الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ستنتهي من الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في ساعات معدودة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون سفرًا عاديًّا، أو رحلة تجارية يرجعون بعدها وقد قضوا على قوة المسلمين، وغنموا منهم عدتهم وعتادهم وكل شيء لديهم، ولكنهم كانوا يبنون الآمال على شفيرٍ هارٍ، ويقدرون فتضحك الأقدار.
ولقد وقفوا أمام الخندق وقفة المشدوه، وتملكهم العجب واشتدت بهم الحيرة، ولا غرو فهذا العمل كان مفاجأة غير منتظرة، وهذا السلاح جديد في نوعه لم يتعوده العرب من قبل في حروبهم.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون -وعددهم حينئذٍ ثلاثة آلاف- يجعلون الخندق بينهم وبين أعدائهم حدًّا فاصلًا، وينظرون إلى تحركاتهم وتجمعاتهم من الجهة المقابلة، وقد أعدوا لكل احتمال عدته، واتخذ كل جندي أهبته، وكانوا يشددون الحراسة على الأماكن الضعيفة ويتبادلونها، حتى لقد كانت للرسول صلى الله عليه وسلم نوبته، فكان يخرج إليها أحيانًا في الليل المظلم والبرد القارس.
ولقد عرفت قريش والأحزاب أن الأمد سيطول بهم، وأنهم سيقيمون أمام هذا الخندق ما وسعتهم الإقامة، ولكنهم لن يستطيعوا اقتحامه، وهذه الخيام التي نصبوها قريبًا من الخندق سوف لا تجيدهم فتيلًا إذا فاجأهم ريح عاصف أو سيل جارف. عرفت قريش والأحزاب ذلك كله فتملك نفوسهم همّ بالغ وحزن عظيم، وبدأوا يفكرون ويفكرون ويسيحون في أودية الأوهام والظنون.
موقف رائع لعلي بن أبي طالب
وكان عمرو بن عبد ودّ قد استطاع أن يقتحم فرسه الخندق من ناحية ضيقة فيه، فنادى وهو مقنع بالحديد: من يبارز؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه عمرو، اجلس".
ثم نادى عمرو: ألا رجل منكم يبرز؟ أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا.
فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"اجلس" ولكن عمرًا تمادى في غيه، وأخذ يصيح وينشد قائلًا:
ولقد بححت من الندا
…
ء لجمعهم: هل من مبارز؟
وقفت إذا جبن المشجع
…
موقف القرن المناجز
إن الشجاعة في الفتى
…
والجود من خير الغرائز
فقام علي فقال: يا رسول الله: أنا لها.
فقال له صلى الله عليه وسلم: "إنه عمرو".
قال: وإن كان عمرًا!
فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتا
…
ك مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة
…
والصدق ينجي كل فائز
ني لأرجو أن أقيم
…
عليك نائحة الجنائز
من ضرب نجلاء يبقى
…
ذكرها عند الهزاهز1.
1 "الروض الأنف" للسهيلي 2/ 191، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق، وعنه أسند القصة البيهقي في "الدلائل" 3/ 438، ونقل ابن كثير في "البداية" 4/ 106 عن البيهقي.
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟
قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال: يابن أخي مِن أبناء أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أريق دمك.
فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أريق دمك.
فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه.
فاندفع علي نحوه في شجاعة وإيمان، وضربه على حبل عاتقه فسقط يتخبط في دمائه، وذهب صريع بغيه وعدوانه.
وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم التكبير، فعرف أن عليًّا قد قتله، ثم أقبل علي نحو رسول الله ووجهه يتهلل.
فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟
فقال: استحييت أن أسلبه درعه وسوءته مكشوفة.
وفي هذا الموقف الرائع يتغنى علي بن أبي طالب بنصر الله له، على هذا العدو الماكر.
ويتحدث بنعمة الله عليه، فيقول:
عبد الحجارة من سفاهة رأيه
…
وعبدت رب محمد بصواب1
1 وقبل هذا البيت أبيات.
فصدرت حين تركته متجندلًا
…
كالجذع بن دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني
…
كنت المجندل بزَّني أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه
…
ونبيه يا معشر الأحزاب
وكان في جيش المسلمين جماعة من المنافقين لا يعلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقد وقف هؤلاء المنافقون -كعادتهم من المسلمين- موقف اللؤم والخيانة، ولا ريب أن عمر النفاق قصير، وأساليبه وحيله لا تخفى على العقلاء أمدًا طويلًا، ومهما بالغ المنافقون في ستر حقيقتهم فإنهم لدى الاختبار يخفقون في الميدان، ولا يثبتون أمام الشدائد.
وها هم أولاء في تلكم الغزوة يفزعون حينما يرون الأحزاب، وقد جمعوا جموعهم وتهيئوا للحرب والقتال، وتظلم نفوسهم، فيسخرون من وعود الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بالنصر على أعدائهم، ويقولون: كان محمد يعدنا كنز كسرى وقيصر، فما بالنا لا يأمن أحدنا على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقد سجل الله ذلك القول منهم في تلكم الآية الكريمة:
ثم يتمادى المنافقون في غدرهم وخيانتهم فينسحبون من صفوف المؤمنين ويثبطون الهمم والعزائم ويقولون: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} 2.
ويعتذرون عن رجوعهم بالأعذار الكاذبة التي أظهر الله حقيقتها بقوله:
1 سورة الأحزاب، الآية 12.
2 سورة الأحزاب، الآية 13.