الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات
.
- أبرز التعريفات التي دار عليها مصطلح الشاذ هو تعريف الشافعي والحاكم والخليلي، وغالب ما جاء بعدها إنما كان ترجيحاً لأحدهم، أو دمجاً فيما بينهم كما فعل ابن الصلاح في جعل الشاذ على قسمين: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.
- ومن جاء بعد ابن الصلاح لم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.
- وكانت أبرز القيود التي احتاجت إلى تحرير في تعريف الشاذ هما: المخالفة، والتفرّد.
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.
- وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي رحمه الله إلا أنه جعل الشذوذ خاصاً بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
- وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.
- وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:
ابن القيم وأشار إلى أن تفرّد الثقة بما لم يروه غيره ليس شذوذاً، وإن سُمّي شذوذاً فهو من باب الاصطلاح الذي لا يوجب رد الحديث به، والنووي في كتابه المجموع، وابن كثير صوّبه كذلك، واقتصر ابن الملقن على ذكره - دون سواه - في كتابه (التذكرة)، واعتمده ابن حجر كتعريف للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق، ومثّل له بما وافق معناه، وسار على نهج شيخه السخاوي وتبعه السيوطي إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة، ومثلوا للشاذ بأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الراوي (الثقة أو الصدوق) لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن.
- وأما من قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد:
الإمام الحاكم وتبعه تلميذه الخليلي في ذلك مع اختلاف يسير بينهما إذ قيّد الحاكم الشذوذ بتفرد الثقة، بينما أطلقه الخليلي ليعم الثقة وغيره، هذا بشكل عام إلا أن المتأمل لسياق كلام كلٌ منهما وأمثلته يتضح له أمور من ذلك:
- أن الحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذاً مردوداً، بل يشترط له ضمناً أن ينقدح في ذهن الناقد أن هذا التفرد غلط، وقد تقصر عبارة الناقد عن بيانه، وهذا هو الفرق بين الشاذ والمعلل عند الحاكم، - وصرّح به ابن الأثير من فهمه لكلام الحاكم- بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته.
- وقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة:
المثال الأول والثاني مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً، أما المثال الثالث: فيصدق عليه وصف الغريب الصحيح، وعُدّ إطلاقه لفظ الشذوذ عليه إطلاقاً لفظياً.
وعليه فالشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه، وهو قسمان: شاذ مقبول: وهو ما يرادف الغريب عنده، وشاذ مردود: وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد.
- أما الخليلي فالظاهر أنه أراد بالشاذ تفرّد الشيوخ المستورين غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فرداً، ونصّ على كونها صحيحة. (1)
- ويشبه ما ذهب إليه الخليلي من تعريف الشاذ، ما استنتجه ابن سيد الناس من تعريف الترمذي للحسن، وتقييده بنفي الشذوذ؛ ففسّر الشذوذ بناءً على ذلك بقوله:"والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ."(2) وقال أيضاً -مُظهِراً تردده بعدم الجزم بمعنى معين للشذوذ عند الترمذي، واحتماله للمعاني السابقة في الشذوذ-:"إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: "ويُروى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين."(3)
فقوله بأن تفرّد المستور داخل في مسمى الشاذ، يقارب قول الخليلي في إطلاقه الشاذ على تفرّد الشيخ الذي لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه،
(1) ينظر: حمام، التفرد، 380 - 381 بتصرّف.
(2)
ابن سيد الناس، النفح الشذي، 1/ 244 - 245.
(3)
ابن سيد الناس، المرجع السابق، 1/ 266 - 267.
- وأما الميانشي فقد فرّق بين الفرد والغريب والشاذ، فعرّف كل واحد منهما بتعريف مستقل، فعنى بالشاذ تفرّد كثير الرواية، وبالغريب تفرّد قليل الرواية، وبالمفرد أو الفرد زيادة الثقة.
والمحصلة النهائية أن المحدثين استعملوا الشاذ بمعنيين (1):
الأول: ما رواه الثقة مخالفاً غيره من الثقات.
الثاني: ما رواه الثقة - أو غيره- منفرداً به، ولم يتابع عليه، ولو لم تقع مخالفة.
وحقيقة الشاذ (2): هو ما لا يصح من أحاديث الثقات، أو ما تضمن قرينة على الخطأ سواء كانت هذه القرينة مخالفة صريحة واضحة أو مخالفة ضمنية بتفرّده بما لا يعرفه الآخرون، أو لا يتابعه عليه أحد، والله أعلم.
هذا كان ختام تحرير تعريف الحديث الشاذ، ولأن المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ؛ ناسب أن أُلحق فصل الحديث الشاذ بالحديث المنكر.
(1) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1110 - 1111.
(2)
ينظر: حمام، التفرد، 406 - 409.