الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف
.
- معنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء (1).
- المتأمل لتعريفات المدرج في الاصطلاح:
يجد أغلبها اقتصر على تعريف مدرج المتن، وإن لم يُصرَّح بذلك، كتعريف الحاكم وتبعه ابن الأثير، وابن دقيق العيد، والذهبي، وابن كثير، وابن الملقن؛ بينما ذهب قسم منهم إلى
بيان أقسام المدرج وأنواعه كابن الخطيب، ومن سلك مسلكه، كابن الصلاح، ومن جاء بعده ممن اختصر تعريفه كالنووي، وابن جماعة، ثم جاء ابن حجر وأفرد تعريف كُلٍّ من مدرج المتن والإسناد على حدة.
- ولعل اقتصار أغلبهم على تعريف مدرج المتن؛ يبرز أهمية معرفة الإدراج في تمييزه لكلام النبوة من كلام الرواة، فهذا النوع من علوم الحديث شاهد على حرص المحدثين ونقّاد الحديث على تمحيص الروايات وتمييزها، وتخليص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس منه.
- تضمنت أغلب تعريفات المدرج على قيدين أساسين هما:
1 -
أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه.
2 -
ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه.
- ويقع الإدراج في السند وفي المتن، ولكل منهما صور متعددة، فمن صور إدراج السند:
1 -
أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها.
(1) "العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: وجدنا أن معنى الفعل الثلاثي المجرد (درج) يدور على أمرين:
1 -
طوي الشيء،
2 -
إدخال الشيء في الشيء. وكأن المُدرِج طوى البيان، فلم يوضح تفصيل الأمر في الحديث. أو كأنه أدخل الحديث في الحديث، فالاستعمال الاصطلاحي باق على الوضع اللغوي الأول، ولم يخرج إلى المجاز." الفحل، اختلاف الأسانيد، 415.
2 -
أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني.
3 -
أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل.
4 -
أن يكون متنان مختلفي الإسناد، فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي.
5 -
ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد.
- ذلك فيما يخص صور الإدراج في السند، أما الإدراج في المتن:
فإما أن يكون المُدرَج من قول الصحابي، أو التابعي، أو من بعده، ويقع الإدراج في أول المتن، أو وسطه، أو آخره.
- وتتفاوت أمثلته بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث.
وذكر ابن حجر أنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين من المدرج في أول المتن، رغم أن المذكور في الكتاب أكثر من ذلك، ولعل ابن حجر يقصد ما صحّ عنده، ويعضده قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: "وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مسلم له إدراجه."(1)
(1) الذهبي، الموقظة، 54.
وذهب السيوطي بداية إلى أن وقوع الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه، ثم عاد وذكر أن أمثلة الإدراج في الوسط - خاصة المفسِّرة للغريب- كثيرة، ويمكن توجيه ذلك:
بأن نسبة الأحاديث التي وقع الإدراج في أولها في كتاب الخطيب أكثر من المدرجة في وسطها، فلعل ما ذهب إليه لهذا السبب، ثم لما ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) أضاف لمدرج المتن زيادات ضمّت عدداً من مدرج الوسط، بحيث أصبح نسبته 17%، مقابل 6% لمدرج الأول أي تضاعفت نسبة مدرج الوسط إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف نسبة مدرج الأول.
وعلى كل حال تظل النسبة الغالبة للإدراج في المتن هي للمدرج في آخره، وهم متفقون على ذلك.
- وتتعدد الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج:
أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن يقصد إثبات حكم ما، أو تفسير بعض الألفاظ الغريبة (وهي أكثرها وقوعاً في وسط المتن)، أو اختصار الحديث وروايته بالمعنى، أو يقع الراوي في الإدراج لوهمه وغفلته.
- يُعرف وجود الإدراج في المتن من وجوه، تتفاوت من حيث قطعية الحكم على الحديث بالإدراج أو غلبة الظن به، وهي:
أن يستحيل إضافة الكلام المُدرَج إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن يصرِّح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذان الوجهان قطعيان في الحكم على الحديث بالإدراج كما ذهب إليه ابن حجر.
أما الوجه الثالث، وهو أن يأتي الكلام المدرج مفصولا في روايات أخرى منسوبا إلى قائله، فالحكم به على الإدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد.
- يُعرف وجود الإدراج في السند:
بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو بالتنصيص عليه من بعض الأئمة المطلعين، ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق.
- وهذا يؤكد العلاقة بين المدرج والمعلل: (1)
فحين ذكر الحاكم أنواعاً للحديث المعلل -وذلك في معرض المقابلة بينه وبين الشاذ- قال: "فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم"(2)، والإدراج يقع تحت قوله:(دخل حديث في حديث أو وهم فيه)، وعليه: فالمدرج من أنواع الحديث المعلل من عدة نواحي:
- لأنه إدخال في الحديث ما ليس منه.
-ولوقوع الوهم من الراوي في بعض حالاته.
(1) على الرغم من أن الإدراج في الحديث نوع من العلل، إلا أن الإدراج عند البخاري في صحيحه لا يُعدّ علة قادحة، وذلك أن مدرجات الإمام البخاري يمكن القول أنها تندرج تحت الجوانب التالية:
1 -
أن يخرج البخاري الحديث مدرجاً في مكان: ثم يخرجه في مكان آخر من صحيحه مقتصراً على القدر المرفوع فقط، مما يقطع بإحاطة البخاري بهذا الأمر، فلا مطعن عليه إذن، أو يُخرِج - أحياناً - حديثاً مدرجاً في صحيحه ويخرجه في مكان آخر خارج الصحيح موضحاً الإدراج، كما فعل في حديث أبي هريرة: ((للعبد المملوك
…
))، فقد فصَّل البخاري في الرواية خارج الصحيح، وبين المرفوع والمدرج، مما يؤكد علمه القطعي بذلك.
2 -
أن يُخرِج الحديث من الطريق المميز فيها الإدراج، فإذا بيَّن موطن الإدراج فيه، فلا يُعاب عليه - حين ذلك.
3 -
أن يُخرِج الأحاديث المدرجة لوضوح الإدراج فيها، أو مع الإشارة إليه إذا كان خفياً، فغالب الروايات التي وقع فيها إدراج عن البخاري إنما هي لتفسير غريب وبيان لمعنى لفظة أثناء النص، فهو يخرجها دون بيان لموضع الإدراج، وذلك أن الحديث النبوي له سياق خاص، وبصمة معينة، وورود التفسير لكلمة أثناءه أمرٌ واضح أصلاً، فلا مؤاخذة في ذلك للبخاري.
4 -
قد يُترجم البخاري للباب بحديث، ويدرج فيه من كلامه استنباطاً أو تقريراً لمسألة فقهية أو غير ذلك، فيتوهّم بعض الشراح أنه من صلب الحديث، فأي ذنب للبخاري إذا كان غيره قد وهم ونسب إليه ما لم يفعله.
5 -
وربما حكم بعضهم على لفظ ثابت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مدرج من كلام غيره دون دليل. ينظر: الرعود، المدرج، 141 - 143، كافي، منهج البخاري، 332 - 338.
(2)
الحاكم، علوم الحديث، 119.
- ولأن الكشف عن علة الإدراج في الحديث لا تتهيأ بيسر وسهولة، بل هي صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا تُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية.
- أما الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة:
إن الإدراج وزيادة الثقة يتفقان: في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.
قال ابن حجر: " الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل"(1)، فزيادة الثقة لم يقم الدليل على إثبات أنها من قول غير النبي صلى الله عليه وسلم؛ بينما المدرج وقع الدليل على نسبته لغير النبي صلى الله عليه وسلم. (2)
- يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لا يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلاماً للصحابي فما دونه." (3)
ويضاف إلى ذلك أن: "- زيادة الثقة لا تكون إلا من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف.
حكم الإدراج:
(1) ابن حجر، فتح الباري، 4/ 437.
(2)
ينظر: الرعود، المدرج، 150 - 151.
(3)
مصاروة، زيادة الثقة، 55.
الإدراج علة يعل بها الحديث، سواء وقعت في المتن أو الإسناد، لذا فتعمد الإدراج حرام، قال ابن الصلاح:"واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور"(1)؛ لما يتضمن ذلك من عزو الشيء لغير قائله.
وأسوأ أنواع الإدراج: ما كان في المتن المرفوع مما لا دخل له في تفسير الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط. (2) قال السيوطي: "وعندي أن ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع، ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة. (3)
والخلاصة: أن من أدخل ذلك قاصدًا أن يُلبِّس على الناس دينهم؛ فهو مجروح ساقط العدالة، وأما من قصد الاستنباط، أو الاستدلال، أو التفسير، ونحو ذلك؛ فهو مأجور بقصده، وكان الأولى به أن يفصل كلامه من كلام غيره، والله أعلم. (4)
وبهذه الخلاصة نختم فصل الحديث المدرج، لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وتحرير مصطلح الحديث المقلوب.
(1) ابن الصلاح: علوم الحديث، 98، تعقّبه الزركشي بقوله: " فيه أمران:
أحدهما: لم يبين حكم فاعل ذلك، وقد سبق في التدليس أن الماوردي والروياني وابن السمعاني في القواطع قالوا:(إن فاعله مجروح ساقط العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وكان ملحقا بالكذابين).
الثاني: لم يتكلم على تفاوت هذه المراتب، وأقواها في المنع الأول لخلطه المرفوع بالموقوف، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وأخفها الأخير لرجوع الخلاف إلى الإسناد خاصة، لا سيما إذا كان الكل ثقات." الزركشي، النكت، 2/ 251.
(2)
ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 308.
(3)
السيوطي، التدريب، 1/ 322. "والذي أراه أن لا بأس بهذا الاستثناء لا سيما إذا أتي بفصل يبين المدرج، والله أعلم." الفحل، اختلاف الأسانيد، 446 - 447.
(4)
ينظر: السليماني، الجواهر، 348 بتصرّف يسير.