الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 -
الغفلة والتلقين:
وهم صنف من المحدثين: "امتحنوا بأولاد لهم أو ورّاقين (1)، فوضعوا لهم أحاديث ودسوها عليهم، فحدثوا بها من غير أن يشعروا". (2)
7 -
الخطأ والوهم:
وقد يقع الوضع في الحديث خطأً أو وهماً، كمن يغلط فيضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلام بعض الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم، من غير تعمّد لذلك. (3)
قال ابن حجر: "وأخفى الأصناف القسم الأخير الذين لم يتعمدوا مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد - والله الموفق -"(4).
حكم الموضوع، وروايته:
(5)
قال ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقروناً ببيان وضعه."(6)
(1) الورّاق: "مُورق الْكتب الَّذِي يورق وَيكْتب". المعجم الوسيط، 2/ 1026.
(2)
من أمثلة ذلك: "كعبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، وكحماد بن سلمة ; ابتلي بربيبه ابن أبي العوجاء، فكان يدس في كتبه، وكمعمر كان له ابن أخ رافضي، فدس في كتبه حديثا، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: ((نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي، فقال: أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي)). فحدث به عبدالرزاق، عن معمر، وهو باطل موضوع، كما قاله ابن معين." السيوطي، التدريب، 1/ 337، ينظر: العراقي، شرح التبصرة، 1/ 309.
(3)
كما في قصة ثابت بن قيس في حديث: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار))، المذكورة في شبه الوضع، وفي أقسام المدرج.
(4)
ابن حجر، المرجع السابق، 2/ 858.
(5)
ينظر كذلك: الذهبي، الموقظة، 67، العراقي، شرح التبصرة، 307، السيوطي، التدريب، 1/ 323.
(6)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 98 - 99.
ونقل ابن حجر الاتفاق على ذلك، فقال في النزهة (1):"واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيانه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين (2))) (3) "، و"كفى بهذه الجملة وعيداً شديداً في حق من روى الحديث فيَظن أنه كذب، فضلا عن أن يتحقق ذلك ولا يُبينه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعل المُحدِّث بذلك مشاركاً لكاذبه في وضعه."(4)
قال السيوطي: "أطبق على ذلك علماء الحديث فجزموا بأنه لا تَحِلُّ رواية الموضوع في أي معنىً كان؛ إلا مقروناً ببيان وضعه"(5)، أي:"نقلاً متصلاً ببيان كونه موضوعا."(6)
- وذكر السخاوي المراد ببيان الوضع بقوله: "كأن يقول: هذا كذب أو باطل، أو نحوهما من الصريح في ذلك، وفي الاقتصار على التعريف بكونه موضوعا نظر، فرب من لا يعرف موضوعه
…
" (7)، وذكر حكاية عن بعض العجم أنه أنكر على العراقي قوله في حديث سُئل عنه: إنه كذب، محتجاً بأنه في كتاب من كتب الحديث، ثم جاء به من
(1) ابن حجر، النزهة، 112.
(2)
"يُرى - مضبوطة بضم الياء - بمعنى يظن. وفي "الكاذبين" روايتان:
إحداهما: بفتح الباء على إرادة التثنية. والأخرى: بكسرها على صيغة الجمع." ابن حجر، النكت، 2/ 839، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 311.
(3)
أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، 1/ 8، والترمذي في سننه كتاب العلم، باب ما جاء فيمن روى حديثا وهو يرى أنه كذب، 4/ 333 ح (2662)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
ابن حجر، المرجع السابق.
(5)
السيوطي، تحذير الخواص من أكاذيب القُصَّاص، 73 - 74.
(6)
القاري، شرح النخبة، 453.
(7)
السخاوي، فتح المغيث، 1/ 311 - 312.
الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع (1)، إلا أن ما ذكره رحمه الله من التباس لفظ الموضوع، والمراد به في الحكم على الحديث عند بعضهم، قد يكون بعيداً ونادراً (2).
- وذكر ابن حجر من طرق بيان المتقدمين للحديث الموضوع، الاكتفاء بإسناده دون التصريح بكونه موضوعاً، فقال:"والاكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد طريقة معروفة لكثير من المحدثين، وعليها يُحمل ما صدر من كثير منهم من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحا، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان- والله أعلم -"(3).
- وأشار تلميذه السخاوي- رحمه الله إلى الفرق بين المتقدمين في روايتهم للحديث الموضوع بإسناده، ومن جاء بعدهم، فإن كان ذلك سائغاً في عصر الرواية، فهو غير سائغ لمن بعدهم، فقال: "لا يبرأ من العُهدةِ في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك; لعدم الأمن من المحذور به (4)، وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية في سنة مائتين، وهلم جرا،
…
" (5).
(1) ينظر: المرجع السابق، 1/ 310، الأثيوبي، شرح ألفية السيوطي، 1/ 287.
(2)
ينظر: فلاته، الوضع في الحديث، 326.
(3)
ابن حجر، النكت، 2/ 863.
(4)
مثال ذلك: تخطئة ابن الصلاح لما قام به بعض المفسرين من إخراج حديث موضوع في فضائل سور القرآن في تفاسيرهم، فقال:"وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن سورة فسورة. بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسر، ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم، والله أعلم."
وإن اعتذر العراقي لمن أخرجه من المفسرين بإسناده إلا أنه لم ينفِ عنه خطأه في ذلك، فقال في شرح التبصرة:"وكل من أودع حديث أبي - المذكور - تفسيره، كالواحدي، والثعلبي والزمخشري مخطئ في ذلك؛ لكن من أبرز إسناده منهم، كالثعلبي، والواحدي فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، كما تقدم. وأما من لم يبرز سنده، وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش، كالزمخشري". المراجع: ابن الصلاح، علوم الحديث، 100، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 312 - 313، ينظر: السيوطي، التدريب، 1/ 341.
(5)
السخاوي، فتح المغيث، 1/ 312، الأثيوبي، شرح ألفية السيوطي، 1/ 287.
"وما ذهب إليه رحمه الله تعالى متجه؛ لأن المتقدمين من المحدثين كانوا يعدّون ذكر الإسناد نوعاً من البيان بخلاف المتأخرين؛ لاندثار علم الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، ولكون الغاية من الإسناد عندهم هو التبرك وإبقاء الخصوصية لهذه الأمة"(1)
- ومن جملة البيان كذلك، ما ذكره الخطيب البغدادي بقوله:"ومن روى حديثا موضوعاً على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه، ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جُرْح الشاهد في الحاجة إلى كشفه، والإبانة عنه"(2).
- وفي قول العراقي في شرح التبصرة: "لم يجيزوا لمن علم أنه موضوع أن يذكره برواية، أو احتجاج، أو ترغيب إلا مع بيان أنه موضوع"(3)، نوع إشكال لإدراجه لفظ الاحتجاج في معرض ذكره لحكم الموضوع! .
وقد وجّه ابن حجر قول شيخه بأن عبارة: " (أو احتجاج) ليس مستثنى منه بقوله: (إلا مع بيان)، وإن كان من الجمل المتعاطفة بأو، فإنه خرج بقرينة؛ لأنه لا يمكن أن يحتج به ويبين أنه موضوع، إذ لا فائدة في ذلك؛ فكأنه قيل: لا يجوز لمن علم أن الحديث موضوع
(1) فلاته، الوضع في الحديث، 326.
(2)
الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، 2/ 99.
(3)
العراقي، شرح التبصرة، 1/ 307.
أن يحتج به مطلقاً، ولا يجوز له أن يرويه، أو يرغب به في شيء، إلا أن يبين أنه موضوع." (1)
وأردف البقاعي ما ذكره شيخه ابن حجر بتوجيهٍ آخر، فقال:"ويمكن أن يُوجَّه بأن يكون لفظ الموضوع حسناً، ومعناه صحيحاً، فيحتج به على شيء ويبين أنه موضوع، إعلاماً بإن المراد ليس الاحتجاج بنسبة هذا اللفظ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل نسبة المعنى بعد ذكر ما يعضده من الشريعة، والله أعلم."(2)
ولعل ما ذكره البقاعي من توجيه قريب مما ذكره شيخه ابن حجر - في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة- وذلك بعد أن ساق حديثاً فيه قصة عجيبة، ضمن ترجمة لهيب ابن مالك (3)، نقل فيها قول ابن عبدالبر:"إسناد هذا الحديث ضعيف، ولو كان فيه حكم لم أذكره، لأن رواته مجهولون، وعمارة بن زيد (4) متهم بوضع الحديث، ولكنه في معنى حسن من أعلام النبوة، والأصول في مثله لا تدفعه، بل تصححه وتشهد له"(5).
فعقّب ابن حجر بقوله: "يستفاد من هذا أنه تجوز رواية الحديث الموضوع، إذا كان بهذين الشرطين:
(1) البقاعي، النكت، 1/ 548.
(2)
المرجع السابق.
(3)
قيل: اسمه لُهيب بالتصغير- بن مالك اللهبي، وقيل: لهب، روى خبراً عجيباً في الكهانة، وأعلام النبوة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، 641 - 642 (2240)، ابن حجر، الإصابة، 9/ 399 (7597).
(4)
عمارة بن زيد، وأبوه هو عبد الرحمن بن زيد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الأزدي: كان يضع الحديث. ينظر: الذهبي، الميزان، 3/ 177 (6025)، ابن حجر، اللسان، 4/ 278 (790).
(5)
ابن عبدالبر، المرجع السابق.