الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قد تقوي الحديث الضعيف قوة لا تخرجه من حيّز الضعف عند بعضهم؛ لكن قد يوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي الضعف الشديد غير المنجبر، وفي نفي الترمذي للشذوذ في حده للحديث الحسن، إشارة إلى نوع من أنواع الضعف غير المنجبر والذي يُقاس عليه مثله. خاصة وأن الترمذي "إمام من أئمة نقد الحديث وبيان علله، ولا يمكن أن يُحسِّن حديثاً فيه علة يعلمها"(1)، والله أعلم.
من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:
وبتأمل القيود الزائدة في التعريفات السابقة واللاحقة لابن الصلاح نجدها قد ذكرت قيد (اتصال السند)، وقد سبق في فصل الحديث الصحيح الحديث عنه ضمن قيود تعريف الصحيح، وإنما يتم تحريره هنا بما يخص اشتراطه في الحديث الحسن، وعلاقته بنوعيه (لذاته ولغيره).
قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن
(2):
الاتصال من الوصل، وهو ضد الانقطاع، ومتصل السند:"ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه."(3)
وبتأمل تعريفات الحديث الحسن السابقة لابن الصلاح أو اللاحقة:
(1) ينظر: السليماني، الجواهر، 77.
(2)
سبق في فصل الحديث الصحيح الحديث عن قيد اتصال السند.
(3)
ابن حجر، النزهة، 70.
نجد بعضاً ممن جاء بعد ابن الصلاح قد صرّح باشتراط اتصال السند في قسم الحديث الحسن -الموسوم بالحسن لذاته- كالطيبي (1)، وابن حجر (2)، وتبعه الشمّني، والسخاوي، بينما اشترطه ابن جماعة في الحسن بقسميه -كما يظهر من تعريفه (3) - وقد تعقّبه ابن حجر في ذلك، فقال بأن:"قيد الاتصال إنما يُشترط في رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان، وهذا هو الحسن لذاته، وهو الذي لم يتعرض الترمذي لوصفه. بخلاف القسم الثاني الذي وصفه، فلا يشترط الاتصال في جميع أقسامه كما قررناه". (4)
أما من جاء قبل ابن الصلاح، فقد فُهِم اشتراط الاتصال من تعريف بعضهم ضمناً، من ذلك:
تفسير قول الخطابي: (عُرف مخرجه) بكون سنده لم يفقد الاتصال ظاهرا - كالانقطاع، والإرسال، ونحوهما- ولا خفيا، كالتدليس.
وقيل: عُرف مخرجه من حيث كونه شاميا عراقيا مكيا كوفيا. كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفا بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية
(1) حيث قال: "مُسند من قَرُب من درجة الثقة". الطيبي، الخلاصة، 45.
(2)
إذ الحسن لذاته كالصحيح في شروطه وقيوده، وإنما يفترقان في درجة ضبط راويهما.
(3)
" ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان". ثم اختصره بقوله: " ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن". ابن جماعة، المنهل، 36.
(4)
ابن حجر، النكت، 1/ 408.
عن الاتصال; إذ المرسل والمنقطع والمعضل - لعدم بروز رجالها - لا يعلم مخرج الحديث منها. (1)
هذا بالإضافة إلى أن الخطابي أعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (2)
وكذلك يُفهم من تعريف ابن القطان اشتراطه للاتصال، فقد خصّ وصف الحسن عنده ببيان حال الراوي ودرجته دون التطرق لشروط الإسناد الأخرى من الاتصال، ونحوه، إلا أنه قد صرّح في كتابه بتضعيف الحديث الذي يفقد سنده الاتصال فقال:"والضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب مما سكت عنه، هو ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولا البتة عينه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال."(3)
ومما يدلل على عناية ابن القطان باتصال الإسناد، وتعليل بعض الأحاديث بالانقطاع أنه عنون لباب في كتابه بيان الوهم بقوله:"باب ذكر أحاديث أوردها (4) على أنها متصلة وهي منقطعة، أو مشكوك في اتصالها" ثم سرد تحته الطرق التي يستدل بها على وجود الانقطاع فقال:
"اعلم أن ما أذكره في هذا الباب من انقطاع الأحاديث، هو مدرك من إحدى أربع جهات:
(1) المراجع: ينظر: العراقي، التقييد، 44، البقاعي، النكت، 1/ 221، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 86، والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم. الخيرآبادي، معجم المصطلحات، 135.
(2)
سبق ذكر أمثلة على ذلك في فصل الحديث الصحيح، ينظر: الخطابي، معالم السنن، 1/ 94، 4/ 7، 3/ 259.
(3)
ابن القطان، بيان الوهم، 4/ 25 - 26.
(4)
يريد: أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتابه الأحكام.
الأولى: قول إمام من أئمة المحدثين: هذا منقطع، لأن فلانا لم يسمع من فلان، فنقبل ذلك منه ما لم يثبت خلافه.
الثانية: أن توجد رواية المحدث عن المحدث، لحديث بعينه بزيادة واسطة بينهما، فيقضى على الأولى التي ليس فيها ذكر الواسطة بالانقطاع، وسنزيد هذا شرحا إذا انتهينا إليه.
الثالثة: أن تعلم من تاريخ الراوي والمروي عنه أنه لم يسمع منه.
الرابعة: أن يكون الانقطاع مصرحا به من المحدث، مثل أن يقول: حُدثت عن فلان، أو بلغني، إما مطلقا، وإما في حديث [حديث]." (1)
وكذلك يُفهم من تعريف ابن دحية (2)، ومن استدراك ابن حجر عليه؛ اشتراطه الضمني للاتصال، حيث جوّد ابن حجر تعريفه، وجعله صالحاً لتعريف الحسن لذاته في حال تم إضافة قيد نفي الشذوذ والنكارة إليه، فقال:"فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي"(3).
ومن ثمَّ فإن اشتراط الاتصال تصريحاً أو ضمناً يُعدّ لازماً للتأكد من حال رواة الإسناد، من حيث قبول روايتهم أو ردّها، وإنّ انقطاع السند ظاهراً أو خفياً يحول دون ذلك، ويؤدي للجهالة بحال الساقط منه، لذا فإن من عرّف الحسن باشتراط وصف معين لرواته، وضمّ إلى ذلك نفي العلل، فإن اتصال السند يستتبع ذلك ضمناً، ليخلو من جميع أنواع
(1) ابن القطان، بيان الوهم، 2/ 371. يُنظر ما ذكره من أمثلة تحت هذا الباب.
قال الدكتور خالد - فيما يخص اشتراط الاتصال وغيره في تعريف ابن القطان-: "لم يتعرض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى أن هذه الأمور موجبة لضعف الحديث، وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن لكن عُرِف ذلك من كلامه في مواضع أخرى إلا أنه له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة". الدريس، الحديث الحسن، 4/ 1670.
(2)
"الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق" ينظر: الزركشي، النكت، 1/ 310، ابن حجر، النكت، 1/ 404 - 405.
(3)
ابن حجر، المرجع السابق 1/ 405.
الانقطاع الظاهر أو الخفي، التي تحول دون تحقق شرطي معرفة حال الراوي، وانتفاء العلة، وينطبق على ذلك تعريف ابن الصلاح للقسم الثاني من الحسن، الذي نزّله على تعريف الخطابي، والذي يوصف بالحُسن لذاته؛ إذ لم يشترط فيه مجيئه من وجه آخر. والله أعلم.
وتجدر الإشارة أن ما سبق من اشتراط اتصال السند في الحديث الحسن، إنما يخص الحسن لذاته، أما ما يُحمل تعريفه على الحسن لغيره، والذي هو في أصله ضعيف ضعفاً مُنجبراً تقوّى بمجيئه من وجه آخر، فإن كان سبب الضعف انتفاء شرط الاتصال، فينبغي الإشارة إلى أن ارتقاءه للحسن لغيره يكون حسب قابلية هذا الانقطاع للانجبار وعدمه، فمن أنواع الانقطاع ما ينجبر ومنها ما لا ينجبر، "فالذي يصلح للشواهد ما كان من قسم المنقطع الاصطلاحي، لا المعضل ولا المعلق إذا كان الساقط فيه أكثر من واحد، والله أعلم."(1)
نخلص مما سبق:
أن وصف الحديث بالحُسن، والذي يُعدّ من أدنى مراتب الصحيح يستلزم اتصال سنده، وقد ظهر ذلك في التعريفات الخاصة بالحسن لذاته، إما صراحة أو ضمناً، بينما لم يُشترط هذا الشرط في الحسن لغيره، والذي اكتسب وصف الحُسن بمجموع طرقه، إذ ان بعض أنواع انقطاع السند تُجبر بمجيء الحديث من طريق آخر.
(1) السليماني، الجواهر، 78. سيأتي تفصيل أنواع الانقطاع في فصل الحديث الضعيف.