الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غزوة تبوك وما تلاها من أحداث
مدخل
…
غزوة تبوك 1 وما تلاها من أحداث
وضحت قوة المسلمين بعد فتح مكة، وغزوة حنين وتغلغل نفوذهم في أرجاء الجزيرة العربية، ولم تبق فيها ناحية من النواحي إلا أحست بسلطان المسلمين، ولم تحاول أية قبيلة من القبائل أن تقاوم هذا السلطان، وبينما كان صلى الله عليه وسلم يعمل على تثبيت دعائم الدولة الإسلامية المظفرة، إذ جاءته أخبار من بلاد الروم أنها تجمعت لغزو بلاد العرب الشمالية، لذلك عزم صلى الله عليه وسلم على مواجهة هذه القوى بنفسه، والقضاء عليها قضاء يبدد كل أمل في الهجوم على المسلمين، على الرغم من أن الوقت كان شديد الحرارة، والمسافة طويلة تحتاج إلى الصبر، وكثرة الزاد.
1 وتبوك موضع بين وادي القرى والشام.
وتسمى هذه الغزوة بالعسرة أيضًا، وتسمى بالفاضحة أيضًا، لافتضاح المنافقين، وانظر تفاصيلها في:"سيرة ابن هشام" 4/ 128، "طبقات ابن سعد" 2/ 165، "مغازي الواقدي" 3/ 989، "صحيح البخاري" 6/ 2، "تاريخ الطبري" 3/ 100، "عيون الأثر" 2/ 275، "البداية والنهاية" ص215، و"المواهب اللدنية" 1/ 625، "شرح المواهب" للزرقاني 3/ 62، النويري 17/ 252، "تاريخ الخميس" 2/ 122، "السيرة الشامية" 5/ 626 "دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 212، "مجمع الزوائد" 6/ 191، "الكامل في التاريخ" 2/ 189، "الرحيق المختوم" ص 395، وغير ذلك.
دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، وإخلاص الصحابة:
فاتح الرسول صلى الله عليه وسلم الناس بعزمه على الخروج لقتال الروم، ولم يخف الجهة عن المسلمين كما كانت عادته في كثير من الغزوات، بل أفضى إليهم بالغرض منها ليتأهبوا ويأخذوا العدة، وأرسل إليهم يستنفرهم ويحثهم على التبرع، كما
حض أثرياء المسلمين على المشاركة في تجهيز الجيش بما آتاهم الله من فضله.
واستجابت الكثرة من المسلمين لهذه الدعوة، فأقبلوا جماعات حتى ضاق بهم فضاء الصحراء، يسوقون أمامهم خيلهم وإبلهم مدرعين بأسلحتهم، لم تمنعهم مشقة الطريق ولا شدة الحر، وتبارى كبارهم في الإنفاق وشراء السلاح، فجاء أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"هل أبقيت لأهلك شيئًا؟ ".
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
كما أسرع عثمان بن عفان رضي الله عنه بتجهيز ثلث الجيش من ماله1.
وأقبل كثير من الفقراء يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم معه، فحمل بعضهم واعتذر إلى الباقين، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا على حرمانهم من نعمة الجهاد، فبين الله أنهم لا لوم عليهم حيث قال:{وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَاّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} 2.
وجاءت جماعة من المنافقين يلتمسون الأعذار، ويحلفون بالله قائلين: لو استطعنا لخرجنا معكم. والله يعلم أنهم لكاذبون، كما كانوا يمنعون بعضهم من هذا الغزو في الجو المحرق، ففضح الله أمرهم بقوله: {وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي
1 حيث جهزة ثلاثمائة بعير، وما يلزمها من ماله الخاص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا" سنن الترمذي 3700 وقال: حسن غريب. وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة.
قلت: وأخرج نحو هذا الطبراني 18/ 331 عن عمران بن حصين، فالحديث يصحح بشواهده. على أنه جاء في بعض الطرق الضعيفة أنه جهز أكثر من ذلك.
2 سورة التوبة، الآية 92.