الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
اختلاف روايات الحديث الواحد، ويتضمن: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج.
2 -
التساوي بين أوجه الاختلاف، ويتضمن: عدم إمكانية الجمع أو الترجيح.
قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:
القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:
(1)
والاختلاف في اللغة: من اختلف: ضد اتّفق، فالاختلاف نقيض الاتفاق.
وتخالف الأمران، واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف. (2)
والاضطراب يُعدّ نوعاً من أنواع اختلاف الرواة في الرواية (3)، ونلحظ أن تعريفات المضطرب السابقة اتفقت على ذكر الاختلاف بين الروايات أو مخالفة الراوي لغيره - في حدّ الحديث المضطرب- سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها، كتعريف الخطيب حين ذكر أن الاضطراب تلبيس أسماء الرواة وأنسابهم وتدليسها، والتلبيس بمعنى التعمية والتخليط، وعدم الوضوح (4)، فيُذكر الراوي على خلاف ما اُشتهر به، وهذا نوع مخالفة في الإسناد.
(1) سبق في فصل الحديث الشاذ الكلام على قيد المخالفة.
(2)
ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، 5/ 201، الفيروزآبادي، القاموس، 808، الزبيدي، تاج العروس، 23/ 275، المعجم الوسيط، 1/ 251.
(3)
ينظر: ابن حجر، النزهة، 117، بازمول، المقترب، 73، الفحل، اختلاف الأسانيد، 221، الحمش، الإمام الترمذي، 1/ 348
(4)
ينظر: الرازي، المختار، 278، الفيروزآبادي، القاموس، 572.
وقد نُقل عن أبي داود - في المراد بالاختلاف- قوله: "والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء"(1)، ولعل عبارة الترمذي أكثر وضوحاً في بيان حد الاختلاف في الأسانيد، حيث قال - عن أحد الرواة الموصوفين بكثرة الاضطراب، وهو ابن أبى ليلى (2) - أنه:"كان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغيِّر الإسناد"(3)،
…
ونقل أيضاً عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ابن أبى ليلى لا يُحتجُّ به"، ثم عقّب ببيان المراد من عدم الاحتجاج وسببه، فقال:"إنما عنى إذا تفرد بالشيء. وأشد ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد، أو نقص، أو غيَّر الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى، فأما من أقام الإسناد وحفظه، وغير اللفظ. فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير به المعنى."(4)
وفي موضع آخر في سننه أخرج لهذا الراوي حديثاً، وذكر اضطرابه فيه (5)، وفي ذلك إلماحة منه بما يحويه الاضطراب من تغيير وتبديل في الرواية، سواء من حيث الإسناد
(1) المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، 26/ 431.
(2)
محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى الأنصاري، أبو عبدالرحمن الكوفي، القاضي، الفقيه، قال عنه الإمام أحمد:"ابن ابى ليلى كان سيِّئ الحفظ، مضطرب الحديث وكان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب." وقال ابن حجر: "صدوق سيِّئ الحفظ جدا"، مات سنة 148 هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 7/ 323 (1739)، ابن حبان، المجروحين، 2/ 243، ابن عدي، الضعفاء، 7/ 390 (1663)، الذهبي، الكاشف، 2/ 193 (5000)، ابن حجر، التقريب، 493 (6081).
(3)
الترمذي، السنن، 6/ 238، ابن رجب، شرح العلل، 1/ 415. عدّ أحد المعاصرين كلام الترمذي أقدم ما قيل في حد اختلاف الأسانيد، وتعريفه. ينظر: العثمان، المحرر، 271.
(4)
الترمذي، السنن، 6/ 239.
(5)
أخرج الترمذي في سننه كتاب الآداب، باب ما جاء كيف يُشمّت العاطس، 4/ 457 ح (2741)، فقال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه، يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم.)). وقال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن ابن أبي ليلى، بهذا الإسناد نحوه.
ثم عقّب بقوله: هكذا روى شعبة هذا الحديث عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن أبي ليلى يضطرب في هذا الحديث، يقول أحيانا: عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول أحيانا: عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أو المتن، وسواء وقع هذا الاختلاف في رواية الراوي الواحد حيث يرويه مرة هكذا، ومرة هكذا كما ذكر الترمذي (1)، أو وقع الاختلاف بين عدد من الرواة في روايتهم عن شيخهم، فيروي بعضهم ما يخالف رواية الآخرين؛ لذا استدرك الزركشي ما قد يُتوهم من إغفال تعريف ابن الصلاح للاضطراب الصادر عن راوٍ واحد فقال - مُعقِّباً على قول ابن الصلاح "هو الذي يختلف الرواة فيه"-:"قد يخرج ما لو حصل الاضطراب من راو واحد. وقد يقال فيه: نبنيه على دخوله من باب أولى، فإنه أولى بالرد من الاختلاف بين راويين". (2)
ولأن "الاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد"(3)؛ فإن اختلاف الرواة منه القادح في صحة الحديث، ومنه غير القادح، وإنما يُعدّ هذا الاختلاف اضطراباً إذا كان قادحاً في الصحة، وهذا ما استدركه الزركشي على ابن الصلاح فقال: "وينبغي
(1) قال الدكتور عداب الحمش - بعد أن استعرض عدداً من أمثلة الحديث التي وصفها الترمذي بالاضطراب-: "وقد ظهر لي أن حدّ الاضطراب عند الترمذي يعني مطلق اختلاف الراوي المدار، أو الرواة عنه في سياقة الحديث سنداً أو متناً، أو جميعهما معاً." الحمش، الإمام الترمذي، 1/ 356.
(2)
الزركشي، النكت، /224. "هذا اعتراض متجه، لأن الاضطراب في الأعم الأغلب يحصل من راو واحد، وهو الذي يوجه الغلط فيه لمن اضطرب فيه. أما الاضطراب من راويين فهو أقل، وكذلك قد يوجه الاضطراب لأحد الراويين أو للشيخ، وربما كان قد حدث بالوجهين" الفحل، اختلاف الأسانيد، 222.
(3)
ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، 2/ 778. واختلاف التنوع: "منه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصَوْغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك
…
وأما اختلاف التضاد: فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع
…
" المرجع السابق، 2/ 779.
أن يقال على وجه يؤثر" (1)، أي: الاختلاف المؤثر في الصحة، وأكّد على ذلك ابن حجر بقوله: "الاضطراب هو: الاختلاف الذي يُؤثِّر قدحاً". (2)
فاشتراط كونه مؤثراً يُخرج اختلاف التنوِّع في الرواية، والذي مثَّل له الذهبي بقوله:"ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يُسمِّي أحدهما في الإسناد ثقة، ويُبدله الآخر بثقة آخر. أو يقول أحدهما: (عن رجل)، ويقول الآخر: (عن فلان) فيسمي ذلك المبهم. فهذا لا يضر في الصحة."(3)
ولأن الاضطراب يقع في السند وفي المتن، فقد قسّم ابن سيّد الناس - في كتابه النفح الشذي- (4) الاضطراب من حيث موضعه في السند أو المتن، ومن حيث القدح وعدمه إلى أربعة أقسام.
اضطراب في الإسناد، ومنه القادح، وغير القادح (5)، أما القادح: فالحديث يُروى عن الثقة تارة وعن من تُكُلِّمَ فيه تارة، والراوي عنهما واحد، والطرق إليه مختلفة. (6)
(1) الزركشي، النكت، 2/ 224.
(2)
ابن حجر، النكت، 2/ 773.
(3)
الذهبي، الموقظة، 51، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، 22، ابن حجر، المرجع السابق، بازمول، المقترب، 42.
(4)
ابن سيد الناس، النفح الشذي شرح جامع الترمذي، 1/ 199 - 201.
(5)
مثّل له بحديث: عبدالله بن مسعود قال: ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته، فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة
…
))، أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء بالحجرين، 1/ 69 ح (17)، قال الترمذي:"وهذا حديث فيه اضطراب".
قال ابن سيد الناس: "وصفوه كلهم بالاضطراب وخُرِّج مع ذلك في الصحيح، وهو اضطراب يرجع إلى الإسناد، والخلاف فيه على أبي إسحاق بين أبي عبيدة والأسود بن يزيد وعبدالرحمن ابنه وعبدالرحمن بن يزيد وعلقمة وكلُّهم ثقاتٌ فكيف ما انقلبنا انقلبنا إلى ثقة، فهذا وأمثاله لا يضر ولا يُعدُّ قادحًا." المرجع السابق.
(6)
مثّل له بقوله: "كما وقع من الاختلاف في الحديث المروي عن عبيدالله العمري وعبدالله أخيه عن الزهري أو غيره من الشيوخ فإنَّ عبيد الله مجمع على قوله وعبد الله مختلف فيه فهذا اضطراب يرجع إلى الإسناد وهو مما يوجب الوهن؛ لأنَّ ناقل الحديث في نفس الأمر أشكلَ علينا ودار الأمر فيه: متفق عليه، ومختلف فيه فلم يثبت عن من نعرف حاله يقينًا بغير شك." المرجع السابق.
واضطراب في المتن، ومنه القادح، وغير القادح، فالقادح في المتن: وهو ما اختلفت فيه مدلولات ألفاظه وتباينت معانيه، ولم يمكن أن تردَّ إلى معنىَّ واحد، ولا معانٍ يَقرب بعضُها منْ بعض.
وغير القادح هو: ما اختلف ألفاظه وأمكن ردّها إلى شيء واحد ومعان متقاربة (1).
والمراد بالاختلاف في هذا القيد:
هو الاختلاف القادح أو المؤثّر: وهو المشعر بقلة ضبط راويه (2)، ويقع على وجه يقدح في صحة الرواية، بحيث لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى: أن الراوي لم يضبط الحديث، فهو وإن كان ثقة إلا أنه ضعيف في هذا الحديث خاصة. (3)
وكثرة وقوع الاضطراب من الراوي والاختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر -أثناء كلامه على حديث اختلف فيه الرواة- فقال: "التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه
…
" (4)
(1) كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((اذهب فقد زوجتكها)) أو أنكحتكها أو ملكتها
…
إلى غير ذلك من الألفاظ التي إنْ وقع بينها خلاف في المعنى فيسير محتمل. ابن سيد الناس، المرجع السابق.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح، باب إذا كان الولي هو الخاطب 7/ 17 ح (5132) بلفظ (زوجتكها)، وفي باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة 7/ 18 ح (5141) بلفظ (ملكتكها)، وفي باب التزويج على القرآن 7/ 20 ح (5149) بلفظ (أنكحتكها).
(2)
ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 94، النووي، التقريب، 45، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 293.
(3)
ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد، 222.
(4)
ابن حجر، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، 2/ 414.
وقد أشار ابن حجر في كلامه السابق إلى الشق الثاني من هذا القيد، ألا وهو: اتحاد المخرج، فاختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الاضطراب، "والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم." (1)
ذكر هذا الشرط ابن دقيق العيد - فيما يخص الاختلاف المؤثر- فقال: "وهذا بشرط أن لا يكون الطريقان مختلفين، بل يكونان عن رجل واحد"(2)
وحين عرّف ابن كثير المضطرب، قال: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه،
…
" (3)، فقوله (على شيخ بعينه) اشتراط لاتحاد المخرج.
وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثاً بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا عُلِم أن الحديث الذي اُختلِف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر". (4)
- أما "تعليلهم الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً. أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة". (5)
(1) الخيرآبادي، معجم المصطلحات، 135.
(2)
ابن دقيق العيد، الاقتراح، 23.
(3)
ابن كثير، الاختصار، 55.
(4)
ابن رجب، شرح العلل، 2/ 843.
(5)
بازمول، المقترب، 41.
مثال ذلك: "قال الميموني: قلت ليحيى بن معين: الأحاديث التي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كراهة الحجامة للصائم. كيف تأويلها؟ قال: جياد كله، . قلنا: فما يقولون: مضطربة؟ قال: أنا لا أقول إن هذه الأحاديث مضطربة". ابن حنبل، العلل، 213 ح (403).
"وإذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله."(1)
- وتجدر الإشارة إلى أن تعدد أوجه الرواية قد يُحتمل من بعض الرواة دون غيرهم، وذلك في حال كان الراوي معروفاً بكثرة الرواية وجمع الطرق، أوضح ذلك ابن حجر بقوله:
"التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج، يوهن راويه ويُنبِئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه."(2)
وسبقه ابن رجب في تقرير هذا، وبيان حال الرواة ممن يُحتمل منه الاختلاف في الرواية ومن لا يُحتمل، فقال:"اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهماً؛ فإنه ينسب به إلى الكذب، وإن كان سيئ الحفظ؛ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما (يُحتمل مثل ذلك) ممن كثر حديثه وقوي حفظه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما."(3)
نخلص مما سبق:
أن المراد بالاختلاف في قيد الحديث المضطرب، هو اختلاف التضاد القادح في الصحة، والواقع في روايات الحديث الواحد سواء في السند أو في المتن أو في كليهما، وسواء وقع هذا الاضطراب من راوٍ واحد أو أكثر.
(1) بازمول، المقترب، 162.
(2)
ابن حجر، تلخيص الحبير، 2/ 414.
(3)
ابن رجب، شرح العلل، 1/ 424.