الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
25 - في قول {إِيَّاكَ} رد على الملاحدة والدهرية المنكرين لوجود الله
، لأن هذا خطاب لموجود حاضر (1)
…
بعلمه وإحاطته مع كل مخلوقات كما قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} (2). وهو مع عباده المتقين بعونه ونصره وتأييد كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (3).
26 - في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بعد الآيات قبله انتقال من الغيبة إلى الخطاب لأجل تنبيه القارئ والمستمع
وهذا يدل على أنه يحسن الانتقال في الكلام أحيانا والالتفاف فيه لأجل تنبيه القارئ والمستمع كما أنه أبعث على النشاط وأدعى للإصغاء.
27 - دل قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على إثبات نوع من أنواع العبودية
وهى العبودية الخاصة وهى عبودية والمحبة، وإتباع الأوامر (4)،كما قال تعالى:{يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} (5).
وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (6).
(1) انظر «البحر المحيط» 1: 25
(2)
سورة المجادلة، الآية:7
(3)
سورة النحل، الآية 128
(4)
انظر «مدارج السالكين» 1 - 131 - 133
(5)
سورة الزخرف، الآيتان: 68 - 69
(6)
سورة الزمر الآيتان: 17 - 18
وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} (1).
وقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان} (2).
وقال تعالى عن إبليس: {وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (3).
فهؤلاء أهل طاعته تعالى وولايته، وهم عبيد إلهيته الذين خضعوا له وذلوا طوعًا واختيارًا لأمره ونهيه، ولا يجئ في القرآن إضافة العباد إليه-تعالى - مطلقا إلا لهؤلاء وهم ومن عداهم من الخلق يجتمعون في العبودية العامة: عبودية الربوبية: الخلق والملك والتدبير والقهر والخضوع له قهراَ ورغماَ فهذه تشمل المؤمن والكافر. قال تعالى:
…
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} (4).
وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} (5) فسماهم عباده مع ضلالهم تسمية مقيدة بالإشارة. وقال تعالى: {قُلِ اللهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (6). وقال تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} (7).
(1) سورة الفرقان، الآية: 17
(2)
سورة الحجر، الآية 42
(3)
سورة الحجر الآيتان: 39 - 40
(4)
سورة مريم، الآية: 93
(5)
سورة الفرقان، الآية: 17
(6)
سورة الزمر، الآية: 46
(7)
سورة غافر، الآية:31
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} (1).
وقد ذكر ابن القيم (2) رحمه الله: مراتب (إياك نعبد) علماَ وعملَا فقال «فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما: العلم بالله. والثانية: العلم بدينه.
فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته وأفعاله وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به.
والعلم بدينه مرتبتان إحداهما: دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه. والثانية دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العلم بملائكته ورسله.
وأما مراتبها العملية فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين.
فأما مرتبة أصحاب اليمين فأداء الواجبات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات
وأما مرتبة المقربين: فالقيام بالواجبات، وترك المحرمات والمكروهات زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورعين عما يخافون ضرره. وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية، فليس في حقهم مباح مساوي الطرفين، بل كل أعمالهم
(1) سورة غافر، الآية: 48
(2)
في «مدارج السالكين» 1: 134 - 135، وانظر «التفسير القيم» ص98 - 99
راجحة، ومن دونهم يترك المباحات مشتغلَا عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات، ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله.
كما ذكر أبن القيم رحمه الله (1) -أن لأهل مقام (إياك نعبد) وهم أهل هذه العبودية الخاصة - في أفضل العبادة وأنفعها طرقا أربعة، فهم في ذلك أربعة أصناف: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أعظمها مشقة على النفوس، قالوا: والأجر على قدر المشقة.
والصنف الثاني قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها.
والصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما فيه نفع متعد كخدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس.
والصنف الرابع: قالوا أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن والأفضل في وقت حضور الضيف القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك.
(1) انظر «مدارج السالكين» 1: 110 - 115