المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القيد الثاني: العدالة: - المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

[راوية بنت عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختياره:

- ‌مصطلحات البحث:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌حدود البحث:

- ‌مخطط البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌تمهيد

- ‌نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:

- ‌الفصل الأول: الحديث الصحيح

- ‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ قيود الصحيح عند ابن الصلاح

- ‌القيد الأول: اتصال السند:

- ‌القيد الثاني: العدالة:

- ‌القيد الثالث: الضبط:

- ‌القيد الرابع: السلامة من الشذوذ

- ‌القيد الخامس: السلامة من العلّة

- ‌القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً

- ‌الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد نفي التدليس:

- ‌قيد الشهرة في الطلب:

- ‌قيد اشتراط العدد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثاني: الحديث الحسن

- ‌المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة

- ‌القيد الثاني: قيد الستر للراوي:

- ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

- ‌القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة

- ‌القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:

- ‌من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثالث: الحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌أسباب ضعف الحديث:

- ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

- ‌السبب الخامس: الشذوذ المردود

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الرابع: الحديث الشاذ

- ‌المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الشاذ عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: المخالفة:

- ‌القيد الثاني: التفرد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل الخامس: الحديث المنكر

- ‌المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود المنكر عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: التفرد:

- ‌القيد الثاني: المخالفة:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل السادس: الأفراد

- ‌المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:

- ‌المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل السابع: زيادة الثقة

- ‌المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:

- ‌ القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:

- ‌ القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:

- ‌الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثامن: الحديث المعلل

- ‌المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة

- ‌القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل التاسع: الحديث المضطرب

- ‌المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:

- ‌القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:

- ‌مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:

- ‌مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:

- ‌حكم الحديث المضطرب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل العاشر: الحديث المدرج

- ‌المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المدرج:

- ‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

- ‌القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب

- ‌المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المقلوب:

- ‌قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:

- ‌أقسام الحديث المقلوب:

- ‌أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً

- ‌سبب يخص وقوع القلب في المتن:

- ‌حكم الحديث المقلوب:

- ‌طرق معرفة الحديث المقلوب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثاني عشر: الموضوع

- ‌المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الموضوع عند ابن الصلاح:

- ‌ قيد الاختلاق والصُنْع

- ‌طرق معرفة الموضوع:

- ‌أسباب الوضع في الحديث:

- ‌حكم الموضوع، وروايته:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الخاتمة

- ‌النتائج العامة لهذا البحث:

- ‌النتائج التفصيلية:

- ‌توصيات البحث:

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌القيد الثاني: العدالة:

كتابه كالتعليقات (1) والتراجم (2)، ولا شك أن المنقطع وأن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك شفوف (3)(هكذا (كتاب البخاري" (4).

‌القيد الثاني: العدالة:

العدالة في اللغة:

مصدر من عَدَلَ يَعْدِلُ، فهو عادِلٌ وعَدْل.

(1) المعلّق في الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 24، ابن حجر، النزهة، 98.

(2)

يقصد بها عناوين الأبواب، فالترجمة:"يراد بها في كتب الحديث عنوان على الأحاديث يدل على موضوعها". قال ابن الصلاح: "ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه الذي سماه به

" ابن الصلاح، علوم الحديث، 26، الخيرآبادي، المعجم، 36.

(3)

كذا في المطبوع (طبعة دار المعرفة)، وفي المخطوط " تفوق". شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، هدي الساري لفتح الباري مقدمة شرح البخاري، موقع مخطوطات الأزهر الشريف، 328937، مصورة، اللوح 5، ص 10.

(4)

ابن حجر، هدي الساري، 10، وقد أفرد ابن حجر في مقدمته فصلاً كاملاً للرد على الأحاديث التي اُنتقد على الشيخين إخراجها في الصحيح، وكان مما اُنتقد عليهما إخراج أحاديث أُعلِّت بالانقطاع، وكان جوابه على ذلك:

"وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما:

منها ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني فيما سيحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل الصحيح

وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا أو صرح بالسماع إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع

وربما علل بعض النقاد أحاديث أدعى فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده،

" ابن حجر، المرجع السابق، 347 باختصار، ينظر: السيوطي، التدريب، 1/ 147 - 149.

ص: 64

والعدْل من الناس: المرضيُّ من الناس قوله وحكمه، وقيل: المستوي الطريقة. (1)

وفي الاصطلاح: تتقارب أقوال العلماء في بيان معنى العدالة، وصفات العَدْل، ومن ذلك:

قول الشافعي: "لا أعلم أحداً أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا عليه السلام، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المُعدَّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المُجرَّح."(2)، فأجمل الشافعي القول في العدْل بأنه من غلبت عليه الطاعة، وفصّل ابن الصلاح صفاته فقال:

"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً

وتفصيله أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة (3)." (4)

أمّا ابن حجر فقد عرّف العدل بقوله: "من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة". (5)

(1) يُنظر: الفراهيدي، كتاب العين، 2/ 38. ابن فارس، المقاييس، 4/ 246، الفيروزأبادي، القاموس، 1030.

(2)

الخطيب البغدادي، الكفاية، 79.

(3)

فالمروءة كما ذكر السخاوي في الفتح هي: "رعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء بالسلف، والاقتداء بهم"، وقيل:"آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات"، وخوارم المروءة:"هي كل ما يحطّ من قدر الإنسان في العُرف الاجتماعي الصحيح، مثل التبوُّل في الطريق، وكثرة السخرية، والاستخفاف؛ لأن من فعل ذلك كان قليل المبالاة، لا نأمن أن يستهتر في نقل الحديث النبوي، وأما الأكل، والشرب في السوق- كما عدّهما البعض خلاف المروءة- فهما يُنظر فيهما إلى العُرف، فشرب المشروبات من الشاي، والبارد، وتناول بعض الأشياء في السوق لا يُعدُّ في عرف اليوم مخالفاً للمروءة." المراجع: السخاوي، فتح المغيث، 2/ 7، الجزائري، توجيه النظر، 1/ 97، الغوري، الموسوعة، 3/ 260.

(4)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 104 - 105.

(5)

ابن حجر، نزهة، 69.

ص: 65

قال الحازمي (1): "قد أجمع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، وكل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره عن طهارتهم، وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنّب الفواحش

المسقطة، وتحرّي الحق والتوقّي في اللفظ مما يلثم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر." (2)

وبالنظر إلى تعريفات الحديث الصحيح نجدها قد تضمنت اشتراط العدالة في الرواة كشرط للصحيح إمّا بالنصّ على لفظ العدل أو ما يقوم مقامه من صفات كالثقة (3) والاستقامة، وحرصوا على خلوِّ مروياتهم من الرواة المجروحين في عدالتهم، قال الإمام مسلم في مقدمته: "فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم

" (4)

(1) محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، الحافظ أبو بكر الحازمي الهمداني الشافعي. محدث مؤرخ فقيه، ومن أحفظ الناس للحديث وأسانيده. له:(الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ). مات سنة 584. ينظر: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، 2/ 46. كحالة، المؤلفين، 3/ 742 (16201).

(2)

الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 55.

(3)

استدرك الزركشي وتبعه السيوطي على ابن الصلاح إسهابه في تعريف الصحيح برواية العدل الضابط، فقال الزركشي:"ولو قال بنقل الثقة عن الثقة لاستغنى عما ذكر؛ لأن ذلك معنى الثقة" ونقل السيوطي هذا الاستدراك بقوله: "قيل: كان الأفضل أن يقول بنقل الثقة؛ لأنه من جمع العدالة والضبط، والتعاريف تصان عن الإسهاب". إلا أن للذهبي رأياً آخر معتبراً بخصوص لفظ الثقة حيث قال: "وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يُجرَح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يُسمَّى: (مستوراً)، ويُسمىَّ: (محلهُّ الصدق)، ويقال فيه: (شيخ) ". لذا قد يكون الجمع بين لفظ العدالة وبيان درجة ضبطه وإتقانه في حدّ الصحيح أكثر دقة ووضوح لصفات الراوي، وأبعد عن الإشكال من الاقتصار على لفظ الثقة، والله أعلم. المراجع: الزركشي، النكت، 1/ 100، السيوطي، التدريب، 61، الذهبي، الموقظة، 78.

(4)

مسلم، الصحيح، 1/ 7. يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم

" ابن حجر، هدي الساري، 384.

ص: 66

وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وضعّف أحاديث وأعلّها أو توقّف في صحتها لجرح في رواتها أو في أحدهم. (1)

ولابن حبان تعريف خاص بالعدل عنده، فقد قال في كتابه الثقات:"العدْل من لم يُعرَف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلَم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده، إذ لم يُكلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المُغيّب عنهم."(2)؛ لذا اُنتقد عليه إخراجه لأحاديث رواة مجروحين، إلا أنه برر ذلك بالشروط التي اشترطها في كتابه الثقات حيث أحال عليه، فقال في مقدمة صحيحه:

(1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: نجده يؤكّد على اشتراط عدالة الرواة لصحة الخبر، فقال بعد أن أخرج حديثاً في كتاب الوضوء، باب الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل:"ولم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه." 1/ 21 ح (32).

وأخرج حديثاّ في كتاب الصيام، تحت باب إباحة الفطر في اليوم الذي يخرج المرء فيه مسافرا من بلده ثم أعلّه بقوله:"إن ثبت الخبر! " فقال: "حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، حدثنا عبدالله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب، حدثني يزيد بن أبي حبيب أن كليب بن ذهل الحضرمي حدثه، عن عبيد ابن جبير .... ثم أعقبه بقوله: "لست أعرف كليب بن ذهل، ولا عبيد بن جبير، ولا أقبل دين من لا أعرفه بعدالة" 3/ 265 ح (2040).

وأخرج حديثاّ في كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا، وعقّبه بقوله:"وهذا الإسناد غلط ليس فيه عطاء بن يسار، ولا أبو سعيد وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه لسوء حفظه للأسانيد، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف والموعظة والزهد، ليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الأسانيد" 3/ 233 ح (1972).

للاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه.

(2)

ابن حبان، الثقات، 1/ 13. وقد تعقّب ابن حجر مذهب ابن حبان بقوله في كتابه لسان الميزان:"وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه. وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه فإنه يذكر خلقا ممن ينص عليهم أبو حاتم، وَغيره على أنهم مجهولون، وكأن عند ابن حبان: أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره." ا. هـ.

وقد أشار الدكتور عوامة إلى اختلاف موقف ابن حجر من مذهب ابن حبان في توثيق الرواةويُجمع بين موقفه الأول النظري، وموقفه الثاني التطبيقي، بأن الأول كان أولاً من حيث الزمن، فإن فراغه من تأليف (لسان الميزان) كان سنة 805 هـ، ولنقدِّر تاريخ البدء به قبل سنة واحدة، أما نقوله المتقدمة عن (الأمالي المطلقة) فكانت متأخرة، كان أولها آخر سنة 828 هـ، وآخرها أواخر سنة 830 هـ. والله تعالى أعلم.".

وقال الدكتور عبدالجواد حمام ضمن نتائج بحثه الموسوم بـ (جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي): "منهج ابن حبان الذي اختطّه وأدار عليه كتابه (الثقات) فيه توسّع وتساهل في الظاهر من حيث عدّ الأصل في الرواة العدالة حتى يثبت خلافها، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أحاديث هؤلاء إلا بشروط نصَّ عليها، وكثير من المحدِّثين المحقِّقين يوافقونه في تطبيقاتهم وأحكامهم." المراجع: ابن حجر، لسان الميزان، 1/ 208 - 209، حمام، جهالة الرواة، 2/ 1137، محمد عوّامة، لمحات في بيان مذهب ابن حبان في معرفة الثقات، 49 - 52 باختصار.

ص: 67

"وقد احتججنا في كتابنا هذا بجماعة قد قَدَحَ فيهم بعض أئمتنا، فمن أحب الوقوف على تفصيل أسمائهم؛ فلينظر في الكتاب المختصر من (تاريخ الثقات) يجد فيه الأصول التي بنينا ذلك الكتاب عليها، (1) حتى لا يُعرِّجَ على قدح قادح في محدِّث على الإطلاق من غير

كشفٍ عن حقيقته." (2)

(1) "فكل من أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره؛ إذا تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال:

- إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره،

- أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته.

- أو الخبر يكون مرسلا لا يلزمنا به الحجة.

- أو يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة.

- أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره

" ابن حبان، الثقات، 1/ 11 - 12.

(2)

صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات على صحيح ابن حبان، 1/ 126. من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في التشهّد في الصلاة، أعقبه بقول الحسن بن الحر:"وزادني فيه محمد بن أبان بهذا الإسناد قال: فإذا قلت هذا، فإن شئت فقم." وعقّب ابن حبان بقوله: "محمد بن أبان ضعيف قد تبرأنا من عهدته في كتاب (المجروحين)." ينظر: صحيح ابن حبان، 3/ 396 ح (1960).

- وقد عنون لحديث بقوله: ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول، ذكر تحته حديث لجابر بن سمرة رضي الله عنه في الترخيص في الصلاة في مَبَات الغنم

وأعقبه بقوله: "أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور؛ فجعفر بن أبي ثور، هو: أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، روى عنه: عثمان بن عبد الله بن موهب، وأشعث بن أبي الشعثاء، وسماك ابن حرب؛ فمن لم يُحكِم صناعة الحديث توهم أنهما رجلان مجهولان فتفهموا- رحمكم الله- كيلا تغالطوا فيه." المرجع السابق، 2/ 391 - 392 ح (1123).

ونبّه إلى الخلط أو الوهم بين الرواة خاصة إذا كان أحدهم ثقة أو صدوق والآخر ضعيف، وكان سبب الخلط اشتهارهم بالكنية، وروايتهم عن الشيخ نفسه، فقال بعد أن أخرج حديثاً لابن عباس رضي الله عنه في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها

"أبو حريز؛ اسمه: عبدالله بن الحسين قاضي سجستان.

وأبو حريز -مولى الزهري- ضعيف واهٍ؛ اسمه: سليم، وجميعاً يرويان عن الزهري." المرجع السابق، 6/ 221 - 222 ح (4104). وقال في كتابه الثقات: "أبو حريز اسمه عبدالله بن الحسين، أصله من البصرة، كان قاضيا بسجستان، يروي عن: الشعبي وعكرمة. روى عنه: الفضيل بن ميسرة، وليس هذا بأبي حريز مولى الزهري ذاك واه وهذا صدوق." ابن حبان، الثقات، 7/ 24 - 25.

ص: 68

وصرّح الخطابي باشتراط العدالة في رواة الصحيح، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لاختلال شرط العدالة في بعض رواتها. (1)

وقد نصّ ابن الملقن على شرط العدالة في كتابه المقنع، أما في التذكرة فقد كان تعريفه عاماً باشتراط السلامة من الطعن في الإسناد والمتن، ولا شك أن العدالة تدخل ضمناً في تعريفه؛ إذ هي "الركن الأكبر في الرواية"(2)، وسبق في كلام الحازمي ذِكر الإجماع على اشتراط العدالة في الراوي؛ ليُقبل خبره.

نخلص مما سبق:

أن اشتراط العدالة أو ما يقوم مقامها في حدّ الصحيح من الشروط المتفق عليها عند أهل العلم. (3)

(1) من أمثلة ذلك للخطابي في معالم السنن:

- قوله عقب حديث: ((إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم .. )) - سنن أبي داود كتاب الصلاة 1/ 167 ح (617) - "هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته" 1/ 175.

- وقال أيضاً عقب حديث آخر: "قد جاء في هذا الحديث إيجاب القضاء إلاّ أن الحديث إسناده ضعيف وزميل مجهول." 2/ 135.

وقال بعد حديث: ((الجار أحق بشفعة جاره

)) -سنن أبي داود كتاب الإجارة، باب في الشفعة 3/ 286 ح (3518) - قال الشيخ "عبد الملك بن أبي سليمان لين الحديث، وقد تكلم الناس في هذا الحديث." 3/ 155.

(2)

نص على ذلك الزركشي في كتابه النكت على ابن الصلاح. الزركشي، النكت، 1/ 98.

(3)

ومن المسائل التي تتعلق بالعدالة: - مسألة تفاوت العدالة، .

- مسألة تقسيم العدالة إلى ظاهرة وباطنة: وقد ناقش هذه المسألة الدكتور عبدالجواد حمام، فأوضح أن العدالة في أصلها لا تتجزأ، فالراوي إما صادق أو كاذب، لكن علمنا بعدالته وحاله هو الذي يتجزَّأ، فأحدهم لا نعرف عن حاله شيئاً، والآخر نعرف استقامة ظاهره، وهناك آخر ممن زكّاه من اختبر حاله وعرف حقيقته، فمرجع التجزّؤ ليس إلى أصل العدالة وماهيتها، وإنما إلى نسبية المعرفة بالشخص، واختبار حاله. وضابط التفرقة بين العدالة الظاهرة والباطنة، أن العدالة الظاهرة: هي الإسلام، والعلم بعدم المُفسِّق. والعدالة الباطنة: هي ما أخبر به المزكّون والمُعدِّلون من تحقق صفات القبول في الراوي.

المراجع: ينظر: الجزائري، توجيه النظر، 1/ 101، الحسنيّ، معرفة مدار الإسناد وبيان مكانته في علم العلل، 2/ 97 - 109 باختصار، حمام، جهالة الرواة، 1/ 148 - 149.

ص: 69