المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌{صراط الذين أنعمت عليهم} - اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

[سليمان اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأولالاستعاذة والبسملة، معناهما، وأحكامهما

- ‌الفصل الأولالاستعاذة، معناها، وأحكامها

- ‌المبحث الأولصيغ الاستعاذة الصحيحة

- ‌الصيغة الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

- ‌الصيغة الثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

- ‌الصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه

- ‌الصيغة الرابعة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه

- ‌الصيغة الخامسة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم

- ‌الصيغة السادسة: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم

- ‌المبحث الثانيأركان الاستعاذة

- ‌المبحث الثالثالاستعاذة ليست بآية من القرآن الكريم

- ‌المبحث الرابعإعراب الاستعاذة، ومعناها

- ‌أ - إعرابها:

- ‌ب - معناها:

- ‌المبحث الخامسأحكام الاستعاذة

- ‌أ - مكان الاستعاذة من القراءة:

- ‌ب - حكمها عند قراءة القرآن، في الصلاة أو خارجها:

- ‌ج - هل يتعوذ في الصلاة في كل ركعة، أو في الركعة الأولى فقط:

- ‌د - حكم الحهر بها، أو الإسرار:

- ‌هـ - وأما حكم الجهر بها في الصلاة:

- ‌المبحث السادسالمواضع التي تشرع فيها الاستعاذة

- ‌المبحث السابعبيان أن شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس ومن النفس «المذمومة»

- ‌المبحث الثامنالسبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده

- ‌الفصل الثانيالبسملة: معناها، وأحكامها

- ‌المبحث الأوللفظ البسملة، وإعرابها

- ‌أ - لفظها:

- ‌ب - إعرابها:

- ‌المبحث الثانيمعنى البسملة

- ‌المبحث الثالثهل البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌ القول الرابع

- ‌المبحث الرابعالسبب في عدم كتابة البسملة في مطلع سورة براءة

- ‌المبحث الخامسحكم قراءة البسملة في غير الصلاة

- ‌المبحث السادسحكم قراءة البسملة في الصلاة

- ‌المبحث السابعحكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار، في الصلاة، أو خارجها

- ‌المبحث الثامنالمواضع التي تشرع فيها البسملة

- ‌المبحث التاسعفوائد البسملة، والأحكام التي تضمنتها

- ‌الباب الثانيتفسير سورة الفاتحة

- ‌الفصل الأولتفسير سورة الفاتحة

- ‌المبحث الأولمكان نزول الفاتحة

- ‌المبحث الثانيأسماء الفاتحة

- ‌المبحث الثالثعدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها

- ‌المبحث الرابعفضل سورة الفاتحة

- ‌فائدة:

- ‌المبحث الخامسالمعاني التي اشتملن عليها سورة الفاتحة

- ‌المبحث السادسبيان معنى السورة والآية

- ‌أ- بيان معنى السورة:

- ‌ب- بيان معنى الآية:

- ‌المبحث السابعتفسير مفردات الفاتحة، وبيان معاني آياتها

- ‌{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

- ‌الفرق بين الحمد والشكر:

- ‌«لله»

- ‌معنى (الحمد لله):

- ‌معنى (مالك يوم الدين):

- ‌ نَعْبُدُ

- ‌لا بد لصحة العبادة من توفر شرطين:

- ‌{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}:

- ‌{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}

- ‌{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ}

- ‌{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ}:

- ‌{وَلَا الضَّالِّينَ}:

- ‌المبحث الثامنما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام

- ‌1 - مشروعية الابتداء في بالبسملة في الكتب والرسائل والخطب والمواعظ ونحوها تأسيًا بكتاب الله تعالى

- ‌2 - مشروعية حمد الله تبارك وتعالى في افتتاح الكتب والرسائل والخطب والمواعظ

- ‌3 - حمد لله -تعالى- لنفسه

- ‌4 - أمر الله -تعالى- عباده أن يحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه

- ‌5 - أن الوصف الكامل مستحق لله على الدوام

- ‌6 - في قوله تعالى: (الحمد لله) رد على الجبرية، الذين يقولون إن الله جبر العبد على أفعاله

- ‌7 - أن الحمد لا ينبغي أن يكون إلا لمن هو أهل له

- ‌8 - يؤخذ من قوله -تعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الإقرار والاعتراف من العبد لله جل وعلا بالكمال من جميع الوجوه وبالفضل والإنعام والإحسان

- ‌9 - إثبات توحيد الأسماء والصفات

- ‌10 - إثبات توحيد الإلوهية

- ‌11 - إثبات توحيد الربوبية بقسميه العام لجميع الخلق

- ‌12 - إثبات علم الله تعالى الشامل

- ‌13 - إثبات أنه تعالى الأول بلا بداية

- ‌14 - أن الأحق بالاستعانة والمسألة هو اسم «الرب»

- ‌15 - في قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} إشارة إلي تساوي الخلق في الربوبية العامة التي بمعني الخلق والملك والتدبير

- ‌16 - في إثبات حمده وروبيته للعالمين وتوحيد رد على من قال بقدم العالم فإن في إثبات حمده ما يقتضي ثبوت أفعاله الاختيارية

- ‌17 - في إثبات رحمته -تعالى- ورحمانيته رد على الجبرية في أن الله يعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه

- ‌18 - إثبات يوم القيامة

- ‌19 - يؤخذ من قوله -تعالى-: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الدلالة على أن الملك الحقيقي لله جل وعلا

- ‌20 - إثبات محاسبة الله للعباد ومجازاته لهم على أعمالهم بالعدل

- ‌21 - إثبات كتابة الأعمال وتدوينها وإحصائها

- ‌22 - الحث على الاستعداد ليوم الدين

- ‌23 - في تقديم قوله تعالى: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} على قوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} إشارة إلى أن رحمته تعالى سبقت غضبه

- ‌24 - الجميع بين الترغيب والترهيب

- ‌25 - في قول {إِيَّاكَ} رد على الملاحدة والدهرية المنكرين لوجود الله

- ‌26 - في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بعد الآيات قبله انتقال من الغيبة إلى الخطاب لأجل تنبيه القارئ والمستمع

- ‌27 - دل قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على إثبات نوع من أنواع العبودية

- ‌28 - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها اعتقاداً وقولًا وعملًا

- ‌29 - دل قوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على أن العبد لا ينفك عن العبودية حتى الموت

- ‌30 - حاجة جميع الخلق إلى عون الله -تعالى

- ‌31 - تقديم حقه تعالى حق العبد

- ‌32 - لما كانت عبادة الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد

- ‌33 - دل قوله -تعالى-: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على إثبات القدر

- ‌34 - في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد في قوله (نعبد)…(ونستعين) دليل على أن ذلك من فعلهم

- ‌35 - في تقديم قوله -تعالى- {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

- ‌36 - وجوب دعاء الله والتضرع إليه وسؤاله الهداية

- ‌37 - في قوله تعالى {اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم} رد على القدرية المجوسية

- ‌38 - إن الهدى الحقيقي الصحيح هو ما جاء عن الله -تعالى

- ‌39 - مشروعية دعاء المسلم لإخوانه المسلمين

- ‌40 - ربط الأعمال ونجاحها بأسبابها

- ‌41 - أن صراط الله والطريق الموصل إليه عدل مستقيم لا اعوجاج فيه

- ‌42 - يؤخذ من قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

- ‌43 - إن الصراط المستقيم الذي يسأل العبد ربه الهداية إليه هو صراط الذين أنعم عليهم بطاعته وتعالى

- ‌44 - أن الهداية للطريق المستقيم بالإيمان بالله والعمل الصالح

- ‌45 - في قوله تعالى

- ‌46 - التنويه بعلو شأن المنعم عليهم وفضلهم ورفعة قدرهم

- ‌47 - الترغيب بسلوك الطريق المستقيم

- ‌48 - أن الطريق الحق واحد

- ‌49 - أن الصراط تارة يضاف إلى سالكيه

- ‌50 - وجوب الاعتراف بالنعمة لموليها ومسديها

- ‌51 - في إثبات حمده بصفات الكمال وإثبات ربوبيته وملكه

- ‌53 - إثبات كمال الصراط المستقيم

- ‌54 - ينبغي للعبد بعد أن يسأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم

- ‌55 - إثبات صفة الغضب - لله - كما يليق بجلاله وعظمته

- ‌56 - ينبغي للعبد أن يسلك من الطرق أحسنها وأصلحها وأقومها

- ‌57 - أن من أخص صفات اليهود الغضب

- ‌58 - أن كل من سلك مسلك أحد الطائفتين شمله وصف تلك الطائفة

- ‌59 - دل قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وما بعده على أن الناس ينقسمون بحسب معرفة الحق والعمل به

- ‌60 - في إسناد النعمة إلى الله تعالى

- ‌61 - بلوغ القرآن غاية الإيجاز مع الفصاحة والبيان

- ‌62 - الترغيب في سلوك سبيل المنعم عليهم والمؤمنين

- ‌63 - دلت السورة على إثبات النبوات ووجوب الإيمان بالكتب والرسل

- ‌64 - تضمنت السورة الدلالة على سعة علم الله عز وجل وخبرته وتعلق علمه بالجزئيات

- ‌65 - اشتمل قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وما بعده إلى آخر السورة على الرد على جميع طوائف الكفر والضلال

- ‌66 - تضمنت السورة شفاء القلوب، كما تضمنت شفاء الأبدان

- ‌الفصل الثانيالأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة

- ‌المبحث الأولحكم قراءة الفاتحة في الصلاة

- ‌أولًا: حكم قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد:

- ‌ثانيًا: حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم:

- ‌اختلف أهل العلم رحمهم الله قديمًا وحديثًا في هذه المسألة

- ‌أ- السبب الأول:

- ‌ب- السبب الثاني:

- ‌ إجمال الخلاف في هذه المسألة

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌أ- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الأول بأن المأموم يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية

- ‌ب- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الثاني أن المأموم يقرأ في الصلاة السرية دون الجهرية

- ‌ج- الاعتراضات الواردة على أدلة أصحاب القول الثالث: أن المأموم لا يقرأ لا في السرية، ولا في الجهرية

- ‌الترجيح بين الأقوال:

- ‌ بيان المشروع من السكتات في الصلاة

- ‌ ما الذي يشرع قوله في سكتات الإمام

- ‌المبحث الثانيوفيه مسائل:

- ‌أ- حكم من لم يستطيع قراءة الفاتحة في الصلاة:

- ‌ب- حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة:

- ‌ج- حكم قراءة الفاتحة على المريض:

- ‌د- حكم قول «آمين» بعد قراءة الفاتحة:

- ‌هـ - حكم قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة:

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌{صراط الذين أنعمت عليهم}

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ}

صراط بدل كل من الصراط في قوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، أو عطف بيان (1). و (الذين) مضاف إليه، وما بعده صلة الموصول.

وفائدة هذا التوكيل والإيضاح والبيان ، فهو تفسير للصراط المستقيم ، وبيان أنه صراط المنعم عليهم (2) ، وفي ذلك شهادة له بالاستقامة على ابلغ وجه وأكده (3).

وإنما عرف الصراط في الموضع الأول «بأل» ، وهنا بالإضافة ، لأن طريق الحق واحد أما طرق الشر فهي كثيرة ، متعددة متشعبة ، كما قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (4).

وعن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاه وعلى باب الصراع داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا ، وداع يدعو فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب ، قال: ويحك ، لا تفتحه ، فإنك أن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام ، والسوران حدود الله ، والأبواب

(1) انظر: «معاني القران» للاخفش 1: 164 ، «الكشاف» 1: 11 ، «تفسير ابن كثير» 1:57.

(2)

انظر: «تفسير الطبري» 1: 177 ، «الكشاف» 1: 11 ، «بدائع الفوائد» 2: 28 - 29.

(3)

انظر: «الكشاف» 1: 11.

(4)

سورة الأنعام ، الآية:153.

ص: 280

المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» (1).

وهكذا غالبًا ما يذكر طريق الحق بالأفراد بينما يذكر طريق الشر متعددًا، وقد يذكر أحيانًا طريق الخير بالتعدد، ويراد به فروع الشريعة.

{الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ} الإنعام: إيصال النعمة. والنعمة في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من لين العيش ، والخفض والدعة والمال ونحوها (2).

والنعمة: اسم جنس يقع على القليل والكثير ، وإذا أضيفت إلى معرفة دلت على الإنعام المطلق التام أي على عموم النعم الدينية والدنيوية والأخروية (3)، كما في قوله تعالى:{وَأَتْمَمْتُ عليكُمْ نِعْمَتِي} (4)، وقوله تعالى:{يَا أيهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليكُمْ} (5)، ولهذا قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (6).

والأنعام خاص بإيصال النعمة والإحسان والخير إلى الغير من بني

(1) أخرجه الترمذي في الأمثال باب (1) الحديث 2859 ، واحمد 4: 182 والطبري في «تفسيره» الحديثان 186 - 187. قال ابن كثير في «تفسيره» 1: 56 «إسناده حسن وصححه الحاكم».

(2)

انظر «لسان العرب» مادة «نعم» ، «البحر المحيط» 1: 26 ، «أنوار التنزيل» 1:11.

(3)

انظر «أنوار التنزيل» 1: 11. «اجتماع الجيوش الإسلامية» 1 - 3.

(4)

سورة المائدة ، الآية:3.

(5)

سورة المائدة ، الآية:11.

(6)

سورة إبراهيم، الآية: 34، وسورة النحل ، الآية:18.

ص: 281

آدم ، كما قال تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِ وَأَنْعَمْتَ عليهِ} (1).

ولا يسمي الإحسان إلى غير الناطقين إنعامًا فلا تقول: أنعمت على الفرس.

(عليهم) قرأ حمزة بضم الهاء (عليهُم) ، وقرا الباقون بكسرها (عليهِم)(2).

والمنعم عليهم: هم الذين ووفقهم الله لسلوك الطريق المستقيم، للهدي ودين الحق. كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} (3) أي إلى العلم النافع والعمل الصالح، إلى معرفة الحق والعمل به، إلى الإيمان بالله تعالى، إلى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وتلك أجل نعمة وأعظمها، فهي سبب للسعادة في الدارين، وأفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم.

وهم المذكورون في قوله - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإذا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عليمًا (70)} (4).

(1) سورة الأحزاب ، الآية:37.

(2)

انظر: «الإقناع في القراءات السبع» 2: 595 ، «المحرر الوجيز» 1: 83 ، «زاد المسير» 1: 16 ، «المهذب في القراءات السبع» ص 46.

(3)

سورة الفتح ، الآية:28.

(4)

سورة النساء ، الآيات 66 - 70 ، انظر «تفسير الطبري» 1: 177 - 179 ، «الجامع لأحكام القران» 1: 149 ، «اجتماع الجيوش الإسلامية» 1 - 3 ، «بدائع التغيير» 2: 100 ، «تفسير ابن كثير» 1:57.

ص: 282

وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة مريم {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذا تُتْلَى عليهِمْ أياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (1) أي الذين انعم الله عليهم بأجل نعمة وأعظمها ، وهي: نعمة الإيمان ، كما قال تعالى ردا على الأعراب:{يَمُنُّونَ عليكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا على إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عليكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْأيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (2).

«والنبيين» جمع نبي ، ويدخل فيهم الرسل من باب أولى ، لأن كل رسول نبي ولا عكس ، ويأتي في مقدمتهم أولو العزم ، كما قال تعالى:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (3).

وهم المذكورون في قوله - تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (4).

«وَالصِّدِّيقِينَ» : جمع صديق ، يدخل فيهم من ثبت بالكتاب أو السنة وصفة أو تسميته بذلك منهم مريم ابنة عمران التي قال الله عنها: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ

(1) سورة مريم ، الآية:58.

(2)

سورة الحجرات ، الآية:17.

(3)

سورة الأحقاف ، الآية:35.

(4)

سورة الأحزاب الآية: 7.

ص: 283

كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ} (1).

ومنهم أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه «الصدِّيق» كما سيأتي الحديث في ذلك.

«والشهداء» جمع شهيد، وهو من قتل في سبيل الله ، ويأتي في مقدمة الشهداء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما حيث شهد لهما الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك كما روي أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فرجف بهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» رواه البخاري (2).

ومنهم أيضًا: على بن أبي طالب رضي الله عنه ، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص.

كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، فتحركت الصخرة، وفي رواية «فتحرك» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اسكن حراء» وفي رواية:«اهدأ فما عليك إلا نبيُّ وصدِّيق وشهيد» رواه مسلم (3).

(1) سورة المائدة ، الآية:75.

(2)

في فضائل الصحابة - فضل أبي بكر رضي الله عنه ، والابواب بعده - الاحاديث 3675 ، 3686 ، 3699.

(3)

في فضائل الصحابة - فضائل طلحة والزبير - الحديث 2417.

ص: 284

ومنهم أيضًا: حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنس بن النضر ، ومصعب ابن عمير رضي الله عنهم وغيرهم ممن قتل أو يقتل في سبيل الله ، وكذا كل من قتل دون ماله كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» متفق عليه (1).

لكن ينبغي أن يعلم انه لا تجوز الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد ، وإن قتل في المعركة ، لأن النبات مغيبة عنا لكن يرجي له ذلك ، إلا من ثبت له الشهادة بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فقد عقد البخاري: باب لا يقال فلان شهيد ، وأخرج فيه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقي هو والمشتركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكرة، ومال الآخرون إلى عسكرهم ، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه.

فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد ، كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أما إنه من أهل النار» الحديث ، وفيه: انه استعجل الموت لما جرح فقتل نفسه (2).

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم خبير قُتل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد ، وفلان شهيد،

(1) أخرجه البخاري في المظالم - الحديث 2480، ومسلم في الأيمان - الحديث 141.

(2)

أخرجه البخاري في الجهاد الحديث 2898 ، ومسلم في الأيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - الحديث 112. واخرج مسلم أيضا نحوه من حديث أبي هريرة الحديث 111.

ص: 285