الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الألفاظ- كل ذلك يجعل الحقيقة في هذه القصة واضحة لذي عينين، ويبعد بها عن الأسلوب المجازي بعد المشرقين.
وإذا كان بعض المستشرقين ينكر هذه الحادثة لأنها تعتمد على رواية طفلين لا يصح الأخذ بقولهما، فإننا نرى أن رواية الأطفال كثيرًا ما تكون بعيدة عن الكذب والاختلاق أكثر من رواية الرجال.
ومع ذلك فقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الحادثة بعد البعثة حينما كان يسترجع ذكريات الطفولة ويقصها على أصحابه، وأخبر عن المرة الثانية التي وقعت له في ليلة الإسراء والمعراج1.
وإذن فالرأي الذي نرتضيه هو أن حادث شق الصدر قد وقع بطريقة حسية، وأنه من الإرهاصات التي تبشر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتسلط الأضواء عليه قبل النبوة، إذ ليس هناك ما يمنع من ذلك ما دمنا نؤمن بالعناية الإلهية التي تصاحب الأنبياء منذ فجر حياتهم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
1 وقد تقدم ذكر ذلك وأكثر، وحادثة شق الصدر لا يرتاب فيها من شم رائحة العلم.
عهد الطفولة والشباب:
وهو العهد الذي يبدأ منذ رجع محمد صلى الله عليه وسلم من بادية بني سعد، وهو في الخامسة من عمره إلى أن بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة ونزل عليه الوحي ليكون رسولًا نبيًّا، وقد مرت بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الحقيقة أحداث كثيرة تركت في نفسه أعظم الآثار، فكان يذكرها بعد النبوة ويتحدث عنها حديث الحب والشوق أو حديث الألم والحزن أو حديث الإعجاب والتقدير، فمن ذلك سفره مع أمه إلى
يثرب، وهو في السادسة من عمره لزيارة أخوال جده من بني عدي بن النجار1.
وفي هذه الرحلة رأى محمد صلى الله عليه وسلم قبر والده عبد الله في يثرب، فانطبعت في نفسه معانٍ عميقة ظل يشعرها طول حياته، ثم رأى والدته وهو عائد من يثرب إلى مكة يتخطفها الموت وتغيب عن عينيه في أعماق الثرى، ولا يرى معه في هذا الظرف العصيب إلا جاريته أم أيمن تضرب في البيداء المترامية، وبين الظلمات المتكاثفة من الخوف والحزن الذي ألم به بعد فراق أمّه الرءوم حتى تعود به إلى جده عبد المطلب فيتسلمه.
ومنذ أن عاد محمد صلى الله عليه وسلم إلى جده العظيم عبد المطلب بدأت تزول مخاوفه وأحزانه، لأنه رأى من عطفه وحنانه ما أنساه ألم اليتم وعوضه عن فقد والديه. ويذكر الرواة من مظاهر هذا العطف والحنان أن عبد المطلب كان له فراش في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إجلالًا له واحترامًا، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عن فراش جده، فيقول عبد المطلب حين يرى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا. ويجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما كان يصنع2.
1 ذكر هذه الحادثة ابن سعد في "الطبقات" 2/ 116- 117 مسندًا ذلك عن الزهري وقتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وابن عباس.
وانظر "المواهب اللدنية" 1/ 168، و"الروض الأنف" 1/ 194، و"البداية والنهاية" 2/ 179، ومجيء هذه الحكاية من أوجه متعددة يفيد ثبوتها، وإن كانت جميعها مرسلة.
2 سيرة ابن هشام، و"الروض الأنف" 1/ 195، و"البداية والنهاية" 2/ 281، ولم أقف على هذه الحكاية من وجه مسند متصل، وقد رواه الواقدي -وهو متروك- من أوجه مرسلة.
ولكن القدر لم يمهل عبد المطلب بعد وفاة آمنة سوى عامين ثم أدركته المنية ومحمد صلى الله عليه وسلم لا يزال في الثامنة من عمره 1، وقد فزع محمد لفراق جده، وامتلأت نفسه بالحزن العميق حتى لقد لفت هذا الحزن أنظار الناس وهم يشيعون عبد المطلب إلى مقره الأخير حيث كانوا يرون محمدًا -وهو الطفل الصغير- يمشي في جنازة جده مطرق الرأس موزع الفكر دائم البكاء 2.
ومن ذلك سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جده، وكان خير المثال للعمومة الكريمة والأبوة الرحيمة.
وفي هذا الطريق التقى محمد صلى الله عليه وسلم براهب نصراني يقال له: بحيرا، وكان محمد صلى الله عليه وسلم حينئذٍ في الثانية عشرة من عمره، وكان ذلك بالقرب من بصرى وهي قرية في الحدود بين الشام وبلاد العرب. ويقال إن هذا الراهب أخذ يسأل محمد صلى الله عليه وسلم عن كثير من أحواله، وإن محمدًا صلى الله عليه وسلم أخبره عن كل ما سأل عنه. فوجد هذا الراهب أن هذه الأوصاف هي أوصاف النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل.
وحينئذٍ قال لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: إنه ابني.
فقال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت.
1 هذا قول ابن إسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" 1/ 178، وأسنده عنه البيهقي في "الدلائل" 1/ 188، ولم يحك ابن كثير غيره في "البداية" 2/ 282.
وقد أخرج ابن سعد من وجه ضعيف 1/ 119 "أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم، أنا يومئذٍ ابن ثماني سنين". وقالت أم أيمن: رأيته يبكي خلف سرير عبد المطلب.
2 قدمنا في الحاشية السابقة قول أم أيمن وأنها رأته يبكي، والسند ضعيف.
وقد نصح هذا الراهب أبا طالب بألا يوغل بمحمد صلى الله عليه وسلم في بلاد الشام خوفًا عليه من أذى اليهود وشرهم إذا رأوا فيه تلك الأمارات التي تدل على أنه النبي المنتظر1.
1 ذكر هذه القصة ابن إسحاق بلا إسناد 1/ 191 - 194 وعنده مزيد تفصيل.
وأوردها صاحب "الروض الأنف" 1/ 205-207 وعزاها كذلك للزهري في سيره والمسعودي.
وأخرج ابن سعد القصة 1/ 120-121 بسند منقطع، ومن طريق الواقدي.
ومن هذا الوجه أخرج القصة أبو نعيم، كما في "دلائل النبوة" رقم 108 و"الخصائص" للسيوطي 1/ 211، و"الإصابة" 1/ 179 لابن حجر.
وفي "المواهب اللدنية" 1/ 187 عزاه لابن أبي شيبة لكن في القصة اختلاف.
وفي "البداية" 2/ 284 ذكر قصة لقاء بحيرى وقال:
أخرج الحافظ الخرائطي عن عباس الدوري، عن قراد أبي نوح، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه، قال خرج أبو طالب.. فذكر في الحديث أنه لقي بحيرى وقال له عن النبي صلى الله عليه وسلم: هذا سيد العالمين.
وروى هذا الحديث الترمذي والبيهقي وابن عساكر والحاكم من هذا الوجه بزيادة تفصيل.
ورجال الحديث موثقون غير قراد:
قال ابن كثير: وثقه جماعة من الأئمة ولم أر من جرحه، وفي حديث هذا غرابة وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال الدوري: ليس في الدنيا أحد يحدث به غير قراد، وقد سمعه منه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين لغرابته وانفراده. قال ابن كثير:
فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة
…
إلى آخر ما قال.
قلت: وذكر بحيرى الراهب في الصحابة عند ابن منده وأبي نعيم تقضي عندهما ثبوت الخبر ما داما لم يتعقبا الرواية بشيء.
وقال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي.
وقال ابن حجر في "الإصابة" 1/ 139 في القسم الأول في بحيرى الراهب غير هذا: ظن بعضهم أنه بحيرى الراهب الذي لقي النبي صلى الله عليه وسلم بالشام قبل البعثة مع أبي طالب وليس بصواب -إن صح الخبر.
ثم قال 1/ 176 في القسم الرابع: وردت هذه القصة بإسنادٍ رجاله ثقات من حديث أبي موسى، أخرجها الترمذي وغيره، وفي القصة لفظة منكرة..
ثم ذكر أن الحديث وقصة بحيرى أخرجها الحافظ عبد الغني من وجه تالف. قلت: سند حديث أبي موسى رجاله ثقات نعم، لكن لا يصح خشية أن يكون أبا إسحاق قد دلس فيه.
ولا شك أن هذه الرحلة كان لها أثر كبير في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فلقد وسعت أفقه وزادت من تجاربه، وفتحت بين يديه أبوابًا من الأمل الواسع في مستقبل عظيم ومجد كبير.
ومن ذلك شهوده حرب الفجار وحلف الفضول.
أما حرب الفجار فقد شهدها محمد صلى الله عليه وسلم مع أعمامه وكان عمره خمسة عشر عامًا1، فكان يناول أعمامه السهام أحيانًا ويقاتل معهم أحيانًا أخرى.. وكانت هذه الحرب بين كنانة وقيس.
وقد انضمت قريش إلى كنانة دفاعًا عن قداسة الأشهر الحرم ومكانة أرض الحرم، واستمرت هذه الحرب أربعة أعوام، ثم انتهت بالصلح بين الفريقين2.
وأما حلف الفضول، فهو ميثاق كريم يدعو إلى الدفاع عن الحقوق وحماية المستضعفين. وقد عقدته قريش بعد رجوعها من حرب الفجار في دار عبد الله ابن جدعان بمكة، وتعاهدت فيه أن تحمي الضعفاء والمظلومين حتى يأمن كل إنسان على ماله وعياله، وقد رفع هذا الحلف مكانة قريش بين قبائل العرب،
1 هذا قول ابن هشام عن أبي عبيدة النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء، 1/ 195، ثم نقل عن ابن إسحاق 1/ 198 أن الحرب هاجت وللنبي صلى الله عليه وسلم عشرون سنة.
وانظر "البداية" 2/ 289.
وقد أخرج ابن سعد 1/ 126 - 127 من طرق واهية أنه كان ابن عشرين.
ولعل الجمع أنه كان أول ما حضرها ابن خمسة عشر في أولها، فلما انتهت كان قد قارب العشرين، والله أعلم.
وسيؤيد هذا الكلام ما يأتي.
2 وذلك بدعوة قام بها عتبة بن ربيعة، كما في "طبقات ابن سعد" 1/ 128، و"البداية" 2/ 290 لابن كثير، وغيرها.
وكان محمد صلى الله عليه وسلم وقت حضوره هذا الحلف في العشرين من عمره1.
وقد ترك هذا الحلف العظيم في نفس محمد صلى الله عليه وسلم أعمق الآثار، لأنه حلف إنساني يدعو إلى الخير ومكارم الأخلاق، ثم تحدث صلى الله عليه وسلم عنه بعد البعثة فأثنى عليه وقال:"لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أود لو أن لي به حمر النعم 2، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت"3.
1 أخرج ذلك ابن سعد 1/ 128 بسند ضعيف، لكن صح عنه صلى الله عليه وسلم هذا الحلف كما سيأتي دون تحديد السن.
2 حمر النعم، هي الإبل الحمراء، وهي أجود أنواع الإبل.
3 هذا هو الصحيح، والحديث صحيح.
وقد وقع بعض الغلط في بعض الأحاديث، فذكر بعض الرواة أنه صلى الله عليه وسلم، شهد حلف المطيبين، وقال فيه هذا، كما أخرجه أحمد في "المسند" 1/ 190، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 38 وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن عوف رفع الحديث:
"شهدت مع أعمامي حلف المطيبين، ما أحب أن أنكثه، وأن لي حمر النعم"، ثم أخرج البيهقي 2/ 38 عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين
…
".
قال البيهقي: زعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين
…
إلى آخر كلام البيهقي.
ونقل ابن كثير في "البداية" 2/ 291 كلامه هذا وقال:
وهذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي.. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت فسموا المطيبين، وكان هذا قديمًا، ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول، وكان في دار عبد الله بن جدعان، كما رواه الحميدي، عن ابن عيينة، عن عبد الله، عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت
…
".
وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة، في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر
…
إلى آخر ما قال.
وانظر "الكامل في التاريخ" 2/ 27، و"طبقات ابن سعد" 1/ 129.