في قريش:

- ‌قصة الذبيحين:

- ‌المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام

- ‌مدخل

- ‌المجتمع العربي قبيل ظهور الإسلام:

- ‌اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الاسلام

- ‌مدخل

- ‌اليهودية في بلاد العرب:

- ‌المسيحية في بلاد العرب

- ‌الفصل الثاني: من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بدء الدعوة الاسلامية

- ‌مبحث من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌رضاعه:

- ‌قصة حليمة السعدية:

- ‌عهد الطفولة والشباب:

- ‌زواجه من السيدة خديجة

- ‌بعض البشائر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل:

- ‌حياة التأمل:

- ‌في غار حراء:

- ‌الفصل الثالث

- ‌من بدء الدعوة إلى الهجرة النبوية

- ‌مدخل

- ‌موقف قريش من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه:

- ‌هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة:

- ‌إسلام حمزة وعمر:

- ‌قصة الغرانيق:

- ‌الهجرة الثانية إلى الحبشة:

- ‌مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب

- ‌عام الحزن:

- ‌خروجه إلى الطائف:

- ‌الإسراء والمعراج

- ‌السموات السبع:

- ‌لقاء الأنبياء:

- ‌بيعتا العقبة:

- ‌بيعة العقبة الأولى

- ‌بيعة العقبة الثانية:

- ‌اجتماع الرسول صلى الله عليه وسلم بمسلمي يثرب:

- ‌الفصل الرابع:

- ‌الهجرة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية

- ‌هجرة المسلمين إلى المدينة:

- ‌المؤامرة الكبرى:

- ‌بدء الهجرة النبوية:

- ‌في غار ثور:

- ‌قصة أم معبد

- ‌حديث سراقة:

- ‌بناء الدولة الإسلامية:

- ‌بناء المسجد

- ‌المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:

- ‌المعاهدة بين الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود

- ‌تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم يضع أساس النظام الاقتصادي:

- ‌الفصل الخامس: القتال في الاسلام

- ‌القتال في الاسلام وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفتح الأعظم

- ‌مدخل

- ‌غزوة بدر الكبرى

- ‌السرايا قبل بدر:

- ‌وسرية عبيدة بن الحارث

- ‌غزة بدر الكبرى

- ‌في ميدان المعركة:

- ‌مشهد رهيب:

- ‌اللجوء إلى الله:

- ‌دور الملائكة في يوم بدر:

- ‌موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من الأسرى:

- ‌غزوة أحد

- ‌غزوة السويق:

- ‌استعداد قريش وخروجها للمعركة:

- ‌موقف الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين:

- ‌بدء المعركة:

- ‌‌‌صور من البطولة والإيمان

- ‌صور من البطولة والإيمان

- ‌الرماة يتسببون في تغيير الوضع:

- ‌النتيجة في غزوة أحد:

- ‌دور إيجابي لدرء الخطر:

- ‌أصابع اليهود

- ‌غزوة الأحزاب "الخندق

- ‌موقف المسلمين في المدينة من الأحزاب:

- ‌حفر الخندق:

- ‌من المعجزات النبوية:

- ‌ألا إن في هذا الحادث العجيب لعبرة

- ‌الأحزاب أمام الخندق

- ‌موقف رائع لعلي بن أبي طالب

- ‌مؤامرة بني قريظة على الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين

- ‌الخدعة في الحرب:

- ‌الفرج بعد الشدة:

- ‌عاقبة الظلم ومصير بني قريظة:

- ‌من العبر في غزوة الأحزاب

- ‌اليهود بين التوراة والتلمود

- ‌من تعاليم التلمود

- ‌بين يهود الأمس ويهود اليوم:

- ‌غزوة بني المصطلق

- ‌آفة النفاق:

- ‌مثل رائع من الإيمان:

- ‌حديث الإفك:

- ‌عمرة الحديبية وعمرة القضاء

- ‌الحنين إلى مكة:

- ‌خروج الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين للعمرة وموقف قريش:

- ‌حابس الفيل:

- ‌تبادل الرسل بين قريش ومحمداً صلى الله عليه وسلم

- ‌بيعة الرضوان:

- ‌صلح الحديبية:

- ‌استثناء النساء من شروط الصلح:

- ‌عمرة القضاء

- ‌من صلح الحديبية إلى فتح مكة

- ‌مدخل

- ‌غزوة خيبر

- ‌النتيجة في غزوة خيبر:

- ‌كتب الرسول إلى الملوك والرؤساء

- ‌مدخل

- ‌كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيصر الروم:

- ‌موقف هرقل من كتاب الرسول:

- ‌سرية مؤتة

- ‌خروج الجيش:

- ‌العبرة من غزوة مؤتة:

- ‌الفصل السادس: غزوات الرسول

- ‌يوم الفتح

- ‌مدخل

- ‌غزوة الفتح

- ‌سبب الغزوة:

- ‌موقف غريب لصحابي جليل:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون في الطريق إلى مكة:

- ‌الجيش يدخل مكة:

- ‌تطهير الكعبة من الأصنام:

- ‌غزوة حنين

- ‌مدخل

- ‌موقف المسلمين:

- ‌الانتصار بعد الهزيمة:

- ‌حصار الطائف:

- ‌تقسيم الغنائم:

- ‌موقف الأنصار بعد توزيع الغنائم:

- ‌إسلام هوازن:

- ‌عودة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة:

- ‌غزوة تبوك وما تلاها من أحداث

- ‌مدخل

- ‌دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، وإخلاص الصحابة:

- ‌مسير الحملة:

- ‌موقف أمراء الحدود:

- ‌الثلاثة الذين خلفوا:

- ‌بعض العبر في غزوة تبوك:

- ‌عام الوفود

- ‌مدخل

- ‌هدم اللات:

- ‌حج أبي بكر

- ‌الفصل السابع:‌‌ حجة الوداعووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ حجة الوداع

- ‌وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌موقف المسلمين من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌الفصل الثامن: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل التاسع: من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وشمائله

- ‌الخاتمة

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌من تعاليم التلمود

كتابهم المحرف موضع فخرهم ومناط شرفهم، مع ما يتضمنه من مبادئ تبعد بهم عن كل فضيلة، وتغريهم بالدس والكذب والاختيال والفسق والفجور، والانحلال والجبن والذلة والمسكنة، والغدر والخيانة والانحرافات الدينية والخلقية والاجتماعية، والسرقة والسلب والنهب وعبادة الذهب، فهم يستبيحون ذلك كله ما داموا يحققون لذاتهم ويرضون نهمهم ومطامعهم في جمع المال من أي طريق، وبأية وسيلة1.

ولم يكتف اليهود بما ورد في تلكم التوراة التي وضعوها بأيديهم كما يشاءون. بل أخذوا يفسرونها -وهي الزائفة المحرفة- حسب أهوائهم وشهواتهم وتوسعوا في شرحها وحولوها إلى تعاليم محددة وقد أخذوا هذه التفسيرات من مصدرين أساسيين هما: تلمود أورشليم وكان موجودًا في فلسطين سنة 230م، والثاني تلمود بابل وكان موجودًا في بابل سنة 500م، وقد زيد عليهما بعد ذلك، وتتوالى الزيادة بتوالي الأزمنة والعصور. وهم يقدسون التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة، ويقولون فيه: إن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت وأنه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود وتمسك بالتوراة وحدها، لأن أقوال علماء التلمود -كما يزعمون- أفضل ما جاء في شريعة موسى.

1 انظر كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون والخطر اليهودي" لمحمد خليفة التونسي، المؤلف.

ص: 286

‌من تعاليم التلمود

ونرى من واجبنا -الآن- أن نذكر بعض التعاليم التي تضمنها التلمود الذي كان شريعة اليهود، أو دستورهم قبل الإسلام، ولا يزال شريعتهم ودستورهم إلى هذا الوقت الذي نعيش فيه!

ص: 286

تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله كما أن الابن جزء من أبيه، وأرواح اليهود عزيزة عند الله بالنسبة لباقي الأرواح. لأن الأرواح غير اليهودية هي أرواح شيطانية تشبه أرواح الحيوانات.

النعيم مأوى أرواح اليهود ولا يدخل الجنة إلا اليهود، أما الجحيم فمأوى الكفار1 مهما اختلفت أسماء دياناتهم. الإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة، فإذا ضرب رجل غير إسرائيلي إسرائيليًّا فكأنه ضرب العزة الإلهية ويستحق الموت.

لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض.

الفرق بين الإنسان والحيوان كالفرق بين اليهودي وباقي الشعوب.

النطفة المخلوقة منها باقي الشعوب هي نطفة الحصان.

الأجانب كالكلاب، والأعياد المقدسة لم تخلق للأجانب ولا للكلاب بل الكلب أفضل من الأجنبي2 لأنه مصرح لليهودي في الأعياد أن يعطم الكلب وليس له أن يطعم الأجنبي.

الأمم الخارجة عن دين اليهود أشبه بالحمير، ويعتبر اليهود بيوتهم أشبه بزرائب الحيوانات.

مسموح لليهودي أن يغش غير اليهودي وأن يأخذ منه الربا الفاحش.

قتل غير اليهودي من الأفعال التي يكافئ عليها الله، وإذا لم يتمكن

1 يقصدون بالكفار ما عدا اليهود -المؤلف.

2 المقصود بالأجنبي عندهم: من ليس يهوديًّا -المؤلف.

ص: 287

اليهودي من قتلهم، فواجب عليه أن يتسبب في هلاكهم في أي وقت وبأية طريقة ممكنة.

نحن1 شعب الله في الأرض، وقد فرقنا لمنفعتنا، ذلك لأن الله سخر لنا الحيوان الإنساني، وأهل كل الأمم والأجناس، سخرهم لنا لأننا نحتاج نوعين من الحيوانات: نوع أخرس كالدواب والأنعام والطيور، ونوع ناطق كالمسيحيين والبوذيين والمسلمين وغيرهم من أمم الشرق والغرب.

وهذا جزء يسير من تعاليم التلمود ومبادئه وهي -كما ترون- تعاليم فاسدة ومبادئ هدامة، تدل كل الدلالة على ما يحمله هؤلاء الناس من عداوة للأمم جميعًا، وحقد ضار على البشرية جمعاء وعلى سائر الأمم في هذا الوجود ما عدا أمة واحدة هي أمة اليهود.

وهكذا ترون تلكم الصفحة من تاريخ اليهود، وهذه النماذج من تعاليمهم ومبادئهم، وإنها لصفحة سوداء مظلمة، وتعاليم هدامة منكرة، توارثوها جيلًا بعد جيل، وقبيلًا في إثر قبيل، وحملوها معهم في تجوالهم ومسيرتهم الطويلة بين أمم العالم.

ولقد هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي حيث كان جماعات منهم يعيشون مع الأوس والخزرج في نفس المدينة، أو على مقربة منها، وهم يهود بني قينقاع، ويهود بني النضير، ويهود بني قريظة.

وكان المنطق السليم والتفكير القويم يحتمان على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبسط يده إليهم بالمودة والتعاون، فتمت بينه وبينهم تلك المعاهدة التي أشرنا إليها في الفصل الخامس من هذا الكتاب، وهي معاهدة حكيمة قوامها التضامن الكامل

1 القائلون هم اليهود.

ص: 288

بين المسلمين واليهود، والتعاون التام بين الفريقين إذا نزلت شدة بأحدهما أو كليهما.

وكان من الطبيعي -وهذه أخلاقهم، وتلك مبادئهم- ألا يكون هناك مجال لتعاون أو تضامن أو إخلاص من جانبهم، وأن تكون عهودهم ومواثيقهم مرتبطة بمنفعتهم العاجلة كلما لاحت لهم، أو ومضت في سمائهم.

أما الخلق في ذاته والمبادئ في ذاتها فلا وزن لها عندهم، ومن أجل ذلك تراهم يظهرون المودة للرسول صلى الله عليه وسلم في أول جوار لهم مع المسلمين. فلما بدأت المطامع تدب في نفوسهم من طرق أخرى سارعوا بالغدر والخيانة، ونقضوا العهود والمواثيق. فكان ذلك البغي من جانبهم شؤمًا عليهم وشرًّا ووبالًا حاق بهم.

فيهود بني قينقاع نكثوا أيمانهم ونقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدءوا المسلمين بالعدوان.

ومن ذلك أن امرأة من نساء الأنصار قدمت إلى سوق اليهود من بني قينقاع ومعها حلية لكي تعرضها على صائغ منهم، فجلست إلى صائغ في تلك السوق، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها وهي تأبى، فجاء يهودي من خلفها في غفلة منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها. فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحك اليهود، وصاحت المرأة صيحة هي مزيج من الحزن والندم والخجل والاستغاثة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، واجتمعت اليهود على المسلم فقتلوه.

وحينئذٍ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساءهم وطلب إليهم أن يكفوا عن أذى المسلمين. وأن يحفظوا عهد المودة والسلام حتى لا يصيبهم ما أصاب قريشًا في

ص: 289

غزوة بدر، ولكنهم استخفوا بوعيده وأجابوه:

لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة إنا -والله- لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس1، ثم تظاهروا بالعداوة وتحصنوا في حصونهم فلم يكن هناك بد من مقابلة الشر بمثله، وإلا تعرض مركز المسلمين للتداعي والانهيار.

ويهود بني النضير -أيضًا- نقضوا العهد والميثاق مع المسلمين وبدأ الغدر والعدوان من جانبهم، فهموا بأن يلقوا على الرسول صلى الله عليه وسلم صخرة، وهو مستند إلى جدار في محلتهم بالقرب من قباء مع نفر من أصحابه، ثم اجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسجد وعرض الأمر عليهم، فانتهى الرأي إلى اتخاذ الحزم والصرامة معهم، فأرسل الرسول إليهم محمد بن مسلمة وقال له:"اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي، وقد أجّلتكم عشرًا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه"2.

ويهود بني قريظة -كذلك- نقضوا العهد مع المسلمين في غزوة الأحزاب3، وقد كان ذلك في أحرج الظروف وأعنف الأزمات، وفي وقت

1 والقصة صحيحة، وانظرها في:

"سيرة ابن هشام" 2/ 426، "طبقات ابن سعد" 2/ 28، "تاريخ الطبري" 2/ 479 "مغازي الواقدي" 1/ 176، "سيرة ابن حزم" 154، "عيون الأثر" 2/ 352، "دلائل النبوة" للبيهقي 3/ 173، "البداية" 4/4، والنويري 17/ 67، و"السيرة الحلبية" 2/ 272، و"السيرة الشامية" 4/ 265، وغير ذلك.

2 انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 198، و"البداية" 4/ 74، وكتب التفسير عند قوله تعالى:{وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا..} التوبة 74، و"دلائل أبي نعيم" رقم 425، و"الخصائص" 1/ 526، و"أسباب النزول" للسيوطي 94، و"فتح الباري" 8/ 323.

3 كما مضى ذكر ذلك.

ص: 290

تآمرت عناصر الشر فيه ضد المسلمين، وتآلب الطغيان عليهم من كل مكان، وهو الوقت الذي وصفه الله تعالى بقوله:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَاّ غُرُوراً، وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَاّ فِرَاراً} 1.

وحسبنا في تصوير مدى حقد اليهود على الإسلام والمسلمين أنهم تناسوا ما تنطوي عليه مبادئ الديانة اليهودية في أساسها من التوحيد، وفضلوا الوثنية على دين محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك يروي المؤرخون أن قريشًا قالت لليهود: يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول، وأصحاب العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟

قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه2.

1 سورة الأحزاب، الآيات 9-10-11-12.

2 أخرج ذلك الطبري في "المعجم الكبير" 11645 من حديث ابن عباس نحوه، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 6: فيه يونس بن سليمان الجمال، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. انتهى.

وقال الحافظ ابن كثير في "التفسير" 1/ 513 روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف انتهى.

قلت: نعم.

فقد أخرج هذا سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة مرسلًا.

وكذلك عبد الرزاق وابن جرير.

وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي مالك.

وانظر "الدر المنثور" 1/ 306-307 وما جاء في ذلك.

وهذه الطرق جميعها وإن كانت لا تخلو من مقال، فإنها تتقوى ببعضها.

وانظر "دلائل النبوة" للبيهقي 3/ 191-194.

ص: 291

وإلى ذلك يشير الله عز وجل بقوله:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً} 1.

وقد بلغ من إساءتهم إلى الحق في هذه الناحية أن رجلًا منهم أفزعه ذلك فأنحى عليهم باللائمة وسفه ما قالوه، وهذا الرجل يسمى: إسرائيل ولفنسون، وهو مؤلف كتاب: تاريخ اليهود في جزيرة العرب.

يقول ذلك الرجل اليهودي:

كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، لأنهم بالتجائهم إلى عبادة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوارة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام والوقوف معهم موقف الخصومة.

ويتضح لنا من ذلك مدى الكراهية الشديدة والحقد العنيف الذي تنطوي عليه نفوس اليهود نحو المسلمين، ويا له من حقد بالغ ذلك الذي يدفع أصحابه إلى مخالفة العقائد الموروثة، وتغيير الحقائق المعلومة، وتتضح لنا -كذلك- نفسية اليهود وما عرف من أخلاقهم، وهو أن الغاية عندهم تبرر الوسيلة، فأما الأخلاق والمثل والمعاني الإنسانية إلى غير ذلك، فهذه كلمات لا معنى لها في نظرهم، إن لم توصلهم إلى مآربهم وغاياتهم مهما انحدرت تلك المآرب والغايات.

وحينما اطمأن اليهود وعلى رأسهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق،

1 سورة النساء، الآيتان 51-52.

ص: 292

وعرفوا أن قريشًا ستؤازرهم من أجل القضاء على محمد صلى الله عليه وسلم واستئصال دعوته وأخذوا منهم موعدًا قريبًا لتنفيذ ذلك، مضوا في طريق الكيد والخصومة إلى نهايته، وأحكموا أطراف المؤامرة، فخرجوا إلى القبائل العربية التي لا تزال تحقد على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه تتربص بهم الدوائر، ومنهم قبيلة غطفان، وقد حرض اليهود رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، ومنهم بنو مرة وبنو أشجع، وبنو سليم وبنو أسد. وقد حرض اليهود رجالهم -كذلك- على حرب محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ووجدوا منهم قبولًا وارتياحًا، واستعدادًا للانضواء تحت لواء قريش في سبيل ذلك الهدف الذي عقدوا عليه الآمال، وظنوه يسيرًا قريب المنال.

وقد لقي اليهود جزاء غدرهم، وحل بهم سوء صنيعهم، وجنوا عاقبة خيانتهم خسرانًا ونكالًا أصابهم في أموالهم وأنفسهم، وهم أحرص الناس على المال والحياة.

فأما بنو قينقاع فقد حاصرهم المسلمون في دورهم خمسة عشر يومًا متتابعة لا يخرج منها أحد، ولا يدخل عليهم بطعام أحد، حتى لم يبق لهم إلا النزول على حكم محمد صلى الله عليه وسلم فانتهى الأمر بإخراجهم من المدينة ولهم النساء والذرية، وللمسلمين الأموال، فذهبوا إلى أذرعات بالشام1.

وأما بنو النضير فقد طردوا -كذلك- من ديارهم، على أن يكون لكل ثلاثة بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال، أو طعام أو شراب، وأفاء الله ما بقي من أموالهم على المسلمين، وقد ذهب بعضهم إلى خيبر، وسار الآخرون إلى أذرعات بالشام.

1 انظر "البداية" 3/ 3-4 وما قدمته من مصادر هذه الغزوة قبل صفحات.

ص: 293