الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًّا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على سعد ودعا له بخير، ولأنه قدر الظروف وعرف أن مكان القائد هو الإشراف والتوجيه فلا ينبغي أن يتعرض للأخطار1، لأن في حياته حياة الأمة وكيانها وكرامتها، ثم بني العريش للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون في مأمن من العدو إذا لم يكن النصر في جانب المسلمين، وهكذا الإخلاص والإيثار: إخلاص الجندي الأمين لقائده الأمين، وإيثار المؤمن لنبيه على نفسه.
وبمثل هذا الإخلاص والإيثار مَنَّ الله على المسلمين، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، وإن في ذلك لعبرة
…
1 ليس مطلقًا، وها هو صلى الله عليه وسلم يوم حنين يأتي المشركين بمفرده على بغلته يقول:
أنا النبي لا كذب
…
أنا ابن عبد المطلب
وقد جاء في رواية في المسند ذكرها الحافظ أن كثير في "البداية" 3/ 277 أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" وهذا وقع عند مسلم من حديث أنس.
في ميدان المعركة:
وقد بدأت المعركة في اليوم السابع عشر من رمضان، وفي السنة الثانية من الهجرة النبوية، حيث وقف الحق أمام الباطل وجهًا لوجه، والتقى الجمعان فئة قليلة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وفئة كثيرة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان
…
فانتصر الحق بفضل الله وعلا لواؤه، ولاذ الباطل بالفرار وقد أفل نجمه وطاش سهمه.
وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم ينظم صفوف المقاتلين من المسلمين، ثم أعلن بدء المعركة بهذه الكلمة القوية المؤمنة:"والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة". ولا ريب أن الكلمة المؤمنة إذا صادفت القلوب المؤمنة كانت كالغيث الهتون يصيب الأرض النقية الطيبة فينبت فيها الخير الكثير
…
فلم يكد المسلمون المؤمنون يسمعون هذه الكلمة من نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى نسوا الدنيا بما فيها من سعادة ونعيم، حتى إن أحدهم -وهو عمير بن الحمام- كان يأكل بعض تمرات فألقاها، لأنه آثر عليها تمر الجنة، وكأنما يراه بعينيه ويلمسه بيديه، وينطلق مسرعًا للقتال لكي يحظى بنعمة الاستشهاد في سبيل الله وهو ينشد بقلبه ولسانه:
ركضًا إلى الله بغير زاد
…
إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
…
وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد1
وظل يقاتلهم ويقتل منهم ما شاء الله أن يقتل حتى قُتل في سبيل الله، فشفى الله صدره بالجهاد وحقق له نعمة الاستشهاد، وهكذا:
تردَّى ثياب الموت حمرًا فما أتى
…
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
ولقد تجلى في هذا اليوم وفي هذه المعركة عدل الله وقصاصه من الظالمين،
1 أسند ذلك ابن جرير وغيره كما في "البداية" 3/ 277.
إذ لمسوا نتيجة ظلمهم وجنوا عاقبة غدرهم وإثمهم:
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} 1.
فهذا أُمية بن خلف الجمحي القرشي رأس الكفر والضلال، وداعية الظلم والظلام، وباعث الشر والفتنة في مكة، والعدو الألد للإسلام منذ ظهوره تسلط بظلمه على بلال بن رباح -وكان مملوكًا له- فكان يخرج به وقت الظهيرة في الرمضاء2 ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.
فيقابل بلال ذلك الأذى بالصبر الجميل والإيمان العميق، ويتنفس الصعداء من خلال الألم الممض والأسى المرمض، قائلًا: أحد أحد3.
أجل، هذا هو أُمية بن خلف في مكة وقبل يوم بدر
…
ثم ها هو ذا الآن في يوم بدر يتنكر له الزمن وتدور عليه الأيام فماذا عسى أن يكون؟ لقد لمس هو والطغاة عاقبة ظلمهم وبغيهم، ونظروا إلى قوتهم فوجدوها متضائلة متخاذلة. وقد كانت إلى الأمس القريب صائلة وجائلة، واستصرخوا آلهتهم المتعددة فلم تسمع ولم تجب، بينما كان المسلمون ينادون إلههم الواحد فيرونه قريبًا ويجدونه سميعًا مجيبًا.
ونظر أُمية بن خلف في صفوف المسلمين فرأى عبده القديم بلال بن رباح يمرح في ربيع الحرية، ويصول ويجول تحت ظلال العزة الإسلامية.
ونظر بلال بن رباح في صفوف المشركين، فرأى أُمية بن خلف وقد ساقه الله
1 سورة هود، الآية 102.
2 الحر الشديد.
3 وقد مضى.