الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الشيطان: من حرف جر، والشيطان أسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. والجار والمجرور متعلقان بـ (استعذ).
الرجيم: صفة للشيطان مجرورة مثله، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها.
ب - معناها:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أعوذ: فعل مضارع، يقال: عذت أعوذ، كما يقال: عاذ يعوذ عوذًا وعياذًا، ومعاذا (1). قال يوسف عليه السلام {مَعَاذَ اللَّهِ} (2) أي عياذًا بالله.
أعوذ بالله بمعنى أعتصم به (3)، كما جاء في حديث أبي هريرة في الدعاء عند دخول المسجد «اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (4).
قال الحصين بن الحمام يخاطب قبيلته (5):
وعوذي بأفناء العشيرة إنما
…
يعوذ الذليل بالعزيز ليعصما
(1) انظر مادة «عوذ» في «النهاية» ، «لسان العرب» .
(2)
سورة يوسف، الآية: 23 و79.
(3)
انظر مادة «عوذ في «النهاية» ، لسان العرب»، وانظر «اغاثة اللهفان» 147:1، «التفسير القيم» ص (538).
(4)
سيأتي تخريجه في المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة في المبحث السادس من هذا الفصل.
(5)
انظر «المفضليات» ص68، المفضلية 12.
وقال الراجز (1):
قالت وفيها حيدة وذعر
…
عوذي بربي منكم وحجر
أي: اعتصامي بربي.
وبمعنى: ألتجاء إلى الله. قال ابن فارس (2): «العين والواو والذال أصل صحيح، يدل على معنى واحد، وهو الالتجاء إلى الشيء» .
وبمعنى: أستجير بالله (3)، وأتحرز به (4)، واستعين به (5).
وأمتنع به من المكروه (6)، وأتعلق به (7)، وأتحيز إليه (8)، وألوذ به (9).
(1) لم أقف على قائله، وأنظره في «إصلاح المنطق» ص (81)«مجالس ثعلب» ص181، «المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة» ص (82)، «اللسان» مادة «اعوذ» .
(2)
في «مقاييس اللغة» : مادة «عوذ» ، وانظر المفردات في غريب القرآن» «النهاية» ، «لسان العرب» نفس المادة، وانظر أيضًا «إغاثة اللهفان» 1: 147، «التفسير القيم» ص (538)، «تفسير ابن كثير» 33:1.
(3)
انظر «تفسير الطبري» 111:1، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» 7:1، «النكت والعيون» 48:1، «المحرر الوجيز» 48:1.
(4)
انظر «التفسير القيم» ص538.
(5)
انظر «النكت والعيون» 48:1.
(6)
انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» 7:1، «المحرر الوجيز» 48:1، «إغاثة اللهفان» 147:1.
(7)
انظر «المفردات في غريب القرآن، مادة «عوذ» .
(8)
انظر «المحرر الوجيز» 48:1.
(9)
انظر مادة «عوذ» في «النهاية» ، «لسان العرب» وانظر «زاد المسير» 7:1.
ويقال: إن العياذة لدفع الشر، واللياذة لطلب الخير.
قال ابن كثير (1): «والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير كما قال المتنبي (2):
يا من ألوذ به فيما أؤمله
…
ومن أعوذ به ممن أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره
…
ولا يهيضون عظما أنت جابره
لكن بعض أهل اللغة - كما تقدم - على أنهما بمعنى واحد. قال ابن منظور (3): «الملاذ مثل المعاذ» .
بالله: الباء للاستعانة (4)، وقيل للإلصاق (5).
الله: علم على ذات الرب - جل وعلا، وأصل أسمائه سبحانه وتعالى، ومعناه: المألوه المعبود محبة وتعظيمًا. وسيأتي تفصيل الكلام فيه في البسملة - إن شاء الله.
وجملة أعوذ بالله خبرية تتضمن طلب الإعاذة (6).
من الشيطان: من لابتداء الغاية.
(1) في «تفسيره» 33:1.
(2)
ديوانه 160:1 - 161، وبين البيتين المذكورين بيتان.
(3)
في «اللسان» مادة «عوذ» .
(4)
انظر «النكت والعيون» 48:1.
(5)
فال ابن كثير 33:1: «الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابة من شر كل ذي شر» .
(6)
انظر «النكت والعيون» 48:1، «التفسير الكبير» 96:1، «التفسير القيم» ص540 - 541.
الشيطان: مأخوذ عند جمهور أهل اللغة ومحققيهم من شطن بمعنى: بعد، يقال: بئر شطون، أي: بعيدة القعر والمدى (1).
قال النابغة الذبياني (2):
نأت بسعاد عنك نوى شطون
…
فبانت والفؤاد بها رهين
والشطن الحبل، أو الحبل الطويل (3) قال عنترة (4):
يدعون عنتر والرماح كأنها
…
أشطان بئرٍ في لبان الأدهم
فأشطان جمع شَطَن وهو الحبل الطويل.
فالنون فيه أصلية. قال ابن فارس (5): «الشين والطاء والنون أصل مطرد ويدل على البعد» .
والشيطان على وزن فيعال، للدلالة على أنه بلغ الغاية في البعد (6).
وقيل: إنه مأخوذ من «شاط يشيط، إذا هاج واشتد غضبًا، وهلك
(1) انظر «الكتاب» لسيبويه ص 260، 286، (321)، «تفسير الطبري» 112:1. وانظر مادة «شطن» في «تهذيب اللغة» و «مقاييس اللغة». وانظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع) 10:1، «المفردات في غريب القرآن» مادة «شطن» . «المحرر الوجيز» 49:1، «النهاية» لابن الأثير مادة «شطن» «تفسير ابن كثير» 33:1.
(2)
ديوانه ص 362.
(3)
انظر «النهاية» مادة «شطن» ، «المحرر الوجيز» 49:1، «لسان العرب» مادة «شطن» .
(4)
ديوانه ص216، «شرح القصائد» لان الأنباري ص359 - معلقة عنترة البيت الثامن والستون.
(5)
في «مقاييس اللغة» مادة «شطن» وانظر «النهاية» مادة «شطن» .
(6)
انظر «تفسير الطبري» 112:1، «المحرر الوجيز» 49:1.
واحترق وبطل، وعلى هذا فالنون فيه زائدة (1).
والصحيح القول الأول.
قال سيبويه (2): «العرب تقول تشيطن» .
وقال الطبري (3): بعدما ذكر القول بأنه مشتق من «شطن» : «ومما يدل على أن ذلك كذلك قول
أمية بن أبي الصلت: (4).
أيما شاطنٍ عصاه عكاه
…
ثم يلقى في السجن والأكبال
قال الطبري: ولو كان فعلان من شاط يشيط لقال أيما شائطٍ، ولكنه قال: أيما شاطن، لأنه من شطن يشطن فهو شاطن» (5).
و «أل» في «الشيطان» للجنس (6)، فهو يشمل كل متمرد، عات، خارج عن الطاعة، من الجن، والإنس، والدواب، وكل شيء (7)،
(1) انظر «مقاييس اللغة» مادة «شطن» ، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ، 10:1، «المحرر الوجيز» 49:1، مادة «شطن» في «المفردات في غريب القرآن» ، «النهاية» ، «لسان العرب». وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 90:1،. «تفسير ابن كثير» 33:1.
(2)
في «الكتاب» 286:4، 321، وانظر «المحرر الوجيز» 50:1، «الدر المصون» 10:1.
(3)
في «تفسيره» 112:1.
(4)
دبوانه ص445 وانظر: «لسان العرب» مادة «شطن» . ومعنى عكاه: شده، وأوثقه، والأكبال: القيود.
(5)
وانظر مادة «شطن» من «تهذيب اللغة» ، «النهاية» «لسان العرب» وانظر «المحرر الوجيز» 50:1، «تفسير ابن كثير» 33:1.
(6)
انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» 7:1، «التفسير الكبير» 95:1، 115:20، «غرائب القرآن» 23:1.
(7)
انظر «تفسير الطبري» 111:1، «تفسير ابن كثير» 33:1.
ولهذا جمع في قوله- تعالى- {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} (1). وقيل أل فيه للعهد (2).
والصحيح الأول.
وهو يكون من الإنس والجن، كما قال الله - تعالى -:{وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (3). وقال -تعالى- {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} (4).، أي: شياطين إنس يعوذون بشياطين جن. وقال - تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (5) أي شياطين جن وإنس يوسوسون في صدور الناس. وقال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} (6) أي شياطين إنس بإنس.
قال جرير (7):
أيام يدعونني الشيطان من غزلٍ
…
وهن يهوينني إذ كنت شيطانًا
ويكون من الحيوانات كما جاء في حديث عبد الله بن الصامت أبي
(1) سورة المؤمنون، آية:(97).
(2)
(» انظر «التفسير الكبير» (1): (95)، التسهيل لعلوم التنزيل» 1:(30).
(3)
سورة الأنعام، الآية:(112).
(4)
سورة الجن، الآية:6.
(5)
سورة الناس، الآية: 1 - 6.
(6)
سورة البقرة، الآية:(14).
(7)
ديوانه ص165 «لسان العرب» مادة «شطن» .
ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع الصلاة الحمار والمرأة. والكلب الأسود» . قلت: يا أباذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟! قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سألتني، فقال:«الكلب الأسود شيطان» (1).
وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركب برذونا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي (2).
وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانًا لمفارقته لبني جنسه في أخلاقه، وأفعاله، وصفاته، وطباعه، ومباعدته لهم، وبسبب فسقه، وبعده عن الحق والهدى والخير، وعن رحمة الله - تعالى - (3).
الرجيم: فعيل بمعنى مفعول أي: مرجوم (4) كسعير بمعنى:
(1) أخرجه - مسلم - في الصلاة- باب قدر ما يستر المصلي - حديث 510، وأبو داود في الصلاة- باب ما يقطع الصلاة - حديث 702.
وأخرجه أيضًا مسلم في الموضع السابق برقم 511 من حديث أبي هريرة بلفظ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل».
ومعنى الكلب الأسود شيطان: أي أنه خبيث يتلون.
(2)
أخرجه الطبري الأثر 36، وذكره ابن كثير في تفسيره 34:1، وقال:«إسناده صحيح» .
(3)
انظر «تفسير الطبري» 111:1، «المحرر الوجيز» 49:1، «تفسير ابن كثير» 33:1.
(4)
انظر «تفسير الطبري» 112:1، «تهذيب اللغة» مادة «رجم» ، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» 10:1، «المحرر الوجيز» 50:1، «لسان العرب» مادة «رجم» ، «تفسير ابن كثير» 34:1.
مسعور. مأخوذ من الرجم: وهو الرمي بفعل أو قول (1).
فمن الرجم بالفعل: الرجم والرمي بالحجارة. قال ابن فارس (2): الراء والجيم والميم، أصل واحد، يرجع إلى وجه واحد، وهو الرمي بالحجارة.
ومن الرجم بالقول قوله - تعالى {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} (3)، أي قولًا بالظن. وقوله- تعالى - عن آزر أنه قال لإبراهيم عليه السلام {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (4) أي لأرمينك بسيء القول.
قال المرقش الأصغر (5):
وإني وإن كلت قلوصي لراجمٌ
…
بها وبنفسي يا فطيم المراجم
ومنه القذف بالزنى، فإنه رجم ورمي بالقول.
والشيطان مرجوم بالفعل والقول: أي فعلًا وقولًا، حسًا ومعنى. فهو مرجوم فعلًا وحسًا بإخراجه من الجنة وطرده عنها، وعن الملأ الأعلى وبإهباطه من السموات إلى الأرض (6).
(1) انظر «تفسير الطبري» 112:1.
(2)
«مقاييس اللغة» مادة «رجم» ، وانظر «لسان العرب» نفس المادة.
(3)
سورة الكهف، الآية:22.
(4)
سورة مريم، الآية:46.
(5)
المفضليات ص246، المفضلية (56).
(6)
انظر «تفسير الطبري» 112:1، ومادة «رجم» في «المفردات في غريب القرآن» ، «لسان العرب» ، وانظر «تفسير ابن كثير» 34:1.
قال الله - تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (1)، وقال تعالى:{اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا} (2). وقال تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (3). وقال تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (4).
وهو مرجوم حسًا وفعلًا بالشهب. قال الله- تعالى {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِير} (5).
وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} (7)، وقال تعالى:{وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا} (8). وقال - تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ
(1) سورة الأعراف، آية:13.
(2)
سورة الأعراف، آية:18.
(3)
سورة الحجر، الآيتان: 34 - 35.
(4)
سورة ص، الآيتان: 77 - 78.
(5)
سورة الملك، آية:5.
(6)
سورة الصافات، الآيات: 6 - 10.
(7)
سورة الحجر، الآيات: 16 - 18.
(8)
سورة فصلت، آية:12.
مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} (1).
وهو مرجوم قولًا ومعنى لأن الله بعد أن أبعده ورجمه بالفعل بإخراجه من الجنة، ومن بين الملأ الأعلى. وطرده من جواره، وسلط عليه الرمي بالشهب حكم عليه أيضًا باللعنة فهو ملعون بلعنة الله إلى يوم القيامة مقضي عليه بالخيبة والخسران، ومطرود عن رحمة الله، وعن كل خير (2).
قال الله - تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (3) وقال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (4)، وقال تعالى:{وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ} (5).
وقيل: فعيل بمعنى فاعل، لأنه يوسوس للناس، ويزين لهم المعاصي، وطرق الشر، ويحثهم عليها، ويبعدهم عن الخير، ويكيد لهم في ذلك كله، أنواع المكايد (6).
قال ابن كثير: «والأول أشهر وأصح» (7).
هذا هو معنى أصح صيغ الاستعاذة:
(1) سورة الجن، الآيتان: 8 - 9.
(2)
انظر «تفسير الطبري» 112:1، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» 10:1، «النكت
والعيون» 49:1، «المحرر الوجيز» 50:1، «تفسير ابن كثير» 34:1.
(3)
سورة الحجر، الآية:(75).
(4)
سورة ص، الآية:18.
(5)
سورة النساء، الآية: 117 - 118.
(6)
انظر «النكت والعيون» 48:1، «لباب التأويل في معاني التنزيل» 10:1.
(7)
في «تفسيره» 34:1.
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»
وقد جاء في الصيغ الأخرى بعض الزيادات ففي الصيغة الثانية زيادة: السميع العليم.
وهما اسمان من أسماء الله - تعالى - فالسميع مشتق من صفة السمع وهو على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة، يدل على أنه جل وعلا ذو السمع الذي وسع جميع الأصوات.
قال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} (1).
وقال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} (2).
قالت عائشة رضي الله عنها (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها، وما اسمع ما تقول. فأنزل الله {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} (3).
والعليم: اسم من أسماء الله مشتق من العلم. والعلم هو إدراك المعلوم على ماهو عليه (4) إدراكًا جازمًا. وعليم على وزن «فعيل» صفة
(1) سورة آل عمران، الآية:181.
(2)
سورة المجادلة، الآية:1.
(3)
أخرجه ابن ماجه في المقدمة حديث (188). وصححه الألباني حديث 155. وأخرجه أحمد: 46:6.
(4)
انظر «شرح صحيح مسلم» 213:16.
مشبهه وصيغة مبالغة يدل على أنه تعالى ذو العلم الواسع التام المحيط بالأشياء كلها جملة وتفصيلًا، في أطوارها الثلاثة، قبل الوجود، وبعده، وبعد العدم، كما قال موسى عليه السلام حينما سئل عن القرون الأولى {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} (1). فلا يعترى علمه جل وعلا جهل سابق، ولا نسيان لاحق.
وجاء في الصيغة الثالثة والرابعة زيادة: من همزه ونفخه ونفثه. فهمز الشيطان: الموتة - بضم الميم، وهي الخنق: نوع من الجنون والصرع (2).
(1) سورة طه، الآية:(52).
(2)
انظر «النكت والعيون» 48:1، «النهاية» مادة «همز» ، «إغاثة اللهفان» 1: 154 - 155. وقد أنكر كثير من العقلانيين صرع الجن للإنس، وملابسة الجني للإنسي، ودخوله في بدنه، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك. قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} آية ((275)) البقرة. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم» متفق عليه.
وقد ثبت عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يقرأ على المصر وع، فيتكلم الجني، ويعاهد، ويخرج، فيقوم المصر وع ما به أذى. وقد حصل ذلك أيضًا لغيره من العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، ووقائع ذلك وشواهده أكثر من أن تحصر. ولقد وصل الأمر ببعض المسلمين من الكتاب وغيرهم، بل ببعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، إلى إنكار وجودهم - شأن بعض أهل الكتاب، والمعتزلة وغيرهم - مع أن الله ذكرهم في كتابه في مواضع كثيرة، وأفرد لهم سورة كاملة تسمى سورة = «الجن» وجاء ذكرهم في السنة في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الاستعاذة وغير ذلك، كحديث أبي سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان» رواه مسلم وغيره.
فالواجب الإيمان بوجودهم، وبكل ما ذكر الله عنهم في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم مثل كونهم يتناسلون. قال الله تعالى - عن الشيطان {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} آية (50) الكهف. ومثل كونهم يرون الإنس. قال تعالى:{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} آية (27) الأعراف، وأن لهم رسلًا من الإنس. وقيل منهم قال تعالى {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي} .آية (130) الأنعام، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول لهم وللإنس، قال تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} الآيات (1 - 2)، الجن. انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» 9:19 - 65، 276:24 «زاد المعاد» 66:4، «رسالة إيضاح الحق في دخول الجني في الإنس» لابن باز، «الصحيح البرهان فيما يطرد الشيطان» ، ص51، «عالم الجن والشياطين» ص (54)، 137، «المدرسة العقلية ́الحديثة» ص (241).
ونفخه: الكبر (1).
ونفثه: النفث: الشعر، لأنه ينفث من الفم (2). وقيل: السحر (3) ولا مانع من حمله عليهما معًا فالشعر والسحر كلاهما من نفث الشيطان لكن المراد بالشعر هنا الشعر المذموم، في الأغراض السيئة كنصرة الباطل وأهله، والهجاء المقذع، والغزل الماجن، والمدح المفرط، ونحو ذلك.
أما الشعر المحمود، في الأغراض الشريفة السامية، كالانتصار للحق، والحث على الفضائل، ومكارم الأخلاق، والتحذير من الرذائل ومساوئ الأخلاق فهذا ليس من نفث الشيطان.
قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
(1) انظر «النكت والعيون» 48:1، «النهاية» مادة «نفخ» .
(2)
انظر «النهاية» مادة «نفث» .
(3)
انظر «النكت والعيون» 48:1.
وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} (1)
أي انتصروا للحق وأهله. ولقد كان الشعر في صدر الإسلام من أقوى أسلحة الدعوة وأعظمها.
فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل» ، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال:«أهجهم» ، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفرينهم بلساني، فري الأديم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسباً، حتى يلخص لك نسبي» فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم، كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان:«إن روح القدس، لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله» وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى» .
قال حسان:
هجوت محمدًا فأجبت عنه
…
وعند الله في ذاك الجزاء
(1) سورة الشعراء، الآية: 224 - 227.
هجوت محمدًا برًا تقيًا
…
الخ (1)
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك» متفق عليه (2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أَّن عمر مر بحسَّان، وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم. متفق عليه (3).
وقد كان صلى الله عليه وسلم ينشد مع أصحابه- رضوان الله عليهم- يوم الخندق:
والله لولا أنت ما اهتدينا
…
ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
…
وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا
…
وإن أرادوا فتنة أبينا (4)
(1) أخرجه مسلم - في فضائل الصحابة _ فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه حديث (2490)، والبخاري في المغازي مختصرًا جدًا وليس فيه ذكر الشعر- حديث (4145).
(2)
أخرجه البخاري - في بدء الخلق- باب ذكر الملائكة - حديث 3213، ومسلم في فضائل الصحابة - فضائل حسان بن ثابت حديث (2486).
(3)
أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب ذكر الملائكة - حديث (3212)، ومسلم في فضائل الصحابة _ فضائل حسان بن ثابت، حديث (2485).
(4)
أخرجه من حديث البراء - البخاري في الجهاد - باب حفر الخندق، حديث (2837)، ومسلم- في الجهاد والسير- باب غزوة الأحزاب، حديث 1803، وهذه الأبيات لعامر ابن الأكوع، انظر «السيرة النبوية» لابن هشام 328:2، «شرح أبيات مغني اللبيب» 37:6 - 39.
وكان يقول - أيضًا - يوم الخندق:
«اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة» .
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا
…
على الجهاد ما بقينا أبدًا (1)
وكان عليه الصلاة والسلام ينشد يوم حنين:
أنا النبي لا كذب
…
أنا ابن عبه المطلب (2)
ومما يدل على أهمية الشعر في صدر الإسلام، وأنه كان من أقوى أسلحة الدعوة، ما جاء في قصة الأعشى، عندما جاء ليسلم، حاملًا قصيدته المأثورة المشهورة:
ألم تغمض عيناك ليلة أرمدًا
…
وبت كما بات السليم مهدًا
والتي جاء فيها:
فآليت لا أرثي لها من كلالة
…
ولا حفى حتى تلاقي محمدًا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم
…
تراحي وتلقي من فواضله ندا
نبيا يرى ما لا يرون وذكره
…
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل
…
وليس عطاء اليوم مانعه غدا
(1) أخرجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه البخاري- في الجهاد- باب الصبر عن القتال، حديث 2834، ومسلم- في الجهاد والسير، حديث 1805.
(2)
أخرجه من حديث البراء- البخاري- باب من قاد دابة غيره في الحرب، حديث 2864، ومسلم في الجهاد والسير- باب غزوة حنين- حديث 1776.
أجدك لم تسمع وصاة محمد
…
نبي الإله حيث أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى
…
ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على ألا تكون كمثله
…
وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
الخ.
فقد قابله المشركون، فعرضوا عليه أن يرجع تلك السنة وأعطوه مائة ناقة، وذلك اتقاء لسانه، وخوفًا أن يكون في جانب الدعوة إلى الله، فقبل ذلك، على أن يعود من العام القابل فيسلم، وفي رجوعه، سقط من دابته على رقبته، فمات (1).
والخلاصة أن المعنى العام للاستعاذة بصيغتها: ألجأ إلى الله وأعتصم به وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من الشيطان الرجيم، ونزغاته ووساوسه، وأسأل الله العصمة منه، والحفظ والصيانة والسلامة من جميع شرور الشيطان.
(1) انظر «ديوان الأعشى» ص 185 - 187، «السيرة النبوية» 26:2 - 28، «الشعر والشعراء» ص275.