الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذهبي بذلك، ولكن جاء الوصف بالاختلاق في معرض كلامه عن طرق معرفة الحديث الموضوع، فقال:"فيحكمون بأن هذا مختلق، ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم "(1).
وقد "سلك أئمة الحديث وأعلام السنة لمعرفة الحديث الموضوع طريقتين:
إحداهما نظرية، حيث وضعوا القواعد الدالة على وضع الحديث وأقاموا الأمارات الصادقة على ذلك بما لا يدع مجالا للشك.
ثانيهما: عملية، وذلك ببيانهم لأشخاص الوضاعين وتعريف الناس بهم، وبيان الموضوعات التي وضعوها والأكاذيب التي اختلقوها، وصنفوا تآليف كثيرة لبيان الأحاديث الموضوعة وبذلوا في ذلك غاية جهودهم، وهي الكتب المعروفة اليوم بكتب الموضوعات (2)." (3)
طرق معرفة الموضوع:
قال ابن الصلاح: "وإنما يعرف كون الحديث موضوعاً بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها."(4)
ويمكن تقسيم العلامات التي وضعها علماء الحديث للكشف عن الحديث الموضوع إلى قسمين، قسم يختص بالراوي أي: بالسند، وآخر يتعلق بالمروي، أي: بالمتن.
(1) الذهبي، الموقظة، 37.
(2)
قال السخاوي: "يوجد الموضوع كثيراً في الكتب المصنفة في الضعفاء، وكذا في العلل،
…
" السخاوي، فتح المغيث، 1/ 312.
ومن الكتب التي أفردت الموضوع بالتصنيف: كتاب الموضوعات لابن الجوزي، واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، وكتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت 1250). ينظر: أبو شهبة، الوسيط، 360 - 363.
(3)
إدريس عزوزي، ضوابط معرفة الحديث الموضوع عند المحدثين، 98.
(4)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 99.
أولاً: ما يتعلق بالسند:
1 -
إقرار واضع الحديث بوضعه. (1)
ومثاله: كحديث نوح بن أبي مريم (2) في فضائل القرآن (3).
وحديث أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف راويه بالوضع. (4)
(1) تعقّب ابن دقيق العيد ما ذكره ابن الصلاح، فقال:"وقد ذكر فيه إقرار الراوي بالوضع، وهذا كافٍ في ردِّه، لكنه ليس بقاطعٍ في كونه موضوعا، لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه."، وقد استدرك الذهبي على شيخه فقال في الموقظة:"قلت: هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو افتتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد، لوقعنا في الوسوسة والسفسطة! ".
وأجاب ابن حجر عن استدراك الذهبي فقال في النزهة: "وفهم منه بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفي القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك"
أما العراقي فقد عدّ ما ذكره ابن دقيق العيد بدايةً: استشكالاً، ولم يتعقبه، وكأنه يقرّه، فقال في التقييد:
"وقد استشكل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد الحكم على الحديث بالوضع بإقرار من ادعى أنه وضعه؛ لأن فيه عملا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع".
وقال ابن حجر في النكت: "كلام ابن دقيق العيد ظاهر في أنه لا يستشكل الحكم؛ لأن الأحكام لا يشترط فيها القطعيات ولم يقل أحد أنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الإقرار، إلا أن إقرار الواضع بأنه وضع يقتضي موجب الحكم العمل بقوله، وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع بكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه فقط"، ونقل البقاعي عن شيخه ابن حجر مراجعته لشيخه العراقي في ذلك، فقال في النكت: "قال شيخنا: وقد كان الشيخ عبر في النظم أولا (بالحكم)، فلما قرأنا ذلك عليه غير (الحكم)(بالقطع)، فكأنه غير النظم ولم يغير الشرح.
قلت: وكان ينبغي أيضا تغيير قوله في النظم (استشكل)، فإنه لم يستشكل بل أوضح موضع الحكم، فلو قال بدلها:(استرذلا) لزال المحذور."
وقال الأنصاري: "ففي الحقيقة ليس ذلك استشكالا، بل بيان للمراد والواقع؛ إذ لا يشترط في الحكم القطع، بل يكفي غلبة الظن، والله أعلم."
المراجع: ابن دقيق العيد، الاقتراح، 25، الذهبي، الموقظة، 37، العراقي، التقييد، 131، ابن حجر، النزهة، 109، ابن حجر، النكت، 2/ 840 - 841، البقاعي، النكت، 1/ 578 - 579، ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 256، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 333 - 334، الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 297، الأثيوبي، شرح الألفية، 1/ 288.
(2)
نوح ابن أبي مريم، أبو عصمة المروزي، قاضي مرو، مشهور بكنيته، قال عنه الذهبي: فقيه واسع العلم، تركوه، قال ابن حجر: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع، مات سنة: 173 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 327 (5894)، ابن حجر، التقريب، 567 (7205).
(3)
"قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا! فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة." أخرجه الحاكم في المدخل إلى الإكليل، 54، وابن الجوزي في الموضوعات، 1/ 41.
ومثال آخر ذكره السيوطي في التدريب، فقال:"وقال البخاري في (التاريخ الأوسط): حدثني يحيى الأشكري، عن علي بن جرير، قال: سمعت عمر بن صبح، يقول: أنا وضعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم." البخاري، التاريخ الأوسط (مطبوع خطأ باسم التاريخ الصغير)، 2/ 210، ابن الجوزي، الموضوعات، 3/ 254، السيوطي، التدريب، 1/ 323.
(4)
أخرجه الخطيب في الكفاية، 401، وابن الجوزي في الموضوعات 1/ 241 - 242.
2 -
ما يتنزّل منزلة الإقرار بالوضع، أو بمعنى إقراره (1):
قال ابن حجر في النكت (2): "والأَولى أن يُمثِّل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبدالله الجويباري (3) في سماع الحسن من أبي هريرة رضي الله عنه، فروى لهم حديثا بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:((سمع الحسن من أبي هريرة رضي الله عنه)) (4).
(1) قال العراقي في التقييد: كأن يحدث بحديث عن شيخ، ويسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع; لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عن ذلك الشيخ، ولا يعرف إلا برواية هذا الذي حدث به." العراقي، التقييد، 132.
وتعقبّ ذلك ابن حجر في النكت فقال: "ثم إن شيخنا رضي الله عنه مثل لقول ابن الصلاح: "أو ما يتنزل منزلة إقراره" بما إذا حدث محدث عن شيخ، ثم ذكر أن مولده في تأريخ يعلم تأخره، عن وفاة ذلك الشيخ ولم يتعقبه بما تعقبه به الأول والاحتمال يجري فيه كما يجري في الأول سواء، فيجوز أن يكذب في تاريخ مولده بل يجوز أن يغلط في التأريخ ويكون في نفس الأمر صادقا". ابن حجر، النكت، 2/ 842.
(2)
ابن حجر، المرجع السابق.
(3)
أحمد بن عبدالله بن خالد، أبو علي الجويباري، ويقال الجوباري. قال ابن عدي: كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه، وقال ابن حبان:"دجال من الدجاجلة كذاب يروى عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا". ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/ 142، الذهبي، الميزان، 1/ 106 (421)، ابن حجر، اللسان، 1/ 193 (611).
(4)
روى البيهقي الحديث نقلاً عن شيخه الحاكم، ينظر: الذهبي، الميزان، 1/ 108.
نحو هذا المثال، ما ذكره السخاوي، فقال:"أن عبد العزيز بن الحارث التميمي جد رزق الله بن عبدالوهاب الحنبلي سئل عن فتح مكة، فقال: عنوة، فطولب بالحجة، فقال: ثنا ابن الصواف، ثنا عبدالله ابن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبدالرزاق عن معمر، عن الزهري عن أنس، ((أن الصحابة اختلفوا في فتح مكة; أكان صلحا أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كان عنوة))، هذا مع أنه اعترف أنه صنعه في الحال، ليندفع به الخصم".السخاوي، فتح المغيث، 1/ 108، ينظر: الذهبي، الميزان، 2/ 624 - 625 (5092).
3 -
قرينة حال الراوي: كمن يروي عمن لم يدركه (1)، بأن يُحدِّث بحديث عن شيخ، ويُسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يُعلَم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يُعرف ذلك الحديث إلا عنده (2).
ثانياً: ما يتعلق بالمروي، أي: بالمتن:
- وتتمثل في: قرينة حال المروي (3): مثل الأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، ومعانيها، أو تخالف العقل ولا تقبل تأويلا بحال (4)، "فإن معرفة الوضع من قرينة حال المروي أكبر من قرينة حال الراوي"(5)
ولعل هذا ما دعا الذهبي لتعريف الموضوع بأنه: "ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا"(6)، فهذه إشارة منه إلى ما تمثله القرائن الخاصة بالمروي في الحكم بالوضع.
ونجد ابن حجر كذلك بعد أن عرّف الموضوع بأنه: "الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي" أردفه بقوله: "والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع؛ إذ
(1) ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 257 - 258، وفي المطبوع (كمن لم يرو) بنفي الرواية، ولعله خطأ مطبعي، فالمعنى لا يستقيم مع المثال.
(2)
مثال ذلك: "قال الخطيب هذا مما يستدل به على كذب الراوي كما جاء عن عمر بن موسى قال ثنا شيخكم الصالح وأكثر من ذلك فقيل له من هو قال خالد بن معدان فقيل له: في أي سنة لقيته؟ ، قال: سنة ثمان ومائة في غزاة أرمينية. فقيل له: اتق الله يا شيخ، ولا تكذب. مات خالد سنة أربع ومائة ولم يغز أرمينية قط". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 119.
(3)
قال ابن حجر: هذا الثاني هو الغالب، وأما الأول -أي قرينة حال الراوي- فنادر. ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 843.
(4)
ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/ 235.
(5)
ابن حجر، المرجع السابق.
(6)
الذهبي، الموقظة، 36.
قد يصدق الكذوب، لكن، لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاماً، وذهنه ثاقباً، وفهمه قوياً، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة." (1)
ومن القرائن في المروي، ركاكة ألفاظه ومعانيه، والمراد بالرِّكّة أي: "الضعف عن قوة فصاحته صلى الله عليه وسلم في اللفظ والمعنى معاً، مثل ما يُروى في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. (2)
وكذا في أحدهما، لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرَّح بأنه لفظ الشَّارع، ولم يحصل التصرُّف بالمعنى في نقله؛ لا سيما إن كان لا وجه له في الإعراب." (3)
قال ابن دقيق العيد: "وأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بذلك باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث.
وحاصلُه يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم هبة (4) نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم، وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه. كما سئل بعضهم: كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ فقال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب". (5)
وسُئِل ابن القيم: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظَر في سنده؟
فقال: "هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يَعلمُ ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن
والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه
(1) ابن حجر، النزهة، 107 - 108.
(2)
أي: بعضاً مما يُروى في ذلك، وأخرج ابن الجوزي شيئاً منها في كتابه الموضوعات، ينظر: ابن الجوزي، الموضوعات، 1/ 295 - 301.
(3)
السخاوي، فتح المغيث، 1/ 331، ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 844، السيوطي، التدريب، 1/ 325،
(4)
وفي طبعة دار العلوم أخرى: (هيئة نفسانية)، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، تحقيق: الدوري، 312.
(5)
ابن دقيق العيد، الاقتراح، 25.