الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ}
صراط بدل كل من الصراط في قوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، أو عطف بيان (1). و (الذين) مضاف إليه، وما بعده صلة الموصول.
وفائدة هذا التوكيل والإيضاح والبيان ، فهو تفسير للصراط المستقيم ، وبيان أنه صراط المنعم عليهم (2) ، وفي ذلك شهادة له بالاستقامة على ابلغ وجه وأكده (3).
وإنما عرف الصراط في الموضع الأول «بأل» ، وهنا بالإضافة ، لأن طريق الحق واحد أما طرق الشر فهي كثيرة ، متعددة متشعبة ، كما قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (4).
وعن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاه وعلى باب الصراع داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا ، وداع يدعو فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب ، قال: ويحك ، لا تفتحه ، فإنك أن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام ، والسوران حدود الله ، والأبواب
(1) انظر: «معاني القران» للاخفش 1: 164 ، «الكشاف» 1: 11 ، «تفسير ابن كثير» 1:57.
(2)
انظر: «تفسير الطبري» 1: 177 ، «الكشاف» 1: 11 ، «بدائع الفوائد» 2: 28 - 29.
(3)
انظر: «الكشاف» 1: 11.
(4)
سورة الأنعام ، الآية:153.
المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» (1).
وهكذا غالبًا ما يذكر طريق الحق بالأفراد بينما يذكر طريق الشر متعددًا، وقد يذكر أحيانًا طريق الخير بالتعدد، ويراد به فروع الشريعة.
{الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ} الإنعام: إيصال النعمة. والنعمة في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من لين العيش ، والخفض والدعة والمال ونحوها (2).
والنعمة: اسم جنس يقع على القليل والكثير ، وإذا أضيفت إلى معرفة دلت على الإنعام المطلق التام أي على عموم النعم الدينية والدنيوية والأخروية (3)، كما في قوله تعالى:{وَأَتْمَمْتُ عليكُمْ نِعْمَتِي} (4)، وقوله تعالى:{يَا أيهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليكُمْ} (5)، ولهذا قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (6).
والأنعام خاص بإيصال النعمة والإحسان والخير إلى الغير من بني
(1) أخرجه الترمذي في الأمثال باب (1) الحديث 2859 ، واحمد 4: 182 والطبري في «تفسيره» الحديثان 186 - 187. قال ابن كثير في «تفسيره» 1: 56 «إسناده حسن وصححه الحاكم».
(2)
انظر «لسان العرب» مادة «نعم» ، «البحر المحيط» 1: 26 ، «أنوار التنزيل» 1:11.
(3)
انظر «أنوار التنزيل» 1: 11. «اجتماع الجيوش الإسلامية» 1 - 3.
(4)
سورة المائدة ، الآية:3.
(5)
سورة المائدة ، الآية:11.
(6)
سورة إبراهيم، الآية: 34، وسورة النحل ، الآية:18.
آدم ، كما قال تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِ وَأَنْعَمْتَ عليهِ} (1).
ولا يسمي الإحسان إلى غير الناطقين إنعامًا فلا تقول: أنعمت على الفرس.
(عليهم) قرأ حمزة بضم الهاء (عليهُم) ، وقرا الباقون بكسرها (عليهِم)(2).
والمنعم عليهم: هم الذين ووفقهم الله لسلوك الطريق المستقيم، للهدي ودين الحق. كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} (3) أي إلى العلم النافع والعمل الصالح، إلى معرفة الحق والعمل به، إلى الإيمان بالله تعالى، إلى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وتلك أجل نعمة وأعظمها، فهي سبب للسعادة في الدارين، وأفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم.
(1) سورة الأحزاب ، الآية:37.
(2)
انظر: «الإقناع في القراءات السبع» 2: 595 ، «المحرر الوجيز» 1: 83 ، «زاد المسير» 1: 16 ، «المهذب في القراءات السبع» ص 46.
(3)
سورة الفتح ، الآية:28.
(4)
سورة النساء ، الآيات 66 - 70 ، انظر «تفسير الطبري» 1: 177 - 179 ، «الجامع لأحكام القران» 1: 149 ، «اجتماع الجيوش الإسلامية» 1 - 3 ، «بدائع التغيير» 2: 100 ، «تفسير ابن كثير» 1:57.
وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة مريم {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذا تُتْلَى عليهِمْ أياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (1) أي الذين انعم الله عليهم بأجل نعمة وأعظمها ، وهي: نعمة الإيمان ، كما قال تعالى ردا على الأعراب:{يَمُنُّونَ عليكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا على إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عليكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْأيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (2).
«والنبيين» جمع نبي ، ويدخل فيهم الرسل من باب أولى ، لأن كل رسول نبي ولا عكس ، ويأتي في مقدمتهم أولو العزم ، كما قال تعالى:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (3).
وهم المذكورون في قوله - تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (4).
«وَالصِّدِّيقِينَ» : جمع صديق ، يدخل فيهم من ثبت بالكتاب أو السنة وصفة أو تسميته بذلك منهم مريم ابنة عمران التي قال الله عنها: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
(1) سورة مريم ، الآية:58.
(2)
سورة الحجرات ، الآية:17.
(3)
سورة الأحقاف ، الآية:35.
(4)
سورة الأحزاب الآية: 7.
كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ} (1).
ومنهم أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه «الصدِّيق» كما سيأتي الحديث في ذلك.
«والشهداء» جمع شهيد، وهو من قتل في سبيل الله ، ويأتي في مقدمة الشهداء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما حيث شهد لهما الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك كما روي أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فرجف بهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» رواه البخاري (2).
ومنهم أيضًا: على بن أبي طالب رضي الله عنه ، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص.
كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، فتحركت الصخرة، وفي رواية «فتحرك» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اسكن حراء» وفي رواية:«اهدأ فما عليك إلا نبيُّ وصدِّيق وشهيد» رواه مسلم (3).
(1) سورة المائدة ، الآية:75.
(2)
في فضائل الصحابة - فضل أبي بكر رضي الله عنه ، والابواب بعده - الاحاديث 3675 ، 3686 ، 3699.
(3)
في فضائل الصحابة - فضائل طلحة والزبير - الحديث 2417.
ومنهم أيضًا: حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنس بن النضر ، ومصعب ابن عمير رضي الله عنهم وغيرهم ممن قتل أو يقتل في سبيل الله ، وكذا كل من قتل دون ماله كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» متفق عليه (1).
لكن ينبغي أن يعلم انه لا تجوز الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد ، وإن قتل في المعركة ، لأن النبات مغيبة عنا لكن يرجي له ذلك ، إلا من ثبت له الشهادة بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فقد عقد البخاري: باب لا يقال فلان شهيد ، وأخرج فيه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقي هو والمشتركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكرة، ومال الآخرون إلى عسكرهم ، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه.
فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد ، كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أما إنه من أهل النار» الحديث ، وفيه: انه استعجل الموت لما جرح فقتل نفسه (2).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم خبير قُتل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد ، وفلان شهيد،
(1) أخرجه البخاري في المظالم - الحديث 2480، ومسلم في الأيمان - الحديث 141.
(2)
أخرجه البخاري في الجهاد الحديث 2898 ، ومسلم في الأيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - الحديث 112. واخرج مسلم أيضا نحوه من حديث أبي هريرة الحديث 111.