الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:
الضعيف من الضُّعف أو الضَّعف - بضم الضاد وفتحها-: خلاف القوة والصحة، ويُستعمل في ضعف الجسد، وكذلك في ضعف العقل والرأي. (1)
المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً
(حسب الترتيب الزمني):
عند البحث عن حدّ الحديث الضعيف قبل ابن الصلاح نجد أن بعضهم اكتفى بتعريف الصحيح بينما عرّف آخرون الحسن، ولم يضعوا حداّ للضعيف؛ ولعلهم -بتعريف الصحيح والحسن- يشيرون إشارة ضمنية إلى أن ما خلا من هذه القيود فهو حديث مردود.
فقد أشار ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، إلى مصنفات بعض أئمة الحديث ونقاده، وأن منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومنهم من لم يشترط الصحة، وجمعوا الصحيح وما يقاربه، لكنهم لم يتكلموا على الصحيح والضعيف، ثم قال:"وأول من علمناه بيَّن ذلك عيسى الترمذي (ت 279 هـ) رحمه الله وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك"(2)، فقد أكثر الترمذي رحمه الله من إطلاق الحكم - بالصحة أو الحُسن أو الغرابة أو الضعف -على الأحاديث في جامعه، واكتفى ببيان مراده بالحسن في كتابه -كما سبق في الفصل الماضي- وبيان أنواع الغريب عند المحدثين (3)، وكان رحمه الله إماماً
(1) ينظر: الفراهيدي، العين، 1/ 281، الرازي، مختار الصحاح، 184، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، 829، الزبيدي، تاج العروس، 24/ 48.
(2)
ابن رجب، شرح العلل، 1/ 345.
(3)
الترمذي، الجامع، 6/ 251.
من أئمة العلل، استفاد كثيراً مما ذكره في كتاب العلل في آخر جامعه ممن سبقوه من أئمة الحديث ونقاده، وأكثر النقل عن شيخه البخاري (1)، في تعليل الأحاديث، وبيان أوجه ضعفها، وأشار إلى تفاوت الرواة في مراتب التعديل والتجريح، وأسباب ضعف بعضهم، ومن يُحتج به ومن لا يُحتج، ولعل هذا ما دعا ابن رجب -حسب علمه- للقول بأن الترمذي هو أوّل من تكلّم في الصحيح والضعيف، وميّز بينهما في كتابه.
ثم نجد الخطابي (ت 388 هـ) عرّف الصحيح وأتبعه بالحسن ثم قال: "فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول وكتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته". (2) وهو بذلك ذكر أنواعاً من الحديث السقيم -الضعيف- دون أن يذكر حداً له (3).
وكذا الحاكم (ت 405 هـ) في كتابه "معرفة علوم الحديث" ذكر النوع التاسع عشر من علوم الحديث وهو معرفة الصحيح والسقيم،
…
" (4)، وقد استطرد في بيان الصحيح
(1) قال الترمذي: "وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت عبدالله بن عبدالرحمن، وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبدالله وأبي زرعة.
ولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد ابن إسماعيل." الترمذي، المرجع السابق 6/ 229.
(2)
الخطابي، معالم السنن، 1/ 6.
(3)
ولقد ضعّف الخطابي في كتابه معالم السنن أحاديث لأسباب عدة، سبق ذكر أمثلة منها في فصل الحديث الصحيح، فمنها ما ضعفها بسبب انقطاع في السند، ينظر: الخطابي، المرجع السابق 1/ 94، 4/ 7، 3/ 259.
وهناك أحاديث ضعّفها لوهم رواتها واضطرابهم. ينظر: المرجع السابق، 3/ 96، 3/ 154، 4/ 54.
وضعّف أحاديث لما ظهر له من علة فيها، ينظر: المرجع السابق، 3/ 95، 1/ 175.
(4)
الحاكم، معرفة علوم الحديث، 58.
وتعريفه وأمثلته ولم يذكر تعريفاً للسقيم -الضعيف- اكتفاءً بتمييز الصحيح، فبالضدِّ تتميّز الأشياء (1).
أما ابن القطان (ت 628 هـ) فبعد أن عرّف الحسن - في كتابه "بيان الوهم والإيهام"، وجعله في منزلة متوسطة بين الصحيح والضعيف (2) - لم يذكر حداّ للضعيف بل ذكر أمثلة عليه فقال: "الضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب
…
هو، ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولا البتة عينه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال
…
" (3) ثم أشار إلى أنه اجتهد حسب ما غلب على ظنه في تمييز الضعيف عن الصحيح والحسن فقال: "ولست أدعي - فيما أنبه عليه في جميع هذا الباب، وأزعم أنه ليس بصحيح أو حسن،
…
أني مصيب فيما ذهبت إليه من ذلك، ولكنه مبلغ علمي، بعد بحث يغلب لأجله الظن." (4)، وهو بتعريفه للحسن ميَّز بينه وبين الضعيف، وجعل الضعيف أدنى منزلة منه.
(1) نجد أنه في كتابه المدخل إلى الإكليل، والذي ألّفه سابقاً على كتابه المعرفة، ذكر أقسام الصحيح وجعلها على عشرة أقسام، خمسة متفق عليه، وخمسة مختلف فيها، ثم أتبعها بذكر أنواع الجرح والمجروحين، وجعلهم على عشر طبقات. ينظر: الحاكم، المدخل إلى الإكليل، .
(2)
كما سبق في فصل الحديث الحسن، حيث قال:"ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف" ابن القطان، بيان الوهم، 4/ 13.
(3)
ابن القطان، المرجع السابق 4/ 25 - 26 باختصار.
(4)
المرجع السابق، 27.
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
"كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف."(1)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد دارت أغلب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح للحديث الضعيف حول اختصار تعريف ابن الصلاح وإعادة صياغته، أو الاقتصار على بيان مرتبة الضعيف مما سبقه، ومن أبرزها:
تعريف ابن دقيق العيد (ت 702 هـ) حيث عرّف الضعيف بأنه: "ما نقص عن درجة الحسن"(2)، وقد حدد هذا النقصان الذهبي (ت 748 هـ) في تعريفه - في كتاب الموقظة (3) - فقال:"ما نقص عن درجة الحسن قليلاً"(4)، وقريب منه ما نظمه العراقي (ت 806 هـ) في
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 41، وقد ذكر الزركشي الاعتراض الذي وُجّه لهذا التعريف بقوله:"اعترض عليه بأنه لا حاجة إلى ذكر الصحيح لأن ما قصر عن الحسن فهو على الصحيح أقصر" ثم رد على هذا الاعتراض، إلا أن ابن حجر تعقّب رد الزركشي وأيّد الاعتراض على ابن الصلاح فقال:"والحق أن كلام المصنف معترض؛ وذلك أن كلامه يعطي أن الحديث حيث ينعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا، وليس كذلك؛ لأن تمام الضبط مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع، ويسمى الحديث الذي اجتمعت فيه الصفات سواه حسنا لا ضعيفا." إلا أن السيوطي تعقّب اعتراض ابن حجر فقال: "في صدر الكلام نظر؛ لأنه إنما كان يرد عليه ذلك لو اقتصر على قوله لم يجتمع فيه صفات الصحيح، أما وقد ضم إليه قوله (ولا صفات الحسن) فكيف يعطي ذلك؟ ". المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، 1/ 389 - 390، ابن حجر، النكت، 1/ 492، السيوطي، البحر، 3/ 1286.
(2)
ابن دقيق العيد، الاقتراح، 11.
(3)
أشار محقق الكتاب الدكتور عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله إلى أن كتاب الموقظة للذهبي هو اختصار لكتاب الاقتراح لابن دقيق العيد، وإن لم يُشر الذهبي إلى ذلك في كتابه. ينظر: عبدالفتاح أبو غدة "مقدمة الطبعة الأولى" 6، من تحقيقه لكتاب الذهبي، الموقظة، .
(4)
الذهبي، المرجع السابق 33. ثم أوضح ذلك بقوله:"فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في "السنن" وفي كتب الفقهاء" وقد ذكر أمثلة للرواة الضعفاء غير المتروكين ينظر: المرجع السابق، 34.