المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القيد الثاني: المخالفة: - المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

[راوية بنت عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختياره:

- ‌مصطلحات البحث:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌حدود البحث:

- ‌مخطط البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌تمهيد

- ‌نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:

- ‌الفصل الأول: الحديث الصحيح

- ‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ قيود الصحيح عند ابن الصلاح

- ‌القيد الأول: اتصال السند:

- ‌القيد الثاني: العدالة:

- ‌القيد الثالث: الضبط:

- ‌القيد الرابع: السلامة من الشذوذ

- ‌القيد الخامس: السلامة من العلّة

- ‌القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً

- ‌الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد نفي التدليس:

- ‌قيد الشهرة في الطلب:

- ‌قيد اشتراط العدد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثاني: الحديث الحسن

- ‌المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة

- ‌القيد الثاني: قيد الستر للراوي:

- ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

- ‌القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة

- ‌القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:

- ‌من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثالث: الحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌أسباب ضعف الحديث:

- ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

- ‌السبب الخامس: الشذوذ المردود

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الرابع: الحديث الشاذ

- ‌المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الشاذ عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: المخالفة:

- ‌القيد الثاني: التفرد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل الخامس: الحديث المنكر

- ‌المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود المنكر عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: التفرد:

- ‌القيد الثاني: المخالفة:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل السادس: الأفراد

- ‌المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:

- ‌المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل السابع: زيادة الثقة

- ‌المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:

- ‌ القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:

- ‌ القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:

- ‌الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثامن: الحديث المعلل

- ‌المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة

- ‌القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل التاسع: الحديث المضطرب

- ‌المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:

- ‌القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:

- ‌مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:

- ‌مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:

- ‌حكم الحديث المضطرب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل العاشر: الحديث المدرج

- ‌المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المدرج:

- ‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

- ‌القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب

- ‌المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المقلوب:

- ‌قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:

- ‌أقسام الحديث المقلوب:

- ‌أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً

- ‌سبب يخص وقوع القلب في المتن:

- ‌حكم الحديث المقلوب:

- ‌طرق معرفة الحديث المقلوب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثاني عشر: الموضوع

- ‌المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الموضوع عند ابن الصلاح:

- ‌ قيد الاختلاق والصُنْع

- ‌طرق معرفة الموضوع:

- ‌أسباب الوضع في الحديث:

- ‌حكم الموضوع، وروايته:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الخاتمة

- ‌النتائج العامة لهذا البحث:

- ‌النتائج التفصيلية:

- ‌توصيات البحث:

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌القيد الثاني: المخالفة:

نخلص مما سبق:

أغلب تعريفات المنكر التي قيّدته بالتفرّد إنما خصته بتفرّد الضعيف على وجه الإطلاق، بينما فرّق ابن حجر بين مراتب الضعفاء ودرجاتهم في الضعف، وأطلق النكارة على تفرّد الشديد الضعف غير القابل للانجبار.

وأشار الذهبي إلى إطلاق النكارة على بعض تفردات الصدوق.

وأما تعريف البرديجي فقد أطلق التفرّد ولم يحدد مرتبة راويه، وإنما قيّده السياق والمثال بالتفرّد المُوهِم بالعلة والخطأ؛ وذلك لتفرّد الراوي عن شيخ مشهور بما لا يعرفه بقية تلامذة الشيخ الحريصين على جمع حديثه، وضبطه، ويُضاف إليه عدم معرفة المتن من طريق آخر، والله أعلم.

‌القيد الثاني: المخالفة:

(1)

والمخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (2).

وفي الاصطلاح: "أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه"(3).

(1) سبق تعريف المخالفة في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد تعريفها هنا بشيء من الاختصار.

(2)

ينظر مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، 5/ 201، الفيروزآبادي، القاموس، 808.

(3)

كافي، منهج الإمام البخاري، 259. حيث قال مؤلف الكتاب:"لم أجد لها تعريفاً، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله"، ثم أشار إلى بعض أسباب مخالفة الرواة لبعضهم في الرواية، فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط.

وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها". المرجع السابق.

ص: 352

والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.

وإن كانت المخالفة تدخل ضمن التفرّد إلا أنها نوع خاص منه، وقد مثّل ابن الصلاح للفرد المخالف بقوله:

"مثال الأول - وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات -: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين (1) عن عُمر بن عثمان (2) عن أسامة بن زيد (3)، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)) (4) فخالف مالك غيره من

الثقات في قوله عُمر ابن عثمان - بضم العين-. وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب (التمييز)(5)، أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عَمْرو بن عثمان، يعني: بفتح العين، وذكر أن مالكاً كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه عَلِم أنهم يخالفونه. وعَمْرو

(1) علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب القرشي الهاشمي، زين العابدين، قال الذهبي: قال الزهري: "ما رأيت قريشا أفضل منه"، وقال ابن حجر: ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور" مات سنة 93، وقيل: 94 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 37 (3900)، ابن حجر، التقريب، 400 (4715).

(2)

قال ابن حجر في التقريب: "عمر بن عثمان بن عفان في حديث أسامة صوابه عمرو تفرد مالك بقوله عمر" وعمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أبو عثمان، ثقة. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 83 (4196)، ابن حجر، التهذيب، 7/ 481، ابن حجر، التقريب، 415، 424 (5077).

(3)

أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى، أبو محمد ويقال أبو زيد، صحابي جليل، الحِبُّ وابن الحِبِّ، ولد في الإسلام، ومات سنة: 54 هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، 46 (12)، ابن الأثير، أُسد الغابة، 1/ 194 (84)، ابن حجر، الإصابة، 1/ 102 (89).

(4)

أخرجه مالك في الموطأ من حديث أسامة بن زيد كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل (2/ 519) ح (10). مقتصراً على الشق الأول منه ((لا يرث المسلم الكافر))، والحديث كاملاً متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، 8/ 156 ح (6764)، ومسلم في صحيحه كتاب الفرائض، 3/ 1233 ح (1614).

(5)

لم أجد هذا النص في الجزء المطبوع من كتاب التمييز، ولعله في الجزء المفقود منه، والله أعلم. ينظر: ابن عبدالبر، التمهيد، 9/ 160 - 161.

ص: 353

وعُمر جميعا: ولدا عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عَمرو بفتح العين، وحكم مسلم وغيرُه على مالك بالوهم فيه، والله أعلم". (1)

وقد تُعقِّب في هذا المثال، فمن وافقه في كون المنكر والشاذ بمعنى واحد، تعقّبه بأنه "لا يلزم من تفرد مالك بقوله في الإسناد عمر أن يكون المتن منكراً، فالمتن على كل حال صحيح؛ لأن عمر وعمرا كلاهما ثقة"(2) فالحديث ليس بمنكر، ولم يُطلق عليه أحد اسم النكارة

والمتن ليس بمنكر، وغايته أن يكون السند منكرا، أو شاذا لمخالفة الثقات لمالك في ذلك (3).

وأما ابن حجر - ومن سار على نهجه (4) من التفريق بين الشاذ والمنكر، وترجيح إطلاق الشذوذ على مخالفة الثقة لغيره من الثقات، وإطلاق النكارة على مخالفة الضعيف- فقد استدرك على ابن الصلاح تمثيله للمنكر بمخالفة الإمام مالك لغيره، فقال:

"وإذا تقرر كون هذا - أيضا - لا يصلح مثالا للمنكر فلنذكر مثالا للمنكر غيره. وقد ذكر الحافظ العلائي في هذا المقام حديث هشام بن سعد (5) عن

الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان

(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 82.

(2)

العراقي، التقييد، 106.

(3)

ينظر: العراقي، شرح التبصرة، 1/ 254 بتصرف يسير.

(4)

ينظر: البقاعي، النكت الوفية، 1/ 470، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 255، الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 244.

(5)

هشام بن سعد المدني، أبو عباد، ويقال: أبو سعيد القرشي، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، قال الذهبي: حسن الحديث. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، ورُمِي بالتشيع. مات سنة: 160 هـ وقيل: قبلها. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 336 (5964)، ابن حجر، التقريب، 572 (7294).

ص: 354

" (1) فذكر حديث المواقع أهله في رمضان، وذكر فيه الكفارة وقوله: "على أفقر مني" وزاد في آخر المتن "وصم يوما مكانه واستغفر الله".

قال العلائي: "تفرد به هكذا هشام بن سعد - وهو متكلم فيه سيِّئ الحفظ، وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم، فإنه عندهم عنه عن حميد ابن عبدالرحمن، عن أبي هريرة لا عن أبي سلمة وليست عندهم هذه الزيادة".

قلت: وذكر أبو عوانة (2) في صحيحه (3) حديث هشام بن سعد هذا وقال: غلط هشام ابن سعد، وأورده ابن عدي (4) في مناكير هشام بن سعد

" (5)

ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيّاً منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر رحمه الله من تضييق معنى المنكر، وحصره في مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه (6) - وذلك فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في

(1) أصل حديث أبي هريرة من طريق حميد بن عبدالرحمن مخرّج في الصحيحين، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، 3/ 32 ح (1936)، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، 2/ 782 ح (1111).

(2)

يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو عوانة، الحافظ النّيسابوري ثمّ الإسفرايينّي صاحب (المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم) مات سنة: 316 هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، 74/ 145 (10121)، الذهبي، تاريخ الإسلام، 7/ 315.

(3)

أبو عوانة، المسند، 2/ 204 (2857).

(4)

ابن عدي، الضعفاء، 8/ 411 (2025).

(5)

ابن حجر، النكت، 2/ 678 - 679.

(6)

قال الدكتور نور الدين عتر: "اختلفت عبارات علماء المصطلح في تعريف المنكر عتر، منهج النقد، 430.

وقال الدكتور أبو سمحة: "إطلاق المنكر على المخالفة من الضعيف. وهذا ما استقر عليه رأي ابن حجر العسقلاني، واعتمده في (النزهة)

ونجد هنا: أن ابن حجر تفرّد بالسبق إلى هذا التقييد؛ بجعله صورة المنكر مقتصرةً على هذه الصورة دون غيرها مما عُرف من صوره السابقة

" أبو سمحة، المنكر، 57 باختصار، ينظر كذلك: حمام، التفرد، 438.

ص: 355

كتابه النخبة وشرحه النزهة حيث قال- بعد أن عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقاً) لمن هو أولى منه-: "وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له: ) المنكر) "(1)، وذكر أنه المعتمد على رأي الأكثرين وذلك في تنكيته على كتاب ابن الصلاح. (2)

ومثّل له في النزهة بمثال خالف فيه الضعيف غيره من الثقات فقال:

"ومثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبَيِّب بن حُبَيِّب (3) -وهو أخو حمزة ابن

حُبَيِّب الزيات المقرئ (4) - عن أبي إسحاق (5) عن العَيْزار بن حُرَيث (6) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي

صلى الله عليه وسلم قال: ((من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف، دخل الجنة)) (7).

(1) ابن حجر، النزهة، 86.

(2)

ابن حجر، النكت، 2/ 675.

(3)

حُبيّب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، قال الذهبي: وهاه أبو زرعة، وتركه ابن المبارك. وقال ابن معين: لا أعرفه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثقة، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث عن الثقات لا يرويها غيره. ينظر: الذهبي، الميزان، 1/ 457 (1722)، ابن حجر، اللسان، 2/ 174، 782.

(4)

حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم، قال الذهبي: وثقه ابن معين، قال ابن حجر: صدوق زاهد ربما وهم، مات سنة: 156 وقيل: 158 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 351 (1233)، ابن حجر، التقريب، 179 (1518).

(5)

عمرو بن عبدالله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، قال الذهبي: أحد الأعلام، وهو كالزهري في الكثرة، قال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، مات سنة 127 وقيل: 129 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 82 (4185)، ابن حجر، التقريب، 423 (5065).

(6)

العيزار بن حريث العبدى الكوفي، قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة 110 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 108 (4363)، ابن حجر، التقريب، 438 (5283).

(7)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 12/ 136 ح (12692)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء، 3/ 330 (532) في ترجمة حبيب بن أبي حبيب وقال -بعد أن أخرجه مع حديث آخر له-:"وهذان الحديثان الذي ذكرتهما لا يرويهما، عن أبي إسحاق غيره وهما أنكر ما رأيت له من الرواية".

ص: 356

قال أبو حاتم (1): هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف". (2)

وممن قال بالمخالفة في معنى الحديث المنكر:

الإمام مسلم حيث أشار إلى أن من علامة المنكر في حديث الراوي كثرت مخالفته للثقات، أو تفرده بما لا يوافقونه عليه، فقال رحمه الله:"وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها"(3).

ذكر ذلك في مقدمة صحيحه في سياق بيانه لصفات الرواة الذين تجنّب إخراج أحاديثهم في صحيحه ممن اُتهِم بوضع الحديث، ثم أتبعهم بذكر من غلب على حديثه المنكر والغلط، فقال:"وكذلك، من الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم"، ومثّل لهم بقوله: "فمن هذا الضرب من المحدثين:

عبدالله بن محرر" (4)، ويحيى ابن أبي أنيسة (5)، والجراح بن المنهال أبو العطوف (6)، وعباد بن كثير (7)، وحسين ابن عبدالله بن ضميرة (8)،

(1) ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، 5/ 359 ح (2043)، والقول لأبي زرعة كما جاء في كتاب العلل.

(2)

ابن حجر، النزهة، 86

(3)

مسلم، صحيح مسلم، 1/ 7. "المنكر عند الإمام مسلم رحمه الله: راجع إلى المخالفة، وللمخالفة مراتب، ويُحكم على الراوي بقدر مخالفته." السليماني، الجواهر، 364.

(4)

عبد الله بن محرر العامري الجزري، قاضي الجزيرة، قال الذهبي: قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حجر: متروك. مات في خلافة أبي جعفر. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 592 (2944)، ابن حجر، التقريب، 320 (3573).

(5)

يحيى بن أبى أنيسة، أبو زيد الجزري، قال الذهبي: تالف، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة 146 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 316 (6134)، ابن حجر، التقريب، 588 (7508).

(6)

الجراح بن منهال، أبو العطوف الجزري. قال أحمد: كان صاحب غفلة، وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك. مات سنة 167، وقيل: 168 هـ. ينظر: الذهبي، الميزان، 1/ 390 (1453)، ابن حجر، اللسان، 2/ 99 (404).

(7)

عباد بن كثير الثقفي البصري العابد، قال الذهبي: قال البخاري: تركوه، وقال ابن حجر: متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب. مات سنة: 140 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 531 (2572)، ابن حجر، التقريب، 290 (3139).

(8)

الحسين بن عبد الله بن ضميرة الحميرى المدني. قال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ترك الناس حديث الحسين بن ضميرة، وهو عندي متروك الحديث كذاب. سُئل أبو زرعة عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة فقال: ليس بشئ ضعيف الحديث، اضرب على حديثه. ينظر: العقيلي، الضعفاء، 1/ 246 (294)، ابن أبي حاتم، الجرح، 3/ 58، ابن عدي، الضعفاء، 3/ 225 (488).

ص: 357

وعمر بن صهبان (1)، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث" (2). وجميع من ذكر من الرواة الضعفاء والمتروكين.

قال ابن حجر - مُعقِّبا على كلام مسلم -: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -"(3).

ويؤيد ما ذهب إليه ابن حجر من إطلاق وصف الترك على هؤلاء الرواة قول الذهبي: "وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث."(4)

(1) عمر بن صهبان الأسلمي، أبو جعفر المدني، قال الذهبي: قال الدارقطني: متروك، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة 157 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 63 (4075)، ابن حجر، التقريب، 414 (4923).

(2)

مسلم، المرجع السابق، ثم قال:"فلسنا نعرج على حديثهم، ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته".

(3)

ابن حجر، النكت، 2/ 675. قال الدكتور أبو سمحة:"فإن أراد ابن حجر قصر المنكر عند مسلم على هذه الصورة، فواقع المنكر عنده يخالف ذلك، وإن أراد بيان صورة من صوره، فالأمر كما قال." فهو يرى أن دلالة المنكر عند الإمام مسلم أوسع من قصرها على مخالفة الضعيف فقط، فقال: "فالإمام مسلم يُعدّ ممن وسّع دلالة المنكر لتشمل المخالفة والتفرد ممن لا يُحتمل منه ذلك، وهذا بصريح قوله في مقدمته

" ثم قال: "أن ما ذكره في (التمييز) من أخبار منتقدة هي مناكير عنده. وفيها من المخالفات والأفراد المردودة ما يشمل الثقات والضعفاء الذين لا يتحمل منهم ذلك على حد سواء، بما يكشف لنا دلالة المنكر عنده." ينظر: أبو سمحة، المنكر، 42 - 44 باختصار.

(4)

الذهبي، الميزان، 3/ 141. وقال أيضاً: الكثير الخطأ مع القلة - أي: قلة روايته- هو المتروك. ينظر: الذهبي، السير، 9/ 429.

ص: 358

ويُمثّل لمخالفة الضعيف غيره من الثقات: ما ذكره مسلم في كتابه التمييز، حيث أخرج خبراً في إسناده عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم (1)، ووصف هذا الخبر بكونه غير محفوظ الإسناد عن أبي هريرة، (2) ثم قال: "وإن من أسند ذلك عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهواً أو تعمداً.

فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ. ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر ابن

عبدالله بن أبي خثعم وأشباهم من نقلة الأخبار، لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ" (3)، فسمّى مخالفة الضعيف للثقات منكراً.

قال الزركشي: "ومن تأمل كلام الأقدمين من أهل الحديث وجدهم إنما يطلقون النكارة على الحديث الذي يخالف رواية الحفاظ المتقنين"(4) ثم استشهد بكلام مسلم في مقدمة صحيحه في علامة الحديث المنكر.

(1) عمر بن عبدالله بن أبي خثعم اليمامي، قال الذهبي: قال البخاري: ذاهب الحديث، قال ابن حجر: ضعيف. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 64 (4078)، ابن حجر، التقريب، 414 (4928).

(2)

حيث قال مسلم رحمه الله: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن حباب ثنا عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله ما الطهور بالخفين؟ قال: ((للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)). مسلم، التمييز، 208 - 209، ح (88).

(3)

مسلم، التمييز، 209.

(4)

الزركشي، النكت، 2/ 156. وقال أيضاً:"كتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي أصل نافع في معرفة المنكرات من الأحاديث" يقصد به الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي.

قال الكتاني: "وكتابه هذا هو المعروف: بالكامل ذكر فيه كل من تكلم فيه ولو كان من رجال الصحيحين وذكر في ترجمة كل واحد حديثا فأكثر من غرائبه ومناكيره". الكتاني، المستطرفة، 145.

ص: 359

ويتلخّص من عبارة الإمام مسلم- رحمه الله أنه يتجنب ذكر المناكير في صحيحه، ويترك الرواية عمن عُرف بروايتها واشتهر بها، وأن الحديث المنكر ضعيف مردود، ويُستدل عليه بمخالفة الثقات، أو بتفرّد من لا يُحتمل منه هذا التفرّد. (1)

وأشار البقاعي إلى أن هذا التفرّد ينقدح في النفس أن له علة قد لا يُقدر على التعبير عنها، فقال ناقلاً لما ذكره الإمام مسلم - بتصرّف-:"إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لا يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لا يقدر على التعبير عنها"(2). فقد أوضح البقاعي نوع التفردات التي يستنكرها الإمام مسلم، ويُفهم من ذلك - ومما جاء عن مسلم في مقدمة صحيحه- أنه يجمع في إطلاق وصف النكارة بين رواية الضعيف المُخالف للثقات، والمتفرّد تفرداً لا يُحتمل.

نخلص مما سبق:

لقد سبق الإمام مسلم ابن الصلاح في الجمع بين قيدي المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في أن التفرّد غير المحتمل من الراوي يُعدُّ منكراً، بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات، وأطلق ابن الصلاح المخالفة من الراوي (ثقة كان أو غير ثقة) لمن هو أولى منه.

ومن أبرز التعريفات التي جمعت بين المخالفة والتفرّد ضمن قيود المنكر: تعريف ابن حجر الذي نقله عنه بعض تلامذته كالبقاعي والأنصاري، وأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، بينما عدّ مجرد التفرّد من الشديد الضعف منكراً.

(1) ينظر: السلمي، المنكر، 1/ 41، حمام، التفرّد، 422. بتصرف.

(2)

البقاعي، النكت، 1/ 467. نقل كلامه بتصّرف، وهو يدل على ما فهمه من قيام ريبة في حديث المتفرد دعت إلى استنكار حديثه، وليس فقط مجرد التفرّد.

ص: 360