المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القيد الأول: أن يدخل في الخبر ما ليس منه - المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

[راوية بنت عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختياره:

- ‌مصطلحات البحث:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌حدود البحث:

- ‌مخطط البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌تمهيد

- ‌نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:

- ‌الفصل الأول: الحديث الصحيح

- ‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ قيود الصحيح عند ابن الصلاح

- ‌القيد الأول: اتصال السند:

- ‌القيد الثاني: العدالة:

- ‌القيد الثالث: الضبط:

- ‌القيد الرابع: السلامة من الشذوذ

- ‌القيد الخامس: السلامة من العلّة

- ‌القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً

- ‌الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد نفي التدليس:

- ‌قيد الشهرة في الطلب:

- ‌قيد اشتراط العدد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثاني: الحديث الحسن

- ‌المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة

- ‌القيد الثاني: قيد الستر للراوي:

- ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

- ‌القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة

- ‌القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:

- ‌من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثالث: الحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌أسباب ضعف الحديث:

- ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

- ‌السبب الخامس: الشذوذ المردود

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الرابع: الحديث الشاذ

- ‌المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الشاذ عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: المخالفة:

- ‌القيد الثاني: التفرد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل الخامس: الحديث المنكر

- ‌المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود المنكر عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: التفرد:

- ‌القيد الثاني: المخالفة:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل السادس: الأفراد

- ‌المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:

- ‌المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل السابع: زيادة الثقة

- ‌المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:

- ‌ القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:

- ‌ القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:

- ‌الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثامن: الحديث المعلل

- ‌المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة

- ‌القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل التاسع: الحديث المضطرب

- ‌المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:

- ‌القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:

- ‌مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:

- ‌مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:

- ‌حكم الحديث المضطرب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل العاشر: الحديث المدرج

- ‌المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المدرج:

- ‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

- ‌القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب

- ‌المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المقلوب:

- ‌قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:

- ‌أقسام الحديث المقلوب:

- ‌أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً

- ‌سبب يخص وقوع القلب في المتن:

- ‌حكم الحديث المقلوب:

- ‌طرق معرفة الحديث المقلوب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثاني عشر: الموضوع

- ‌المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الموضوع عند ابن الصلاح:

- ‌ قيد الاختلاق والصُنْع

- ‌طرق معرفة الموضوع:

- ‌أسباب الوضع في الحديث:

- ‌حكم الموضوع، وروايته:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الخاتمة

- ‌النتائج العامة لهذا البحث:

- ‌النتائج التفصيلية:

- ‌توصيات البحث:

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌القيد الأول: أن يدخل في الخبر ما ليس منه

‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

.

لقد تضمنت أقسام المدرج التي ذكرها ابن الصلاح تقييد الإدراج بكونه زيادة في الخبر ليست منه، يظهر ذلك في قوله: (ما أُدرِج في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام بعض رواته

كلاما من عند نفسه

) وقوله: (أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر

)، وقوله: (أن يروي الراوي حديثا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده

تدرج روايتهم على الاتفاق)، وقد تبع ابن الصلاح من جاء بعده ممن لخّص كلامه.

وقد سبقه في بيان هذه الأقسام الخطيب البغدادي، والتي تضمّنت عباراته التنصيص على هذا القيد كقوله في أحدها:"ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر".

- وأيضاً جاءت الإشارة لهذا القيد في تعريف الحاكم حيث قال: "معرفة المدرج في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه صلى الله عليه وسلم ". (1)

- وأما ابن الأثير فقد صرّح بذكر هذا القيد؛ للتفريق بين الإدراج وزيادة الثقة، فعرّف الأخيرة بقوله:"هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجعلها من قوله" ثم أتبعها بذكر المراد بالإدراج، فقال في بيانه: "الإضافة إلى الحديث ما ليس

منه

"، فقوله:(ما ليس منه) احتراز من زيادة الثقة (2)، إذ الإدراج وزيادة الثقة يتفقان في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.

(1) الحاكم، علوم الحديث، 39.

(2)

ينظر فصل زيادة الثقة، وهو الفصل السابع من هذا البحث.

ص: 501

- ويظهر أيضاً اشتراط هذا القيد - في الحديث المدرج- في قول ابن دقيق العيد: "وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم،

"، وتبعه الذهبي، وابن كثير كذلك بقوله: "وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي"، وكذلك ابن حجر بقوله: "أن يقع في المتن كلام ليس منه

"، فقد نصّ على كون الزيادة في الإدراج ليست من متن الحديث، وذكر أيضاً بأن مدرج الإسناد ناتج عن مخالفة الراوي بتغيير سياق الإسناد، وهذا التغيير كذلك إدخالٌ في الإسناد ما ليس منه، وللإدراج صور متعددة حسب موقعه في الإسناد أو المتن، وصور ذلك على النحو الآتي:

صور الإدراج في السند:

قسَّم الخطيب الإدراج في الإسناد إلى أربعة أقسام، ووافقه ابن الصلاح على ثلاثة منها، وقسمه الحافظ إلى خمسة أقسام، وملخصها ما يلي (1):

1 -

أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها. (2)

(1) ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، 1/ 100 - 101، ابن الصلاح، علوم الحديث، 95 - 98، ابن حجر، النزهة، 115، ابن حجر، النكت، 2/ 832 - 835 باختصار.

(2)

"مثاله: ما رواه عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قلت: ((يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ ابن الصلاح، علوم الحديث، 98.

والحديث أخرجه أحمد في مسنده 7/ 200 ح (4131)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، 5/ 190 ح (3183)، وقال: "حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

هكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل."، والخطيب في الفصل للوصل، 2/ 819 ح (93).

ص: 502

2 -

أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني. (1)

3 -

أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، (2) فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل، (3) قال ابن حجر:

"وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس"(4).

4 -

أن يكون متنان مختلفي الإسناد، (5) فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي. (6)

(1) مثاله: حديث ابن عيينة وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي آخره:((أنه جاء في الشتاء، فرآهم يرفعون أيديهم من تحت الثياب)).- والحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، 1/ 194 ح (729)، وأحمد في مسنده، 31/ 140 - 141 ح (18847) - والصواب رواية من روى عن عاصم بن كليب بهذا الإسناد صفة الصلاة خاصة، وفصل ذكر رفع الأيدي عنه، فرواه عن عاصم، عن عبدالجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق 97.

(2)

"الفرق بينه وبين النوع الثاني أن الطرف المدرج في النوع الثاني هو عن شيخ مغاير لشيخه في بقية المتن، وهنا فإن شيخه في كليهما واحد." الفحل، اختلاف الأسانيد، 435 (الحاشية).

(3)

"مثال ذلك: حديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد عن أنس رضي الله عنه في قصة العرنيين وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ((لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها ابن حجر، النكت، 2/ 834، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 305.

والحديث أخرجه النسائي في سننه كتاب تحريم الدم، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس ابن مالك فيه، 7/ 96 ح (4030)، وأحمد في مسنده 19/ 97 ح (12042).

(4)

ابن حجر، المرجع السابق. "الفرق بينهما أن في التدليس يكون الإيهام مقصودًا بخلاف الإدراج." السليماني، الجواهر، 346.

(5)

يفترق عن القسم الثاني والثالث: أن القسمين السابقين، الذي تم إدراجه هو طرف المتن فقط، وهو حديث واحد من رواية نفس الراوي بإسنادين مختلفين، وهنا أُدرج فيه متن آخر ليس من رواية الراوي، وهما حديثان مختلفان. ينظر: السليماني، الجواهر، 347.

(6)

مثاله: "رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا. .)) الحديث. فقوله: (لا تنافسوا) أدرجه ابن أبي مريم من متن حديث آخر، رواه مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة فيه: ((لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ابن الصلاح، علوم الحديث، 97.

والحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل، 2/ 739 ح (81)، وابن عبد البر في التمهيد 6/ 116.

"فحديث مالك مختلف الإسناد، رواه سعيد بن أبي مريم عنه مدرجاً بعضه في بعض دون أن يميّز بينها." مليباري، المعلول، 86.

ص: 503

5 -

ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. (1)

هذا فيما يخص صور الإدراج في السند.

أما الإدراج في المتن فقد ذكر ابن حجر أنه على مراتب ثلاث (2) هي:

1 -

أن يقع الإدراج في أول المتن. (3)

2 -

أن يقع الإدراج في وسط المتن. (4)

(1)"وقع لشيخ زاهد ثقة بالكوفة، يقال له ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي، فكان يقرأ عليه حديث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما بصر به ورأى عليه أثر الخشوع، قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. فظن ثابت، أن ما تكلم به شريك من قبل نفسه، هو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد، فرواه عن شريك بعده، وسمع منه الكبار، وسرقه جماعة من الضعفاء، فرووه عن شريك" الخليلي، الإرشاد، 1/ 170 - 171.

(2)

ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 812.

(3)

مثال ما وقع الإدراج في أول المتن: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)). فقوله: (أسبغوا الوضوء)، مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال:((أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: ويل للأعقاب من النار)) كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، 1/ 44 ح (165). ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 241، الأبناسي، الشذا الفياح، 1/ 219، العراقي، التقييد، 1/ 128، ابن حجر، النكت، 2/ 824، السيوطي، التدريب، 1/ 317

(4)

مثال ما وقع الإدراج في وسطه: ما رواه الدارقطني في سننه - كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، 1/ 269 ح (536) - من طريق عبدالحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من مس ذكره، أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ)). قال الدارقطني كذا رواه عبدالحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه ذلك في حديث بسرة قال: والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، وكذلك رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد وغيرهما. ثم رواه من طريق أيوب بلفظ:((من مس ذكره فليتوضأ)). قال وكان عروة يقول: ((إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ)).

وقال الخطيب: عبدالحميد تفرد بذكر الأنثيين والرفغين وليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو قول عروة بن الزبير فأدرجه الراوي في متن الحديث وقد بين ذلك حماد وأيوب.

مع أن عبد الحميد لم ينفرد به فقد رواه الطبراني في الكبير- 24/ 200 ح (510) - من رواية أبي كامل الجحدري ولفظه: ((إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ)). ورواه الدارقطني أيضا - في سننه كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، 1/ 270 ح (539) - من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه ولم يذكر فيه الرفغ.

ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، 1/ 344 ح (22)، الزركشي، المرجع السابق، 2/ 242، الأبناسي، المرجع السابق 1/ 220، العراقي، المرجع السابق 1/ 130، ابن حجر، المرجع السابق 2/ 830، السيوطي، المرجع السابق 1/ 318.

ص: 504

3 -

أن يقع الإدراج في آخر المتن. (1)

ثم قد يكون المدرج من قول الصحابي (2) أو التابعي (3) أو من بعده (4).

(1) قال ابن الصلاح: "ومن أمثلته المشهورة: ما رويناه في التشهد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه التشهد في الصلاة فقال:((قل: التحيات لله فذكر التشهد، .. وفي آخره: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد))، هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحر، فأدرج في الحديث قوله: فإذا قلت هذا إلى آخره، وإنما هذا من كلام ابن مسعود، لا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن الدليل عليه أن الثقة الزاهد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان رواه عن رواية الحسن بن الحر كذلك، واتفق حسين الجعفي وابن عجلان وغيرهما في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكر هذا الكلام في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره، عن ابن مسعود على ذلك، ورواه شبابة عن أبي خيثمة ففصله أيضا." ابن الصلاح، علوم الحديث، 96.

والحديث أخرجه أحمد في مسنده 7/ 108 ح (4006)، والدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه 2/ 165 ح (1333).

ينظر: الأبناسي، المرجع السابق 1/ 216، السيوطي، المرجع السابق 1/ 315.

(2)

مثال: "ما وقع في المتن من كلام الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مدرجا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم: حديث ابن مبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)). رواه البخاري - في صحيحه كتاب العتق، باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، 3/ 149 ح (2548) - عن بشر بن محمد عن ابن المبارك.

فهذا الفضل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذ يمتنع عليه أن يتمنى أن يصير مملوكا - وأيضا فلم يكن له أم يبرها، بل هذا من قول أبي هريرة رضي الله عنه أدرج في المتن.

وقد بينه حيان بن موسى عن ابن المبارك، فساق الحديث إلى قوله "أجران" فقال فيه:"والذي نفس أبي هريرة بيده .. " إلى آخره". ابن حجر، النكت، 2/ 812 - 813.

والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأيمان، باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده، 3/ 1284 ح (1665) مبيّناً الجزء المدرج من كلام أبي هريرة رضي الله عنه

(3)

مثال: "ما وقع من كلام التابعين، فمن بعدهم: حديث عد الأسماء الحسنى فيما رواه الترمذي - في سننه، كتاب الدعوات 5/ 411 ح (3507) - واستغربه من طريق الوليد بن مسلم، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه فإن الحديث الصحيح من طريق شعبة عن أبي الزناد دون ذكر الأسماء." ابن حجر، المرجع السابق، 2/ 820.

(4)

مثال: "ما أدرج من كلام بعض التابعين أو من بعدهم في كلام الصحابة رضي الله عنهم، : حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في قصة مرضه بمكة واستئذان النبي صلى الله عليه وسلم في الوصية، وفيه:

لكن البائس سعد بن خولة - يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مات بمكة فإن قوله: "يرثي له .. " إلى آخره من كلام الزهري أدرج في الخبر إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه." المرجع السابق، 2/ 821.

والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، 2/ 81 ح (1295)، ومسلم في صحيحه كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، 3/ 1250 ح (1628).

ص: 505

- وتتفاوت أمثلة هذه المراتب بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث (1)، بل إنه ذهب إلى أنه لم يجد للتمثيل على الإدراج في أول السند غيرَ مثالين (2)، ووافقه من

(1) ابن حجر، النكت، 2/ 812.

(2)

قال ابن حجر في النكت: "وفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج، ومقدار ما زدت عليه منه، فلم أجد له مثالا آخر إلا ما جاء في بعض طرق حديث بسرة الآتي من رواية محمد بن دينار، عن هشام بن حسان

" المرجع السابق، 2/ 824.

ولعله يقصد ما صح إدراجه عنده، وإلا فإن أمثلة مدرج المتن في كتاب الخطيب والتي عددها 47 حديثاً (كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني) منها سبعة أحاديث من المدرج في أول المتن وأرقامها:(5، 6، 8، 14، 15، 36، 74)، وثامن مختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، ورقمه:(18)، ولم يذكر سوى مثالين من المدرج في وسط المتن (32، 73). ينظر: الخطيب، الفصل للوصل، ط دار الهجرة.

ويُشكل قول ابن حجر بأنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين. ينظر: ابن حجر، فتح الباري، 2/ 196، 3/ 96، 4/ 437.

فلعل مقصود ابن حجر بأنه فتّش ولم يجد سوى مثالين، أي: مما صح عنده، ويعضد هذا قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: "وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مُسلَّمٍ له إدراجه."

وقال الباحث محمد الرعود: "وأرى أن الحق ما قاله الحافظ ابن حجر، إذ أنني بحثت في البخاري وغير البخاري فوجدت الإدراج أول المتن قليلاً جداً ووسطه أكثر

" ثم ذكر مثالين للمدرج في أول المتن:

- الأول: حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه:((لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة))، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، 1/ 125 ح (609).

- الثاني: حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بئس ما لأحدهم أن يقول نَسِيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصِّيا من صدور الرجال من النَّعَمِ)) - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، 6/ 193 ح (5032) - وذكر أن الخطيب قال: "ورفع جميع هذا الحديث عن الأعمش خطأ، وإيقاف جميعه أيضا عنه خطأ

"، وأن الحافظ ابن حجر رجّح رفعه جميعه.

وعقّب الباحث -بعد ذكره للأمثلة- بقوله: "هذا ما استطعت أن أجده من مدرج الحديث في أول النص في صحيح البخاري، ولعل هناك أمثلة في غير البخاري". المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، 1/ 216 ح (15)، الذهبي، الموقظة، 54، ابن حجر، فتح الباري، 9/ 82، محمّد عبدالرزاق الرعود، المدرج في الحديث النبوي الشريف، 162 - 166.

ص: 506

تلامذته فيما ذهب إليه: البقاعي (1)، والسخاوي (2)، وزكريا الأنصاري (3) الذي اعتبر ذلك كافياً لإسقاط القول بأن المدرج في الأول أكثر منه في الأثناء، ولعله يقصد بذلك قرينه السيوطي كما جاء في كتابه التدريب حيث قال:"والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه; لأن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل، فيتوهم أن الكل حديث."(4)

وما ذهب إليه السيوطي قد يُشكل من جهتين:

- الأولى: من جهة معارضته لما ذهب إليه شيخه من كون أمثلة الإدراج في أول المتن نادرة؛ بينما ذهب السيوطي لكونها أكثر من الأمثلة في وسط المتن.

- الثانية: من جهة تعارضه مع ما أورده هو بعد ذلك القول؛ حيث نجده قد ذكر مثالا واحدا للمدرج في أول السند، وثلاثة أمثلة للمدرج في الوسط، وعقّب بكون الأمثلة عليه كثيرة (5).

ويمكن الإجابة على هذا الإشكال على النحو الآتي:

- من جهة معارضته إلى ما ذهب إليه شيخه، فيمكن توجيه ما ذهب إليه السيوطي -من كون أمثلة الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه- بالنظر إلى عدد الأمثلة الواردة في

(1) ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 540 - 541.

(2)

حيث قال: "فهو مثال لما الإدراج في أوله وهو نادر جدا، حتى قال شيخنا: إنه لم يجد غيره إلا ما وقع في بعض طرق حديث بسرة الآتي.". السخاوي، فتح المغيث، 1/ 300

(3)

الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 278.

(4)

السيوطي، التدريب، 1/ 317.

(5)

المرجع السابق، 1/ 319.

ص: 507

كتاب الخطيب؛ حيث نجد أن المجموع الكلي لمدرج المتن سبعة وأربعون حديثاً (1)، يمثّل المدرج في أول المتن سبعة أحاديث، وواحد مختلف بين كون الإدراج في أوله أو آخره، (2) أي بنسبة: 17%، ويقابلها مثالين للمدرج في الوسط، (3) أي بنسبة: 4%.

وكذلك في الجزء الذي لخّصه السيوطي من مدرج المتن من كتاب ابن حجر- والذي هو في الأساس تهذيب وترتيب لكتاب الخطيب (4) - فعدة الأحاديث التي اقتصر عليها السيوطي من تلخيصه لكتاب ابن حجر واحد وأربعون حديثاً، عدد الأحاديث المدرجة في أولها

أربعة أحاديث (5)، أي: بنسبة 10% تقريباً، وعدد مدرج الوسط ثلاثة أحاديث (6)، أي: بنسبة 7% تقريباً، وهذه النسب تؤيّد ما ذهب إليه السيوطي بداية من كون المدرج في أوله أكثر من المدرج في وسطه.

- ومن جهة تعارض ما ذهب إليه السيوطي بداية مع ما أورده هو بعد ذلك:

فإن السيوطي بعد أن ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) قام بإلحاق زياداته على مدرج المتن؛ بحيث أصبح مجموع أحاديث الكتاب سبعين حديثاً، وعدد ما أضافه من مدرج

(1) كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني. ينظر: الخطيب، الفصل للوصل، ط دار الهجرة.

(2)

أرقام الأحاديث السبعة من المدرج في أول المتن هي: (5، 6، 8، 14، 15، 36، 74). والثامن المختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، رقمه:(18). ينظر: المرجع السابق.

(3)

أرقام المثالين من المدرج في وسط المتن هما: (32، 73). ينظر: المرجع السابق.

(4)

كتاب ابن حجر المسمّى تقريب المنهج بترتيب المدرج، قال السيوطي في مقدمة كتابه المدرج إلى المدرج:"هذا جزء لطيف سميته المدرج إلى المدرج لخصته من تقريب المنهج بترتيب المدرج لشيخ الإسلام والحفاظ أبي الفضل ابن حجر إلا أني أقتصرت فيه على مدرج المتن دون مدرج الإسناد" السيوطي، المدرج إلى المدرج، 17.

وكتاب ابن حجر مفقود كما أشار بذلك محققا كتاب الفصل للوصل للخطيب البغدادي. ينظر: 1/ 44 طبعة دار الهجرة تحقيق: محمد الزهراني، 1/ 32 طبعة دار ابن الجوزي تحقيق: الأنيس.

(5)

أرقام هذه الأحاديث: (3، 32، 36، 41). ينظر: السيوطي، المدرج.

(6)

أرقام هذه الأحاديث: (2، 25، 29). ينظر: المرجع السابق.

ص: 508

الوسط تسعة أحاديث - علماً أن سبعة منها استفادها من فتح الباري لابن حجر (1) - ليصبح مجموع الأحاديث المدرجة في الوسط اثنا عشر حديثاً (2) أي بنسبة 17%؛ بينما لم يضف في زياداته أي مثال على المدرج في أوله، فانخفضت نسبته إلى 6% من المجموع الكلي لأحاديث الكتاب البالغ عددها سبعون حديثاً.

ولعل السيوطي ذكر ذلك، أي: قوله: "والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه ;

" (3) قبل أن يؤلّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج)؛ لأنه لم يُشر إليه في التدريب، بل ذكر مُصنَّف الخطيب، وتلخيص ابن حجر له فقط.

- وعلى كل حال فهم متفقون على أن النسبة الغالبة للإدراج في المتون من نصيب المدرج في آخره، (4) ولعل اختلافهم في نسبة الإدراج في أوله ووسطه اختلاف بين نِسَبٍ متقاربة

يحسمه ما ذكره ابن الوزير في كتابه التنقيح، حيث بدأ بذكر المدرج في الآخر ثم الأول ثم الوسط، ثم عقّب بقوله:"وهي متقاربة، وأكثرها وقوعاً الأول"(5)، وأوضح مقصوده الصنعاني بقوله:"وهو الإدراج في آخره."(6)

(1) أرقام هذه الأحاديث في كتاب المدرج إلى المدرج للسيوطي، هي:(43، 44، 46، 49، 50، 52، 56).

(2)

أرقامها: (2، 25، 29، 43، 44، 46، 49، 50، 52، 55، 56، 64).

(3)

السيوطي، التدريب، 1/ 317.

(4)

قال العراقي معللاً اقتصار ابن الصلاح في نوع مدرج المتن على المدرج في آخره بقوله: "واعلم أن ابن الصلاح قيد هذا القسم من المدرج بكونه أدرج عقب الحديث. وقد ذكر الخطيب في المدرج ما أدخل في أول الحديث، أو في وسطه

؛ لأن الغالب في المدرجات ذكرها عقب الحديث." العراقي، شرح التبصرة، 1/ 297.

(5)

ابن الوزير، التنقيح، 168.

(6)

الصنعاني، التوضيح، 2/ 471. ينظر: العوني، شرح الموقظة، 148.

ص: 509

- ولو دققنا لوجدنا أنهم خصّوا بالأكثرية في أمثلة مدرج المتن- بعد المدرج في آخره- المدرج في وسط المتن لتفسير الغريب، حيث قال السخاوي: "ثم قد يكون تفسير الغريب في الخبر، وهو الأكثر; كحديث النهي عن نكاح الشغار (1)،

" (2)، وكذلك جاء قول السيوطي بأكثرية أمثلة مدرج الوسط في المتن بعد أن ذكر عدداً من الأمثلة المدرجة؛

لتفسير غريب الحديث (3)، ويؤيد ذلك قول الجزائري:"وأما المدرج في أثناء الحديث فهو كثير إذا نظر إلى ما أدرج لتفسير الألفاظ الغريبة."(4)

- ولعل تفاوت الأمثلة يتعلّق بمدى اتفاق العلماء ونقاد الحديث على إثبات الإدراج ونفيه، حيث نجد ابن دقيق العيد يقول بتضعيف القول بالإدراج في أول الحديث ووسطه، فقال: "مما يَقوَى فيه أن يكون كلام الراوي أتى بعد انقضاء كلام النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بآخره.

ومما قد يَضعُف فيه: أن يكون مدرجاً في أثناء لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. لا سيما أن كان مقدماً على اللفظ المروي، أو معطوفاً عليه بواو العطف، " (5)

(1) عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار)) والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح، باب الشغار، 7/ 12 ح (5112)، ومسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه 2/ 1034 ح (1415).

"وهو نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر،

وقيل له شغار لارتفاع المهر بينهما." ينظر: ابن الأثير، النهاية، 2/ 482.

(2)

السخاوي، فتح المغيث، 1/ 297.

(3)

ينظر: السيوطي، التدريب، 1/ 318 - 319.

(4)

الجزائري، التوجيه، 1/ 410.

(5)

ابن دقيق العيد، الاقتراح، 23.، ينظر: الأبناسي، الشذا الفياح، 1/ 220.

ص: 510

وقال تلميذه الذهبي: "ويبعد الإدراج في وسط المتن"(1)، "بمعنى: أنه يندر، لا أنه لا يقع" (2)؛ إلا أن ابن حجر يرى أن تضعيف ابن دقيق العيد فيه نظر، وعقّب بقوله: "إنه إذا ثبت بطريقه أن ذلك من كلام بعض الرواة لا مانع من الحكم عليه بالإدراج.

وفي الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب على الظن ذلك، فسواء كان في الأول أو الوسط أو الآخر، فإن سبب ذلك الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمج من غير تفصيل فيقع ذلك." (3)

- ثم إن الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، تتعدد وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج:

1 -

أن يريد الراوي بذلك تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواردة في متن الحديث النبوي (4)، فيحملها عنه بعض الرواة من غير تفصيل لتفسير تلك الألفاظ.

"كحديث الزهري، عن عائشة رضي الله عنها: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء - وهو التعبد- الليالي ذوات العدد

)) (5)،

(1) الذهبي، الموقظة، 54. "هنا يشير إلى قرينة تضعف القول بالإدراج، وهو إذا كانت اللفظة في أثناء المتن، وأُضيف قيداً: ولم تكن من باب الشرح والتفسير. فهذه قرينة تُضعِف القول بالإدراج، ولكنها لا تنفيه أبداً" العوني، شرح الموقظة، 147.

(2)

سليم، شرح الموقظة، 131.

(3)

ابن حجر، النكت، 2/ 828 - 829، ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 540.

(4)

"أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث. وإدراج الزيادة من هذا يُبيَّن عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به. وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة." الجديع، التحرير، 2/ 682.

(5)

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، 1/ 7 ح (3)، وفي كتاب التفسير، باب قوله تعالى:(اقرأ باسم ربك الذي خلق)، 6/ 173 ح (4953).

ص: 511

فقوله: (وهو التعبد) تفسير للتحنث." (1) وهو مدرج من كلام الزهري في الحديث.

2 -

أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي صلى الله عليه وسلم:

"كحديث ابن مسعود في التشهد (2)، فإنه استنبط من الخبر أنه إذا فرغ من التشهد فقد خرج من الصلاة،

". (3)

3 -

أن يقصد الراوي إثبات حكم ما، ويستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيأتي به بلا فصل، فَيُتَوَهَّم أن الكل حديث. (4)

(1) البقاعي، النكت، 1/ 536، ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 817.

(2)

أخرج الإمام أحمد في مسنده قوله: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن الحر، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة، بيدي وحدثني، أن عبدالله بن مسعود، أخذ بيده، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عبدالله، فعلمه التشهد في الصلاة، قال:((قل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - قال زهير: حفظت عنه إن شاء الله - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله))، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. مسند أحمد، 7/ 108 ح (4006).

وأخرجه الدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه-2/ 165 ح (1333) - ثم قال:"ورواه زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، فزاد في آخره كلاما وهو قوله: "إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد". فأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وفصله شبابة، عن زهير، وجعله من كلام عبدالله ابن مسعود، وقوله: أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن ابن ثوبان، رواه عن الحسن بن الحر، كذلك وجعل آخره من قول ابن مسعود، ولاتفاق حسين الجعفي، وابن عجلان، ومحمد ابن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن مسعود على ذلك ، والله أعلم".

(3)

البقاعي، النكت، 1/ 536، وذكر مثالاً آخر، فقال:"وهكذا حديث عروة، عن بسرة بنت صفوان: ((من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ)). فهم عروة من الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، فجعل حكم ما قرب من الذكر كذلك؛ لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه، فقال كل منهما ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر فنقله مدرجا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال، ففصلوا." المرجع السابق، ينظر: السيوطي، التدريب، 1/ 318.

(4)

يكون الكلام المدرج "كلاماً مستقلاً، وربما يكون حديثاً آخر، كأسبغوا الوضوء، والأمر في أولها سهل; إذ الراوي أعرف بمعنى ما روى." السخاوي، فتح المغيث، 1/ 298، ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد، 440.

ص: 512

ومثاله: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)). (1)

4 -

أن يكون الإدراج نتيجة وهم الراوي أو غفلته (2)، مثال ذلك: قصة ثابت بن موسى العابد (3)، في روايته: ((من كثرت صلاته بالليل

حسن وجهه بالنهار)) (4). فقد دخل ثابت ابن موسى على شريك بن عبدالله القاضي وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدخل ثابت عليه، فلما نظر إلى ثابت ذكر ذلك يريد به ثابتاً لزهده وورعه. فظن ثابت أن ذلك سند الحديث فكان يحدث به بهذا الإسناد.

"وهذا ضعف بيِّن وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث"(5)، وعدّ ابن الصلاح هذا المثال من شبه الوضع، واختار الحافظ العراقي، وتبعه تلميذه ابن حجر أن يُعدَّ هذا النوع من أقسام المدرج. (6)

(1) أخرج الخطيب في كتابه الفصل للوصل بإسناده رواية أبي قطن عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار)). 1/ 158 ح (8).

وأخرج البخاري حديث أبي هريرة في صحيحه مبيّناً الإدراج في أول الحديث، فقال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، وكان يمر بنا والناس يتوضئون من المطهرة، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال:((ويل للأعقاب من النار)). كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، 1/ 44 ح (165).

(2)

"أن يكون وهماً من الثقة، وهو أن يدخل حديثاً في حديث، كأن يسوق إسناداً، ثم يدخل عليه متناً مروياً بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث) " الجديع، التحرير، 2/ 680.

(3)

ثابت بن موسى العابد الضرير، أبو إسماعيل الشيباني الكوفي، قال العقيلي:"حديثه باطل ليس له أصل"، قال ابن حبان:"كان يخطئ كثيرا لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد". مات سنة 229 هـ. ينظر: العقيلي، الضعفاء، 1/ 176 (221)، ابن حبان، المجروحين، 1/ 207، الذهبي، الكاشف، 1/ 283 (699).

(4)

أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل، 1/ 422 ح (1333).

(5)

الجديع، التحرير، 2/ 1013.

(6)

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 100، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 316، ابن حجر، النزهة، 115، عتر، منهج النقد، 442، الفحل، اختلاف الأسانيد، 440.

ص: 513