الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:
المُضطرِب: بكسر الراء اسم فاعل من (اضطرب)(1).
والاضطراب: الاختلاف والاختلال، يُقال: اضطّرب الحبل بين القوم، إذا اختلفت كلمتهم. واضطرب أمره: اختلّ.
ويُطلق الاضطراب على الحركة، يُقال: الموج يضطرب، أي: يضرب بعضه بعضاً.
فالاضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الاختلاف، والاختلال، والحركة وعدم الاستقرار. (2)
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً
(حسب الترتيب الزمني):
إن وصف الحديث بالاضطراب يوحي باختلال في ضبط راويه (3)، بل يُعدُّ الاضطراب نوعاً من علل الحديث (4)؛ لذا قال السخاوي في مناسبة إرداف نوع المضطرب بالمعلل - في كتاب ابن الصلاح ومن تبعه-: "لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة،
(1) من الباحثين المعاصرين من ذكر أن كسر الراء هو الدارج عند المحدثين، فقال بازمول:"يجوز في الراء من كلمة مضطرب الفتح على اعتبار اسم المكان، والكسر على اعتبار اسم الفاعل لغة. والذي درج عليه أهل الحديث الكسر" بازمول، المقترب، 36، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 290، الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 271، القاري، شرح النخبة، 481.
بينما ذهب آخرون إلى أن فتح الراء هو الأولى والأظهر لتحقيق المعنى الاصطلاحي، فنبّه الفحل، - وسبقه كذلك الأحدب- إلى "أن الشائع تسميته ب (المضطرِب) على وزن اسم الفاعل، هو من باب الإسناد المجازي؛ لأن الاضطراب واقع فيه لا منه، إذ إنه اسم مكان، فيظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة، فهو على الحقيقة: مضطرَب -بفتح الراء- ولو سمي كذلك لكان أظهر في المعنى الاصطلاحي.". الفحل، اختلاف الأسانيد، 221 - 222، ينظر: الأحدب، اختلاف المحدثين، 1/ 390.
(2)
ينظر مادة (ض ر ب): الفراهيدي، العين، 7/ 32، الأزهري، تهذيب اللغة، 12/ 17، ابن سيده، المحكم، 8/ 187، الرازي، المختار، 183، ابن منظور، اللسان، 1/ 544، الفيروزآبادي، القاموس، 108، الكفوي، الكليات، 137.
(3)
ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 94.
(4)
ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 271، الصنعاني، توضيح الأفكار، 2/ 438، ينظر: بازمول، المقترب، 27.
ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح" (1)، أي: في حال ظهرت العلة وترجّحت للنقاد أطلقوا على الحديث وصف المُعلّ، وفي حال تساوت وجوه العلة والاختلاف، ولم تترجّح أطلقوا عليه وصف المضطرب، فالمضطرب "قسيم المُعلِّ من حيثية الترجيح والتساوي" (2).
وقد ذكر محققا كتاب ابن الصلاح - ضمن سمات منهج ابن الصلاح في كتابه- أن تعريف الحديث المضطرب من التعاريف التي ابتكرها ابن الصلاح، ولم يُسبق إليها. (3)
ومقصدهما من الابتكار هو حدّه بحدّ يميّزه عن غيره، فوصف الحديث بالاضطراب، أو وصف الراوي بكونه مضطرباً موجود بكثرة في كتب أهل الحديث ونقّاده، ويلخّص ذلك قول أحد الباحثين:"وجدت كلام ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث يتضمن خلاصة كلام أهل الفن في المضطرب مع ما في كلامه رحمه الله من قوة ومتانة."(4)
وبالبحث عن معنى الاضطراب قبل ابن الصلاح، وجدت من قسّم الاضطراب إلى قسمين (اضطراب سند، واضطراب متن)، وعرّف أحدهما وأشار إلى معنى الآخر، وهناك من فرّق بينهما في الحكم، وفما يلي بيان ذلك:
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 290.
(2)
المرجع السابق، 1/ 297.
(3)
ينظر: الهميم، والفحل، "سمات منهج ابن الصلاح"، من تحقيقهما لكتاب علوم الحديث لابن الصلاح، 34.
(4)
بازمول، المقترب، 431.
تعريف الخطيب البغدادي (ت 463 هـ):
ذكر الخطيب البغدادي المراد باضطراب السند، فقال:"واضطراب السند أن يذكر راويه رجالاً فيُلبِّسُ أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليساً للرواية عنهم، وإنما يفعل ذلك غالباً في الرواية عن الضعفاء."(1)
وعرّج على المراد باضطراب المتن حين قابل بين الحديث السالم من الاضطراب في متنه والحديث المضطرب في متنه، فقال:
"فمما يوجب تقوية أحد الخبرين المتعارضين وترجيحه على الآخر: سلامته في متنه من الاضطراب، وحصول ذلك في الآخر، لأن الظن بصحة ما سلم متنه من الاضطراب يقوى، ويضعف في النفس سلامة ما اختلف لفظ متنه. فإن كان اختلافاً يؤدي إلى اختلاف معنى الخبر، فهو آكد وأظهر في اضطرابه، وأجدر أن يكون راويه ضعيفاً قليل الضبط لما سمعه، أو كثير التساهل في تغيير لفظ الحديث، وإن كان اختلاف اللفظ لا يوجب اختلاف معناه فهو أقرب من الوجه الأول، غير أن ما لم يختلف لفظه أولى بالتقديم عليه."(2)
فيكون مراده باضطراب المتن: روايته بلفظ مختلف، فإن أدّى ذلك إلى اختلاف معنى الحديث فهو ظاهر الاضطراب، وإن لم يختلف المعنى فهو أقرب إلى السالم من الاضطراب، إلا أنه دونه في حال الترجيح، فيقدّم ما خلا من الاضطراب في متنه على ما اُختلف لفظه وإن لم يختلف المعنى.
بينما ابن القطان الفاسي (ت 628 هـ) - وهو معاصر لابن الصلاح- فرّق بين حكم الاضطراب في المتن والاضطراب في السند دون أن ينصّ على تعريف لأيّ منهما، ولعل استدراكاته - على من سبقه فيما يخصّ اضطراب السند، وذلك في كتابه بيان الوهم
(1) ذكر ذلك تحت (باب القول في ترجيح الأخبار)، حيث تطرق إلى طرق الترجيح بين الروايات، ومن ضمنها سلامة متن الحديث من الاضطراب، وكذلك سلامة سنده من الاضطراب. ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 435.
(2)
المرجع السابق، 434.
والإيهام- (1)، وتفنيده سبب مخالفته عامة أهل الحديث في عدم اعتباره هذا النوع من الاضطراب علة؛ يشير إلى معنى اضطراب السند عنده.
من ذلك قوله: "وإن كنت لا أرى الاضطراب في الإسناد علة، وإنما ذلك إذا كان من يدور عليه الحديث ثقة، فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عنه إلى مسند ومرسل، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع. وأما إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا، أو ببعضه، أو بغيره، غير ثقة، أو غير معروف، فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه."(2)
فيكون مراده باضطراب السند، أنه: اختلاف النقلة عن الراوي (الشيخ) في إسناد الحديث أو إرساله، أو رفعه ووقفه، أو وصله وقطعه.
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
قال ابن الصلاح تحت النوع التاسع عشر من أنواع علوم الحديث:
(1) لخّص الباحث إبراهيم بن الصديق منهج ابن القطان في الحديث المضطرب فذكر أن: ابن القطان يعتبر اضطراب المتن علة ويرد به الحديث في حال لم يمكنه الجمع بين معانيه، فإذا أمكن الجمع وصح إسناده اعتمده.
وأما اضطراب الإسناد فله فيه منهجان عام وخاص، أما منهجه العام: فهو لا يُعِلّ الحديث باضطراب الإسناد، ويعتبره صحيحا إذا كان التخالف بين الثقات لا بين ضعيف وثقة.
وأما منهجه الخاص: فإن ابن القطان لا ينظر إلى الحديث بمجموع طرقه ورواياته، بل ينظر نظرة جزئية إلى كل إسناد على حدة، فإذا صح ذلك الإسناد حكم على الحديث بالصحة، فإذا كان للحديث إسناد آخر يخالف ذلك الاسناد نظر إليه نظرة منفصلة تماما عن الإسناد الأول، فإن كان ضعيفا فالحديث بالإسناد الثاني ضعيف، وبالأول صحيح ولا يُعِل ضعيفٌ صحيحا.
وإن كان الإسنادان ضعيفين ضعفا يسيرا بحيث يمكن الانجبار، بقيا على ضعفهما ولا يجبر هذا ولا يقوي الضعيف ضعيفا، ومن ثم ندر - ولا أتجاوز الواقع إن قلت: انعدم- في كتابه تصحيح الأحاديث بالمتابعات والشواهد. أو اعتبار الطرق والاعتضاد
…
وإذا كانت هذه هي نظرته إلى الأسانيد والطرق فهو لا يتصور أن يقع اضطراب في إسناد حديث. مادام كل إسناد مستقلا عن الآخر.
ينظر: ابن القطان، بيان الوهم، 3/ 275 ح (1022)، 3/ 277 ح (1024)، 3/ 339 ح (1083)، 3/ 375 ح (1118)، 3/ 469 ح (1232)، 4/ 26 ح (1449)، 5/ 263 ح (2462)، 5/ 315 ح (2493)، إبراهيم بن الصديق، علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام، 2/ 163 - 179 باختصار.
(2)
ابن القطان، المرجع السابق، 3/ 339.
"معرفة المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له."(1)
ثم أردف بذكر شرط التساوي بين الروايات، فقال:"وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه."(2)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من نقل تعريفه للمضطرب كما هو، كالطيبي (ت 743 هـ)(3)، ومنهم من فصّل عبارته - فذكر وقوع الاختلاف من الراوي نفسه أو من عدة رواة- كالعراقي (ت 806 هـ)(4)، وتبعه ابن الوزير (ت 840 هـ)(5).
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 93 - 94.
(2)
المرجع السابق.
(3)
ينظر: الطيبي، الخلاصة، 83. ملاحظة: ذكر نوع المضطرب بعد المدلس، ولم يراعِ في ذلك ترتيب الأنواع عند من سبقه، ممن لخّص كتابه عنهم، ولعله استفاد ذلك من كلام الخطيب في المراد باضطراب السند، أو تبع ابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح، والله أعلم.
(4)
ينظر: العراقي، شرح التبصرة، 1/ 290، حيث قال:"هو ما اختلف راويه فيه. فرواه مرة على وجه، ومرة على وجه آخر مخالف له. وهكذا إن اضطرب فيه راويان فأكثر، فرواه كل واحد على وجه مخالف للآخر."
(5)
ابن الوزير، التنقيح، 165.
وأغلب من جاء بعد ابن الصلاح، فقد اختصر كلامه: كالنووي (ت 676 هـ)(1)، وابن دقيق العيد (ت 702 هـ)(2)، وابن جماعة (ت 733 هـ)(3)، والذهبي (ت 748 هـ)(4)، وابن الملقن (ت 804 هـ) حيث ذكره مختصراّ في كلا كتابيه المقنع (5)، والتذكرة (6).
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المُضطرب بعد ابن الصلاح، والتي فيها إضافة أو تركيز على شق من التعريف:
تعريف ابن كثير (ت 774 هـ): حيث قال: "وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أُخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض."(7)، فقد أبرز ابن كثير في تعريفه موضع الاختلاف على الشيخ، وهو نوع من اضطراب السند، إلا أن قوله (أو من وجوه أُخر) يعمّ كذلك أنواع الاضطراب الأخرى.
وكذلك تعريف ابن حجر (ت 852 هـ): في نزهة النظر حين ذكر المضطرب تحت أنواع مخالفة الراوي، فقال: "أو كانت المخالفة بإبداله - أي: الراوي (8)، - ولا مرجح
(1) ينظر: النووي، التقريب، 45.
(2)
ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، 22، ملاحظة: ذكر نوع المضطرب بعد المدلس، وستأتي الإشارة إلى العلاقة بسن التدليس والاضطراب أثناء تحرير التعريفات.
(3)
ينظر: ابن جماعة، المنهل، 52.
(4)
ينظر: الذهبي، الموقظة، 51.
(5)
ينظر: 1/ 221.
(6)
ينظر: 18.
(7)
ابن كثير، الاختصار، 55.
(8)
"أي بإبدال الشيخ المروي عنه، كأن يروي اثنان حديثا فيرويه أحدهما عن شيخ، والآخر عن آخر، ويتفقان فيما بعد ذلك الشيخ". المناوي، اليواقيت والدرر، 2/ 95.