الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقصود في الطريق فلا يحجب عنه بالوسيلة ، والتاسعة أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة ، والعاشرة أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها وهما طريق أهل الغضب وطريق أهل الضلال»
{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
الصراط مفعول ثاني لـ {اهْدِنَا} كما تقدم و «أل» في الصراط للعهد العلمي الذهني أي الصراط المعلوم المعهود ، لأن اللام إذا دخلت على موصوف اقتضت انه أحق بتلك الصفة من غيره. وإنما جاء الصراط معرفًا لأن المقام مقام دعاء وطلب. ويأتي الصراط منكرًا إذا كان المقام مقام إخبار كقوله تعالى:{وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} (1) وكقوله: {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (2) وكقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (3).
قرأ ابن كثير (السراط) بالسين في جميع القران ، وقرأ حمزة بإشمام السين بين الزاي والصاد ، وقرأ بقية القراء (الصراط) بالصاد (4).
ومعني الصراط: الطريق المسلوك ، والسبيل الواضح مأخوذ من الاستراط وهو الابتلاع ، يبتلع السائر فيه ، والماشي عليه: أي
(1) سورة الفتح ، الآية:2.
(2)
سورة الانعام ، الآية:87.
(3)
سورة الانعام ، الآية: 161 ، انظر «بدائع الفوائد» 2: 12 - 13.
(4)
انظر: «معالمم التنزيل» 1: 41 ، «الكشاف» 1: 11 ، «المحرر الوجيز» 1: 79 ، «زاد المسير» 1: 14 ، «انوار التنزيل» 1:11.
يضمه بين جانبيه (1).
(المستقيم): صفة للصراط منصوبة مثله.
والمستقيم: هو اقرب خط يصل بين نقطتين (2). وهو المعتدل المستوي ، الذي لا اعوجاج فيه ، ولا التواء (3).
قال جرير (4) يمدح هشام بن عبد الملك
أمير المؤمنين على صراط
…
إذا اعوج الموارد مستقيم
وقال الآخر: فصد عن نهج الصراط القاصد.
فالصراط المستقيم: هو الطريق المعتدل الواضح الذي لا اعوجاج فيه ، ولا التواء ، وهو صراط الله كما قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} (5)، وقال تعالى:{صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (6).
وهو الصراط الذي عليه ربنا تبارك وتعالى كما قال هود عليه
(1) انظر: «مجاز القران» 1: 24، «المفردات في غريب القران» مادة «سرط» ، «معالم التنزيل» 1: 41، «الكشاف» 1: 11، «المحرر الوجيز» 1: 79، «زاد المسير» 1: 14، «لسان العرب» مادة:«سرط» «بدائع الفوائد» 2: 16 ، «انوار التنزيل» 1:11.
(2)
انظر «مدارح السالكين» 1: 33، «التفسير القيم» ص 60.
(3)
انظر: «تفسير الطبري» 1: 170 ، «تفسير ابن كثير» 1: 54، «الجامع لأحكام القران» 1: 148 ، «أنوار التنزيل» 1:11.
(4)
انظر: «ديوانه» ص 218 ، تحقيق د. نعمان طه ، القاهرة 1969 ، «الجامع لأحكام القران» 1: 147 ، والموارد: طرق الماء.
(5)
سورة الأنعام، الآية:153.
(6)
سورة الشوري ، الآية:53.
وهو الصراط المؤدي إلى الله تعالى ، قال تعالى:{قَالَ هَذَا صِرَاطٌ على مُسْتَقِيم} (2)، وقال تعالى:{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} (3). أي أن السبيل القاصد ، وهو المستقيم المعتدل ، يرجع إلى الله - تعالى ويوصل إليه كما قال طفيل الغنوي:
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم
…
وصرف المنايا بالرجال تقلب
أي ممرنا عليهم ، ووصولنا إليهم.
وقال الآخر:
فهن المنايا أي واد سلكته
…
عليها طريقي أو على طريقها (4)
قال ابن القيم (5): «ولا تكون الطريق صراطًا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة والإيصال إلى المقصود، والقرب، وسعته للمارين عليه، وتعينه طريقًا للمقصود. ولا يخفي تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة:
(1) سورة هود ، الآية: 56 ، انظر «مجاز القران» 1: 24 ، «تفسير الطبري» 1: 171 ، «المحور الوجيز» 1:79.
(2)
سورة الحجر ، الآية:41.
(3)
سورة النحل ، الآية:9.
(4)
انظر «مدارج السالكين» 1: 39 ، «التفسير القيم» ص 14، 18 ، «بدائع الفوائد» 2:40.
(5)
في «مدارج السالكين» 1: 32 ، وانظر «التفسير القيم» ص 10 ، «بدائع الفوائد» 2:16.
فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه، لأن الخط المستقيم هو اقرب فاصل بين نقطتين، وكلما تعوج طال وبعد، واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود، ونصبة لجميع من يمر عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم ، ووصفة بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقًا».
والمراد بالصراط المستقيم: طريق الحق والأيمان، والدين القيم ، ومعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه في الكتاب والسنة والعمل به وفق ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (1) - إخلاصًا لله ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى:{وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (2).
وهو الطريق الموصل إلى ساحل النجاة ، وإلى الغاية المنشودة والهدف المقصود ، وهي: السعادة في الدنيا والآخرة ، والحصول على مرضاة الله وجنته ، بأقل وقت وأقصر طريق.
قال ابن القيم (3) بعد أن ذكر قسمي الهداية ، وهما هداية البيان والدلالة ، وهداية التوفيق والإلهام - قال: «وللهداية مرتبة أخرى - وهي أخر مراتبها - وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة، وهو الصراط
(1) انظر «تفسير الطبري» 1: 171، «مجموع الفتاوي» 10: 107 ، 14: 38 - 39 ، 7: 166 ، «تفسير ابن كثير» 1:56.
(2)
سورة الكهف ، الآية:110.
(3)
في «مدراج السالكين» 1: 32 ، وانظر:«التفسير القيم» ص 9 - 10 ، «تفسير ابن كثير» 1:56.
الموصل إليها ، فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم ، الذي أرسل به رسله ، وانزل به كتبه هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ، ودار ثوابه ، وعلى قدر ثبوت العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم ، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذلك الصراط».
كما ذكر في كتابه «بدائع الفوائد» (1) أن الهداية أربعة أنواع: الهداية العامة المشتركة كما قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (2) أي هداه لما خلق له من الأعمال وهذه تشمل الحيوان والجماد. ثم ذكر هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر ، وهداية التوفيق والإلهام ، ثم قال: والرابع غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سبق أليهما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِأيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (3) وقال أهل الجنة {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا} (4) وقال تعالى عن أهل النار {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (5).
(1) 2: 35 - 37.
(2)
سورة طه ، الآية:50.
(3)
سورة يونس ، الآية:9.
(4)
سورة الأعراف ، الآية:43.
(5)
سورة الصافات ، الآية: 23 ، كما ذكر ابن القيم في «مدارج السالكين» 1: 62 - 78: ان للهداية الخاصة والعامة عشر مراتب: مرتبة التكليم من الله لعبده ، ومرتبة الوحي المختص بالأنبياء ، ومرتبة إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري ، ومرتبة التحديث ، ومرتبة الإفهام ، ومرتبة البيان العام ، ومرتبة البيان الخاص والتوفيق ، ومرتبة إسماع القلوب ، ومرتبة الإلهام ، ومرتبة الرؤيا الصادقة.
فالمعنى العام لقوله - تعالى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي بين لنا وأرشدنا إلى سلوك الطريق المستقيم بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق والعمل به، ووفقنا فيه وثبتنا عليه، وزدنا هداية وأيمانًا وعلمًا، كما قال تعالى:{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (1)، وقال تعالى:{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} (2) ، وقال تعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} (3){فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ أيمَانًا} (4).
فالعبد في كل لحظة، وفي كل حال، وعند كل مسألة محتاج أعظم الحاجة إلى الهداية إلى الصراط المستقيم.
وذلك بان يهتدي لمعرفة الحق والحكم في كل مسألة ، ويوفق للعمل بما طلب منه سواء كان ذلك فعلًا أو تركا.
قال الطبري (5) في كلامه على قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} : «ومعناه نظير معني قوله: {إياكَ نَعْبُدُ} في أنه مسألة من العبد ربه بالتوفيق للثبات على العمل بطاعته. وإصابة الحق
(1) سورة الكهف ، الآية:13.
(2)
سورة مريم ، الآية:76.
(3)
سورة محمد ، الآية:17.
(4)
سورة التوبة ، الآية:124.
(5)
في «تفسيره» 1: 166.
والصواب ، فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (1): «وأما سؤال من يقول: فقد هداهم الله فلا حاجة بهم إلى لسؤال وجواب من إجابة بان المطلوب دوامها كلام من لا يعرف حقيقة الأسباب وما أمر الله به ، فان «الصراط المستقيم» أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر الله به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا يفعل ما نهي عنه، وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت ، وما نهي عنه، وإلى أن يحصل له إدارة جازمة لفعل المأمور ، وكراهة جازمة لترك المحظور، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد ، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الصراط المستقيم. نعم حصل له هدي مجمل بأن القرآن حق، والرسول حق، ودين الإسلام حق، وذلك حق ، ولكن هذا المجمل لا يغنيه أن لم يحصل له هدي مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق ، ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم».
وقال ابن القيم (2) بعد أن ذكر قسمي الهداية: «وهما هدايتان مستقلتان ، لا يحصل الفلاح إلا بهما ، وهما متضمنتان تعريف ما لم
(1) في «مجموع الفتاوي» 14: 37 - 38 ، وانظر 320 - 321 ، 10: 107 «امراض القلوب وشفاؤها» لا بن تيمية ص 11 - 12.
(2)
في «مدارج السالكين» 1: 31 - 32 ، وانظر «التفسير القيم» ص 9 ، «بدائع الفوائد» 2: 37 - 39.
نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا ، وإلهامنا له ، وجعلنا مريدين لإتباعه ظاهرًا وباطنًا ، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدي بالقول والعمل ، ثم إدامه ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. قال: ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى السؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة» وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسال الهداية؟ فان المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم ، وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلا مثل ما نريده ، أو أكثر منه ، أو دونه ، وما لا نقدر عليه مما نريده - كذلك ، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر ، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة ، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام».
وقال ابن كثير (1): «فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} (2).
(1) ي «تفسيره» 1: 56 - 57.
(2)
سورة النساء ، الآية:136.
(3)
في «تفسيره» 1: 36.