الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قيود الحديث المقلوب:
لعل أبرز ما يميّز الحديث المقلوب عن غيره من أنواع علوم الحديث هو: وقوع الإبدال في إسناده أو متنه، فيُبدِل الراوي فيه شيئاً بآخر.
وبيان هذا القيد على النحو الآتي:
قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:
الإبدال، أو التبديل في اللغة:
يقال: بدَّلت الشيء: غيَّرتهُ، وإن لم تأت له ببدل، وأبدلتُه، إذا أتيت ببدله.
وحقيقته: أن التبديل تغيير الصورة إلى صورة أخرى، فتبديل الشيء: تغييره وإن لم تأت ببدل، والإبدال: تنحية الشيء، واستئناف بديل آخر عنه. (1)
وبالنظر في تعريفات المقلوب، نجدها تدور حول هذا المعنى:
فالأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح للمقلوب تتضمن معنى الإبدال، ففي المثال الأول أُبدِل الراوي بآخر (عن سالم، جعل عن نافع)، وهو نفس المثال الذي ذكره ابن حبان في بيان مراده من وصف الرواة بقلب الأخبار والأسانيد.
وكذلك الحال في المثال الثاني، حيث ذكر ابن الصلاح أنهم (عمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر)، وهذا يتضمن معنى التبديل والتغيير.
(1) ينظر مادة (ب د ل): ابن فارس، المجمل، 1/ 119، الرازي، المختار، 30، الزبيدي، تاج العروس، 28/ 64، ابن منظور، اللسان، 11/ 48.
وما ذكره الإمام مسلم في بيان معنى قلب المتون، بقوله:"يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ"، فإنه يتضمن معنى التبديل والتغيير، بحيث أصبح ما يرويه مخالفاً لما رواه الجماعة.
وكذلك ما ذكره ابن حبان من بيان مراده بقلب المتن، في أحد الأحاديث التي وصفها بأنها مقلوبة المتن- في كتابه المجروحين- فقال:"أراد أن يختصر من الحديث شيئا فإذا به قد قلبه وغيّر معناه"(1)، فذكر أن المراد بقلب المتن هو تغيير لمعناه.
وأما ما ذكره الخطابي، فأفاد اقتصار المقلوب على مقلوب الإسناد، دون أن يبيّن المقصود بالقلب، ولعل الحديث الذي وصفه بأنه مقلوب في شرحه لسنن أبي داود-يوضح مراده من القلب في الإسناد، وذلك بما وقع فيه الراوي من الوهم، والمخالفة لغيره من الرواة، وأبدال إسنادٍ بآخر (2).
(1) 1/ 172.
(2)
مثاله ما جاء في معالم السنن للخطابي: "قال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبدالله ابن المبارك عن يونس عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين)).
قال الخطابي: لو صح هذا الحديث لكان القول به واجباً، والمصير إليه لازماً؛ إلاّ أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة عن عائشة فحمله عنه الزهري وأرسله، عَن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبي كثير.
وبيان ذلك: ما رواه أبو داود حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا أيوب بن سليمان، عَن أبي بكر ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال، عَن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عَن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
قال أبو داود: قال أحمد: وإنما الحديث حديث ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوهم فيه سليمان بن أرقم.
قلت: وقالوا إن محمد بن الزبير هو الحنظلي وأبوه مجهول لا يعرف والحديث من طريق الزهري مقلوب، ومن هذا الطريق فيه رجل مجهول فالاحتجاج به ساقط والله أعلم." الخطابي، معالم السنن، 4/ 54 - 55.
وعقّب النسائي بعد أن أخرج الحديث في سننه بقوله: "سليمان بن أرقم متروك الحديث والله أعلم، خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث" .. "
والحديث أخرجه: أبو داود في سننه كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، 3/ 233 ح (3292)، والنسائي في سننه كتاب الأيمان والنذور، باب كفارة النذر، 7/ 27 ح (3839)، وذكر علته الترمذي في العلل الكبير، ينظر: الترمذي، العلل، 250 ح (451).