الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
46 - التنويه بعلو شأن المنعم عليهم وفضلهم ورفعة قدرهم
، وعلو درجاتهم يؤخذ هذا من قوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .
47 - الترغيب بسلوك الطريق المستقيم
ببيان الرفقة فيه وسالكيه وأنعم بهم من رفقة.
قال ابن القيم (2): ولما كان طالب الصراط المستقيم أمر أكثر الناس ناكبون عنه مريدًا لسلوك طريقٍ
مرافقه فيها في غاية القلة والعزة والنفوس مجبولة على وحشة التفرد وعلى الأنس بالرفيق نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (3).
فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم ليزول عن الطالب للهداية، وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه وليعلم أن رفيقة في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف «عليك بطريق الحق
(1) أخرجه من حديث الحسن بن على أبو داود في الصلاة القنوت والوتر الحديث 1425، والنسائي في قيام الليل، الحديث 1647، وابن ماجه - ما جاء في الوتر الحديث 1178، وأحمد 1: 199 وهو حديث صحيح.
(2)
في «مدارج السالكين» 1: 44 - 45 وانظر «التفسير القيم» ص21.
(3)
سورة النساء، الآية 96
ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين" وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم، وغض الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وصاحوا بك في طريق سيرك فلا تلفت إليهم، فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك.
وقد ضربت لذلك مثلين، فليكونا منك على بال:
المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة، لا يريد غيرها فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلامًا يؤذيه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى المسجد، حتى فاتته الصلاة وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة فإن التفت إليه أطمعه في نفسه، وربما فترت عزيمته. فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز (1)، بقدر التفاته أو أكثر فإن أعرض عنه، واشتغل بما هو بصدده وخاف فوت الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوه منه ما شاء.
المثل الثاني: الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه. فيدركه الكلب، فيأخذه.
والقصد أن في ذكر هذا الرفيق: ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم، وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت
(1) الجمز: سرعة السير والعدو - انظر «اللسان» مادة جمز