المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحا - المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

[راوية بنت عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختياره:

- ‌مصطلحات البحث:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌حدود البحث:

- ‌مخطط البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌تمهيد

- ‌نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:

- ‌الفصل الأول: الحديث الصحيح

- ‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ قيود الصحيح عند ابن الصلاح

- ‌القيد الأول: اتصال السند:

- ‌القيد الثاني: العدالة:

- ‌القيد الثالث: الضبط:

- ‌القيد الرابع: السلامة من الشذوذ

- ‌القيد الخامس: السلامة من العلّة

- ‌القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً

- ‌الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد نفي التدليس:

- ‌قيد الشهرة في الطلب:

- ‌قيد اشتراط العدد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثاني: الحديث الحسن

- ‌المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة

- ‌القيد الثاني: قيد الستر للراوي:

- ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

- ‌القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة

- ‌القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:

- ‌من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثالث: الحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌أسباب ضعف الحديث:

- ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

- ‌السبب الخامس: الشذوذ المردود

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الرابع: الحديث الشاذ

- ‌المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الشاذ عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: المخالفة:

- ‌القيد الثاني: التفرد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل الخامس: الحديث المنكر

- ‌المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود المنكر عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: التفرد:

- ‌القيد الثاني: المخالفة:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل السادس: الأفراد

- ‌المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:

- ‌المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل السابع: زيادة الثقة

- ‌المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:

- ‌ القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:

- ‌ القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:

- ‌الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثامن: الحديث المعلل

- ‌المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة

- ‌القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل التاسع: الحديث المضطرب

- ‌المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:

- ‌القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:

- ‌مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:

- ‌مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:

- ‌حكم الحديث المضطرب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل العاشر: الحديث المدرج

- ‌المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المدرج:

- ‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

- ‌القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب

- ‌المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المقلوب:

- ‌قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:

- ‌أقسام الحديث المقلوب:

- ‌أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً

- ‌سبب يخص وقوع القلب في المتن:

- ‌حكم الحديث المقلوب:

- ‌طرق معرفة الحديث المقلوب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثاني عشر: الموضوع

- ‌المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الموضوع عند ابن الصلاح:

- ‌ قيد الاختلاق والصُنْع

- ‌طرق معرفة الموضوع:

- ‌أسباب الوضع في الحديث:

- ‌حكم الموضوع، وروايته:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الخاتمة

- ‌النتائج العامة لهذا البحث:

- ‌النتائج التفصيلية:

- ‌توصيات البحث:

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحا

‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

(1):

الصحيح في اللغة من صحَّ يصِح صحَّة، والصحة: ذهاب السقم ونقيضه وخلافه، وهي البراءة من كل عيب ومرض وريب.

والجمع صِحاح بالكسر، والصَحيح والصَحاح بالفتح بمعنى واحد أي: غير مقطوع. (2)

فالصحيح في اللغة ضدُّ السقم، ويُراد به الخلو من كل عيب. (3)

‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

(حسب الترتيب الزمني):

اعتنى بعض علماء الحديث ونقادّه ببيان مفهوم بعض المصطلحات الحديثية المتداولة بينهم، وذلك إما: بتعريفها ووضع حدّ لها، أو بذكر بعض قيودها وشروطها التي تميّزها عن غيرها، وكان مما وجدته في بيان مفهوم الحديث الصحيح (4) أو شروطه ما يلي:

(1) من النكات اللطيفة في معنى الحديث الصحيح: ما اختاره الجعبري في معنى الصحيح في اللغة بأنه: الصدق، ولعل ما دعاه لاختيار هذا المعنى كون تعريف الخبر في اللغة: هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، وبالنظر في تعريف الصدق في اللغة فإنه: أصل يدل على قوة في الشيء قولا وغيره. وهي إشارة لطيفة منه إلى الصفات التي تحفّ الحديث الصحيح. المراجع: الجعبريّ، رسوم التحديث في علوم الحديث، 54، ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 3/ 339 مادة (ص د ق)، الجرجاني، التعريفات، 96، مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، 1/ 215.

(2)

يُنظر مادة (ص ح ح): الأزهري، تهذيب اللغة، 3/ 260. ابن فارس، المرجع السابق، 3/ 281. الجوهري، الصحاح، 1/ 381. الرازي، مختار الصحاح، 375. ابن منظور، لسان العرب، 2/ 507. الفيروزآبادى، القاموس المحيط، 228.

(3)

وهو حقيقة في الأجسام، مجاز في غيرها. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 27، السيوطي، التدريب، 1/ 61.

(4)

سبق في التمهيد - عند الحديث عن نشأة الإسناد- الإشارة إلى دور الصحابة، ومن جاء بعدهم من السلف الصالح في التثبت عند نقل الأخبار، والتدقيق فيها، والتأكّد من اتصال السند وثقة الرواة وعدالتهم (إذ أهم شروط الصحيح كما سيأتي عند تحرير التعريفات)، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه، باب المسح على الخفين أن عبدالله بن عمر رضي الله عنه سأل أباه رضي الله عنه عن روايةٍ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقال له عمر رضي الله عنه: إذا حدَّثك سعدٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تسأل عنه غيرَه. 1/ 51 ح (202).

وأخرج الحاكم في المستدرك أن عمراً رضي الله عنه سأل عبدالرحمن بن عوف عن حديثٍ، فوجد عنده منه علمًا، فقال له: هَلُمَّ؛ فأنت العدل الرضا.1/ 471 ح (1213)

وأخرج مسلم -في مقدمة صحيحه- قول التابعي الجليل محمد بن سيرين 1/ 14، وأخرج عنه أيضاً قوله: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، 1/ 15، فالتدقيق في نقل الأخبار، والسؤال عن الإسناد إنما لمعرفة حال رواته من العدالة والضبط، وهذا يستلزم أن يكون السند متصلاً غير منقطع، وإلا لم تُعرف عدالة الساقط من السند.

ص: 47

تعريف الشافعي (ت 204 هـ):

قال الشافعي: "إذا حدّث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "(1)

وقد استطرد رحمه الله في ذكر شروط الحديث الصحيح، فقال:

"خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً:

منها أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدّث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظاً إن حدث به من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، برياً من أن يكون مدلسا (2)، يحدث عن من

لقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث الثقات خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم،

(1) ذكره الشافعي في كتابه الأم، ولم ينصّ على كونه تعريفاً للصحيح؛ لكنه يتضمنه، وقد استشهد به ابن جماعة في كتابه المنهل الروي بعد أن عرّف الحديث الصحيح، وكذلك ابن الملقن في كتابه المقنع. المراجع: الشافعي، الأم، 8/ 513، ابن جماعة، المنهل الروي، 33، ابن الملقن، المقنع، 43.

(2)

قال أيضاً رحمه الله في كتابه الرسالة: "وأقبل في الحديث: (حدثني فلان عن فلان)، إذا لم يكن مدلسا" إلى أن قال: "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته

فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه: (حدثني) أو (سمعت)". ا. هـ. والتدليس نوع من أنواع الانقطاع في السند، وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: "يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه". المراجع: الشافعي، الرسالة، 373 - 380، ابن الصلاح، علوم الحديث، 73، وسيأتي الحديث عنه بشيء من التفصيل في قيد نفي التدليس من ضمن القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح للصحيح.

ص: 48

ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت." (1)

تعريف الحميدي (2)(ت 219 هـ):

قال رحمه الله:

" فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متصلاً غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثاً متصلاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جَهِلْتُه وعَرَفَه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت، أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المُحدِّث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقاً مدركاً لمن روى ذلك عنه،

قال: فهذا الظاهر الذي يُعمل به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً

وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نُكلَّف علمه إلا بشيء ظهر لنا ، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه". (3)

(1) المرجع السابق، 370 - 372، قال رحمه الله:"وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره."المرجع السابق 330.

وقد استطردت في ذكر شروط الصحيح عند الشافعي اقتداءً بابن رجب الحنبلي الذي ذكرها في شرحه لعلل الترمذي بعد قوله: " أما الصحيح من الحديث: وهو الحديث المحتجُّ به فقد ذكر الشافعي رحمه الله شروطه بكلام جامع". قال محقق الكتاب الدكتور نورالدين عتر -مُعلِّقاً على ذلك-: "وهذا أقدم تعريف مدوّن يصلنا للحديث الصحيح. ابن رجب، شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، 1/ 345 - 346.

(2)

عبدالله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي، أبو بكر الحميدي، المكي، من شيوخ البخاري، ثقة حافظ فقيه أجلُّ أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 552 (2721)، ابن حجر، التقريب، 303 (3320).

(3)

أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، 24. وقد ذكر محقق كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم -الدكتور أحمد فارس السلّوم- في مقدمة تحقيقه أن للحميدي رسالة صغيرة في من يقبل حديثه ويُردّ، وقد أفادني مشكوراً هو والدكتور سعد الحميّد بأنني سأجد بعضاً من نصوصها في مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وفي الكفاية للخطيب البغدادي. والحميدي من تلاميذ الإمام الشافعي، وفي نفس الوقت =

ص: 49

تعريف مسلم (ت 261 هـ):

وصف الإمام مسلم الأحاديث -التي أودعها في صحيحه- بقوله في مقدمة كتابه الصحيح: "الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم". (1)

تعريف ابن خزيمة (2)(ت 311 هـ):

قال رحمه الله في بداية كتاب الوضوء من كتابه الصحيح: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه صلى الله عليه وسلم من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار، التي نذكرها بمشيئة الله تعالى". (3)

= من شيوخ البخاري حيث قال ابن حجر في فتح الباري: "جزم كل من ترجمه- أي البخاري- بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث"، وقد افتتح كتابه الصحيح بالرواية عنه، حيث ذكر ابن حجر من ضمن تعليله لسبب ذلك:"لكونه أفقه قرشي أخذ عنه"، فلا عجب إذن من اهتمام الحميدي رحمه الله بذكر شروط الحديث الصحيح، ونجد محقق كتابه المسند الأستاذ حسين سليم أسد يذكر من ضمن الأسباب التي دفعته لتحقيق الكتاب:"نظافة هذا المسند الذي بلغت أحاديثه (1330) حديثاً، منها (582) حديثاً اتفق عليه الشيخان، وانفرد البخاري بـ (96) حديثاً منها، بينما انفرد مسلم بـ (152) حديثاً، وإذا علمنا أن هناك عدداً من الآثار ينبغي تحييدها، ثم حسبنا النسبة المئوية لما فيه من الضعيف لوجدناها أقل من 7% وهذه النسبة لا تكون إلا في الكتب التي بلغت غاية في النظافة".ا. هـ. المراجع: ابن حجر، فتح الباري، 1/ 10، 1/ 15، حسين سليم أسد، "آثار الحميدي، من تحقيقه ودراسته لكتاب أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي، مسند الحميدي، 1/ 58، أحمد فارس السلوم، "الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث، 11.

(1)

مسلم، صحيح مسلم، 1/ 5، ولم ينصّ رحمه الله على تعريف الصحيح بل ذكر طريقة انتقائه للمرويات، ومواصفات الراوي والمروي، ولكونه جرّد كتابه للأحاديث الصحيحة؛ فيُعدّ ذلك تضميناً لشروط الصحيح عنده، قال ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم:"شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر"، ولابن حجر تعقيب على ما ذكره ابن الصلاح بخصوص اشتراط مسلم نفي الشذوذ، نقل هذا التعقيب السيوطي في تدريب الراوي، وسيأتي بيان ذلك عند تحرير التعريفات بإذن الله. المراجع: ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، 72، يُنظر: السيوطي، التدريب، 1/ 30.

(2)

محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، كان فقيها مجتهدا، عالما بالحديث. وله مصنفات عديدة تزيد على 140 من أشهرها كتابه الصحيح. ينظر: الذهبي، السير، 11/ 225. الزركلي، الأعلام، 6/ 29.

(3)

ابن خزيمة، الصحيح، 1/ 45، أيضاً نجده رحمه الله لم ينص على تعريف للصحيح، بل وصف لنا بشكل عام صفات مروياته في كتابه.

ص: 50

تعريف ابن حبان (ت 354 هـ):

ذكر رحمه الله في مقدمة صحيحه شروطه في الراوي والمروي فقال: "نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسناداً وأوثَقِها عماداً من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها"(1)، وأضاف في نهاية مقدمته:" وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها."(2)

وقال في شروط رواة صحيحه:

"وأما شرطنا في نَقْلَةِ ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجَّ فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:

الأول: العدالة في الدين بالسَّتر الجميل. والثاني: الصدق في الحديث بالشُّهرة فيه. والثالث: العقل بما يُحدِّثُ من الحديث. والرابع: العلم بما يُحيلُ من معاني ما يروي. والخامس: المُتَعَرِّى خبره عن التدليس.

فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبَنَيْنَا الكتاب على روايته وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به." (3)

وقال في مقدمة كتابه "المجروحين" - مختصراً لما فصّله سابقاً-:

"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد (4) الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني

(1) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 1/ 51 باختصار.

(2)

المرجع السابق، 1/ 126.

(3)

المرجع السابق، 1/ 112.

(4)

إشارة منه إلى حجية خبر الآحاد، ورد على من يشترط التعدد في الصحيح.

ص: 51

الحديث من اللفظ، المتبرّي على (1)(هكذا (التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعاً متصلاً." (2)

تعريف الخطابي (3)(ت 388 هـ):

عرّف الخطابي الصحيح بقوله: "ما اتصل سنده، وعُدِّلت نقَلتُه"(4).

تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ):

ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة (5)، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول إلى وقتنا

(1) هكذا في المطبوع، ولعل الصواب "من" بدلا من "على"، كما جاء في تعريف الشافعي السابق:"بريّاً من أن يكون مدلسا".

(2)

ابن حبان، المجروحين، 1/ 8.

(3)

حمد بن محمد بن إبراهيم ابن الخطاب البستيّ، أبو سليمان. كان إمامًا في الفقه والحديث واللغة. من تصانيفه:(غريب الحديث) و (شرح البخاري). ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 3/ 282. السيوطي، طبقات الحفاظ، 404. الزركلي، الأعلام، 2/ 273.

(4)

الخطابي، معالم السنن، 1/ 6.

(5)

مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي: إلى ثلاث حالات هي:

1 -

من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). 2 - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.

3 -

جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصاً بالجهالة وهو قلّة الرواية.

المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 415، ابن الصلاح، علوم الحديث، 56، ابن حجر، فتح الباري، 10/ 575، ابن حجر، لسان الميزان، 6/ 13، الجديع، تحرير علوم الحديث، 1/ 350. عبدالجواد حمام، جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي، 2/ 911 - 937، 2/ 1137.

ص: 52

هذا كالشهادة على الشهادة." (1)

تعريف الميانشي (ت 581 هـ):

نقل الميانشي تعريف الحاكم للصحيح، فقال:"وصفة الصحيح: أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل العلم بالقَبول، وهو بمنزلة الشهادة، حكاه الحاكم أبو عبدالله". (2)

تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):

قال رحمه الله: "أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه؛ ولا يكون شاذاً ولا معللاً". (3)

(1) الحاكم، علوم الحديث، 62. هذا ما عرّف به الحديث الصحيح في هذا الكتاب بينما نجده قد ذكر في كتابه الآخر (المدخل إلى الإكليل) أن الحديث الصحيح على أقسام عشرة ذكرها بأمثلتها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء تحرير التعريفات ..

(2)

الميانشي، ما لا يسع جهله، 27.

(3)

ثم بعد أن ذكر التعريف ومحترزاته أردف بقوله: "فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل.

ومتى قالوا: هذا (حديث صحيح) فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول". ابن الصلاح، علوم الحديث، 11 - 14، ويشير تعقيبه إلى الاختلاف الحاصل بين العلماء في تصحيح بعض الأحاديث، وأثر التفرّد في الرواية ولو جمعت شروط الصحيح، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل يتضح بإذن الله في تحرير مصطلح الفرد والشاذ، وبيان من يُحتمل تفرّده من الرواة، ومن لا يُحتمل.

ص: 53

تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:

أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من اختصر تعريفه كالنووي (ت 676 هـ)(1)، وابن جماعة (ت 733 هـ)(2)، ومنهم من استدرك وتعقّب كابن دقيق العيد (ت 702 هـ)(3)، وتلميذه الذهبي (ت 748 هـ) حيث أضاف قيد نفي التدليس، فقال في كتابه الموقظة:"فالمجمع على صحته إذاً: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس"(4).

وأطال ابن كثير (ت 774 هـ)، في تعريف الصحيح - جامعاً أغلب ما اُستدرِك على من سبقه- فقال: "حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى

ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذاً، ولا مردوداً، ولا معللاً بعلة قادحة، وقد يكون مشهوراً أو غريباً" (5)

(1) قال رحمه الله: "هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة". وقوله "بالعدول الضابطين" محتملة لأن يكون مراده مجموع رواة الإسناد من أوله إلى آخره، ويحتمل اشتراطه العدد وليس مراداً كما قال السيوطي في "التدريب":"توهم أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين، وليس مرادا"، المراجع: النووي، التقريب، 25، السيوطي، التدريب، 1/ 27.

(2)

قال رحمه الله مختصراً لكلام ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة". ابن جماعة، المنهل الروي، 33. ثم أشار كغيره إلى سبب الاختلاف في الحكم على بعض الأحاديث بالصحة، والسبب في ذلك اختلافهم في وجود هذه الشروط أو انتفائها، وأعقب ذلك بذكر تعريف الشافعي والخطابي للحديث الصحيح.

(3)

ناقش تعريف ابن الصلاح ثم تعقّبه بقوله: "ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعاً مانعاً."ا. هـ، فقد أشار إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، ولعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة، حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال. ابن دقيق العيد، الاقتراح، 5.

(4)

الذهبي، الموقظة، 24. وسلفه- في إضافة نفي التدليس- الشافعي وابن حبان في شروطهما في رواة الصحيح، وحين ناقش تعريف الحديث الحسن أشار إلى التداخل بينه وبين الصحيح.

(5)

ابن كثير، الاختصار، 28. فأشار تعريفه إلى أن الصحة لا تقتصر على المسند المرفوع، بل يشمل الموقوف والمقطوع، وكذلك ليس شرطاً أن يكون الحديث عزيزاً بل قد يكون مشهوراً أو غريباً، ووصف العلة بكونها قادحة، وزاد قيداً بقوله "ولا مردوداً"، ولعله أضافه من باب التأكيد على أن الصحيح من نوع المقبول لا المردود، فإن اُختلف في معنى الشذوذ-كما سيأتي في فصل الحديث الشاذ- فمراده أن الصحيح المتفق عليه يكون من المقبول الذي لم يرد، والله أعلم.

ص: 54