الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونفى عنه الشذوذ والعلة، وهناك من زاد شروطاً أخرى: كاشتراط الشهرة في الرواة، واشتراط تعددهم، ونفي التدليس في روايتهم، وسيأتي إيضاح لكل قيد من هذه القيود، وبيان اتفاقهم على اشتراطها أو اختلافهم في ذلك.
وأبدأ أولاً ب
قيود الصحيح عند ابن الصلاح
، مؤخرةً اشتراط كونه مسنداً رغم تقدّمه في التعريف لتعلّق إيضاح المراد به بوضوح المراد في القيود الأخرى، ثم ألحقت بها القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح.
قيود الصحيح عند ابن الصلاح:
القيد الأول: اتصال السند:
الاتصال في اللغة: من الوصل، واتصل الشيء بالشيء: لم ينقطع (1)، فالاتصال ضد الانقطاع.
وفي الاصطلاح: قال ابن الصلاح تحت النوع الخامس من أنواع علوم الحديث: معرفة المتّصل، "ويقال فيه أيضا: الموصول، ومطلقه يقع على المرفوع (2) والموقوف (3). وهو
الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي إلى منتهاه". (4)
(1) ينظر مادة (وص ل): الفيروز آبادي، القاموس، 1068، الزبيدي، تاج العروس، 31/ 79.
(2)
"المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة." ابن الصلاح، علوم الحديث، 45، ينظر: النووي، التقريب، 32، الذهبي، الموقظة، 41، ابن حجر، النزهة، 131.
(3)
الموقوف: "ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، 46. ينظر: النووي، التقريب، 33، الذهبي، الموقظة، 41، ابن حجر، النزهة، 139.
(4)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 44.
وقال ابن حجر: "المتّصل: ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه."(1)
والسَّند في اللغة: "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا"(2)، و"السَّنَدُ: ما ارتفع من الارض
…
، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مُسنَد" (3).
وفي الاصطلاح: ذكر نقلة الخَبر، أو الطريق الموصلة إلى المتن، وهو رجاله الذين رووه (4).
فمعنى اتصال السند: أن يكون كل راوٍ من الرواة قد تحمّل الحديث عن شيخه بوجه من وجوه التحمّل (5) الصحيح،
ويخرج بهذا القيد ما في سنده نوع انقطاع (6).
واشتراطهم الاتصال في الحديث الصحيح؛ للجهالة بحال الساقط من السند من حيث توفّر شرط الصحيح فيه أو اختلال ذلك، وبتأمل ما ذكره من سبق ابن الصلاح في بيان حد الصحيح، أو شروطه نجد شبه اتفاق على هذا القيد، وإن لم ينصّ بعضهم عليه.
(1) ابن حجر، نزهة النظر، 70.
(2)
ابن فارس، المقاييس، 3/ 105.
(3)
الفراهيدي، كتاب العين، 7/ 228.
(4)
ينظر: الجعبري، الرسوم، 134، ابن حجر، النزهة، 130، الدهلوي، أصول الحديث، 40.
(5)
تحمّل الحديث: هو تلقِّي الحديث وأخذه عن الشيوخ، ونقله عنهم بأيّ طريقة من طُرق التحمّل المعتبرة عند علماء الحديث. يُنظر: أبو شُهبة، الوسيط، 94، الغوري، موسوعة علوم الحديث، 1/ 433.
(6)
كالمرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلّق،
…
هذا عند الإطلاق ; كما يشير إليه قول ابن الصلاح.
(فمطلق المتصل) - يقع على المرفوع والموقوف، أما مع التقييد فهو جائز، بل واقع أيضا في كلامهم، يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك، ونحو ذلك. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 136.
فلقد نصّ الشافعي على شرط الاتصال صراحةً بقوله: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهي به إليه دونه"، (1) وكذلك الحميدي نصّ على الاتصال بقوله:"متصلاً غير مقطوع (2) "، بل نجده يتحرّى ذلك في مسنده. (3)
أما مسلم فلم ينصّ على شرط الاتصال صراحة لكن كلامه في مقدمة صحيحه يتضمنه حين صحح الحديث المعنعن (4) وحمله على السماع بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله
(1) ونجده يُشدد في قبول الحديث المرسل -والذي هو نوع من انقطاع السند- ويضع لذلك شروطاً لكل من الراوي المُرسِل وللرواية المرسلة وذلك في كتابه الرسالة، ينظر: الشافعي، الرسالة، 461 - 464، وتتكرر عباراته وتتنوع -في تقديم الرواية المتصلة على المنقطعة، وعدم احتجاجه بالمنقطع إلا بشروط- في مناقشته للمسائل والأحكام في كتابه الأم، وكذلك إثباته سماع الراوي ممن هو فوقه في الإسناد، أو عدم سماعه. ينظر: الشافعي، الأم، 2/ 123، 4/ 183، 5/ 408، 7/ 322، 9/ 199.
(2)
أخرج الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية عن الحميدي قوله: "فإن قال قائل: "فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر
…
" ويتضح من كلام الحميدي أنه يريد بالمقطوع المنقطع. قال ابن الصلاح: "المقطوع: ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم أو أفعالهم،
…
وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعي، وأبي القاسم الطبراني وغيرهما، والله أعلم". وقد ذكر ذلك السيوطي في كتابه تدريب الراوي حيث قال:"المقطوع، وجمعه المقاطع، والمقاطيع، وهو الموقوف على التابعي قولا له، أو فعلا، واستعمله الشافعي، ثم الطبراني في المنقطع الذي لم يتصل إسناده، وكذا في كلام أبي بكر الحميدي، والدارقطني. إلا أن الشافعي استعمل ذلك قبل استقرار الاصطلاح" والذي استقرّ عليه المتأخرون أن المنقطع غير المقطوع. المراجع ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 390، ابن الصلاح، علوم الحديث، 47، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 140، السيوطي، التدريب، 1/ 101.
(3)
فمن أمثلة تحرّيه اتصال السند ما أخرجه في مسنده من طريق شيخه سفيان بن عيينة، وأشار إلى أنه بداية لم يصرّح بسماعه من الزهري، فأوقف الرواية عليه، ثم صرّح بالسماع فرواها عنه مسندة، فقال:"ثنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن عروة، عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» قال أبو بكر: وهذا مما لم يكن يحدث به سفيان قديما عن الزهري فوقفناه عليه، فقال: قد سمعته من الزهري." الحميدي، المسند، 1/ 262 ح (213). وصرّح في حديث آخر بأن شيخه سفيان لم يسمعه من الزهري فقال: "ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم
…
قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان من الزهري." المرجع السابق، 1/ 281 ح (247).
(4)
تطرّق ابن حجر- في مقدمة كتابه فتح الباري- إلى ما يتعلّق بخصوص شرط الاتصال عند مسلم في صحيحه، والفرق بينه وبين شرط البخاري فيه، فقال: "ما يتعلق بالاتصال
…
وذلك أن مسلما كان مذهبه
…
أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المُعنعِن مُدلِّسا، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة
…
، وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وإن سلَّمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال، والله أعلم".
وقال أيضاً في كتابه النكت: "وأما أول من صنف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث.
وقد اختلفت مذاهب العلماء في الحديث المعنعن، وممن حقق المسألة وأطال فيها ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، وإنما أشرت إلى مسألة الحديث المعنعن عند مسلم لبيان شرطه للاتصال في صحيحه. المراجع: ابن حجر، هدي الساري، 12، ابن حجر، النكت، 1/ 279، ابن الصلاح، علوم الحديث، 61. الحاكم، علوم الحديث، 34. ابن رجب، علل الترمذي، 2/ 595 - 599.
حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة. والحجة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا." (1)
ويرى رحمه الله أن التفتيش عن موضع السماع في الأسانيد يكون لمن عُرف عنه التدليس، حيث قال:"وإنما كان تفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس."(2)، وكلامه رحمه الله يُدلِّل على حرص الأئمة على التأكد من سلامة الإسناد من السقط والانقطاع، ويدلل على ذلك أيضاً صنيعه في كتابه التمييز، حيث أعلّ أحاديث لانقطاع في سندها (3).
(1) مسلم، صحيح مسلم، 1/ 29.
(2)
مسلم، صحيح مسلم، 1/ 33. ذكر ابن حجر حين قسّم المدلسين إلى طبقات ومراتب أن منهم:"من احتمل الائمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لا يدلس الا عن ثقة كابن عيينة". ابن حجر، طبقات المدلسين، 13.
(3)
من أمثلة ذلك: ما ذكره من سبب إعلاله لحديث ابن لهيعة، وهو أنه أخد الحديث من كتاب دون سماع ولا عرض على المحدث، فقال:"الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب، وذكرنا عن عبد الله بن سعيد عن أبي النضر. وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية، أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه. فإذا كان أحد هذين -السماع أو العرض- فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله." مسلم، كتاب التمييز، 188.
وقد أعلّ كذلك بعض طرق حديث مواقيت الحج المكانية بعدد من العلل، وأعلّ طريق ميمون ابن مهران عن ابن عمر، بعدم سماع ميمون من ابن عمر فقال:"وفي رواية ميمون جعل لأهل المشرق ذات عرق. وسالم، ونافع، وابن دينار، كل واحد منهم أولى بالصحيح عن ابن عمر، من ميمون الذي لم يسمعه من ابن عمر". المرجع السابق، 215. ينظر كذلك: محمد عوّامة، من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه.
وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وعدّ من أسباب إعلاله الحديث وتضعيفه انقطاع سنده وتصريحه بعدم سماع الراوي ممن هو فوقه (1)، بل يستدرك على
نفسه في بعض الأحاديث التي اتضحت له علتها -بانقطاع سندها- بعد إخراجه لها فنبّه عليها. (2)
وكذلك صرّح ابن حبان بضرورة اتصال السند لصحة الحديث، ولم تخْلُ تعقيباته بعد بعض مروياته في صحيحه من الإشارة إلى ذلك (3)، وقد حرص أيضاً على بيان
(1) من أمثلة ذلك في صحيحه: قوله تحت كتاب الإمامة في الصلاة، "باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد، إن ثبت الخبر، فإني لا أعرف السائب مولى أم سلمة بعدالة ولا جرح، ولا أقف على سماع حبيب بن أبي ثابت هذا الخبر من ابن عمر، ولا هل سمع قتادة خبره من مورق، عن أبي الأحوص أم لا؛ بل كأني لا أشك أن قتادة لم يسمع من أبي الأحوص؛ لأنه أدخل في بعض أخبار أبي الأحوص بينه وبين أبي الأحوص مورقا، وهذا الخبر نفسه أدخل همام وسعيد بن بشير بينهما مورقا
…
" ثم ذكر عدداً من الأحاديث (1683 - 1684 - 1685 - 1686 - 1687) ثم أعقبها بقوله: "وإنما قلت: ولا هل سمع قتادة هذا الخبر عن أبي الأحوص لرواية سليمان التيمي هذا الخبر عن قتادة عن أبي الأحوص؛ لأنه أسقط مورقاً من الإسناد، وهمام وسعيد بن بشير أدخلا في الإسناد مورقاً، وإنما شككت أيضا في صحته لأني لا أقف على سماع قتادة هذا الخبر من مورق". ابن خزيمة، الصحيح، 3/ 92 - 93، وذكر تحت كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا
…
عدداً من الأحاديث ثم أعقبها بقوله: " فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: إن هذا صحيح ، فليس من شرطنا في هذا الكتاب، والحسن لم يسمع من ثوبان". المرجع السابق، 3/ 236، ح (1984). للاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه.
(2)
ينظر صحيح ابن خزيمة: قوله: "هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش، عن شقيق لم أكن فهمته في الوقت" 1/ 25 ح (37)، وقوله كذلك:"خبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد غلطنا في إخراجه؛ فإن بين هشام بن عروة، وبين محمد بن عمرو بن عطاء، وهب بن كيسان" 1/ 26 ح (38). وقوله: "غلطنا في إخراج الحديث؛ لأن هذا مرسل ، موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة ، أبوه أبو عثمان التبان، روى عن أبي هريرة أخبارا سمعها منه" 3/ 115 ح (1728).
(3)
من أمثلة ذلك في صحيحه: - أن ابن حبان بعد أن أخرج حديثاً لأبي هريرة رضي الله عنه من رواية سعيد ابن أبي الحسن عنه، أشار إلى سبب إثباته لسماع هذا التابعي من أبي هريرة؛ بقوله:"سعيد بن أبي الحسن سمع أبا هريرة بالمدينة؛ لأنه بها نشأ. والحسن لم يسمع منه؛ لخروجه عنها في يَفَاعته." صحيح ابن حبان، 2/ 297 ح (967).
- وأخرج كذلك حديثاً لثوبان من رواية أبي كبشة السلولي، ولم يخرجه من طريق سالم بن أبي الجعد لانقطاعه، فقال:"وخبر سالم بن أبي الجعد عن ثوبان خبر منقطع فلذلك تنكبناه" المرجع السابق، 2/ 337 ح (1034). والرواية الأخرى من طريق سالم أخرجها الإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، والحاكم في المستدرك. ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، 37/ 60 ح (22378)، مسند الدارمي كتاب الطهارة، باب ما جاء في الطهور، 1/ 519 ح (681)، الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، 1/ 221 ح (448).
مسموعات الراوي من عدمها في كتابيه الثقات (1) والمجروحين (2).
وصرّح الخطابي بهذا الشرط، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (3)
أما الحاكم -وقد تابعه الميانشي (4) - فلم ينصّ عليه في تعريفه للصحيح، لكنه أشار إلى أهمية شرط الاتصال؛ للاحتجاج بالرواية، وذلك حين عرّف المُسنَد (5) في كتابه معرفة
(1) من أمثلة ذلك في كتابه الثقات: ذكر ابن حبان في ترجمة: حرام بن سعد أنه يروى قصة ناقة البراء، ولم يسمع من البراء، وقيل إنه يروي عن أبيه عن البراء. 4/ 185، وفي ترجمة زياد بن مالك قال:"يروي عن ابن مسعود، ولم يسمع منه" 4/ 260، وفي ترجمة: أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: "يروي عن أبيه، ولم يسمع منه" 5/ 561.
(2)
من أمثلة ذلك في كتابه المجروحين: قوله في ترجمة: باذام أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب، يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه. 1/ 185، وفي ترجمة: عبد الله بن زياد ابن سمعان مولى أم سلمة، قال: "يروي عن الزهري ونافع وقد روى عن مجاهد ولم يره روى
…
كان ممن يروي عمن لم يره ويحدث بما لم يسمع" 2/ 7، وقال عن: مطرف بن مازن الكناني: "قاضي اليمن،
…
كان ممن يحدث بما لم يسمع، ويروي ما لم يكتب عمن لم يره، لا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للاعتبار فقط." 3/ 29.
(3)
من أمثلة ذلك: ففي سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب من لم يذكر الوضوء عند الحدث: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن عكرمة، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت «فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي،
…
» 1/ 82 ح (305) قال الخطابي في معالم السنن: "هذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش." 1/ 94.
وأخرج أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا عباد بن العوام، ح وحدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، قال: هارون عن أبي هريرة، أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم: شاة مسمومة،
…
" وفي الحديث الآخر قال: "حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية، من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
…
" 4/ 173 - 174 ح (4509 - 4510)، قال الخطابي: "أما حديث اليهودية فقد اختلفت الرواية فيه وأما حديث أبي سلمة فليس بمتصل. وحديث جابر أيضاً ليس بذاك المتصل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئاً." 4/ 7. ووضّح الخطابي في حديث آخر سبب تضعيفهم له بقوله: "إنما ضعفوا حديث عمرو ابن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة لأنه معروف بالتدليس." 3/ 259.
(4)
فقد نقل تعريف الحاكم، ولم يعقّب عليه.
(5)
ذُكِر للمُسند تعريفات ثلاثة ذكرها ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث:
1 -
وهو الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه.
2 -
ما رُفِع إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، سواءٌ كان متصلاً أو منقطعاً.
3 -
ما جمع بين رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واتصال إسناده. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 42 - 43، وسيأتي مزيد إيضاح للمراد بالمسند في القيد السادس من قيود التعريف.
علوم الحديث، وحدّه بكونه المرفوع الموصول، وأردف بقوله:"ثم مع هذه الشرائط أيضاً لا نحكم لهذا الحديث بالصحة، فإن الصحيح من الحديث له شرط نذكره في موضعه إن شاء الله."(1)
وقد ذكر رحمه الله اختلاف الأئمة في الاحتجاج بغير المتصل، بل عدّ المراسيل (2)، وأخبار الأئمة الثقات من المدلسين من أقسام الصحيح المختلف فيه، وذلك في كتابه المدخل إلى الإكليل (3)، هذا فيما يخص روايات الثقات؛ بينما عدّ ضمن طبقات المجروحين، في الطبقة الخامسة: رواة وصلوا أحاديث مرسلة، والطبقة السابعة: رواة أكثروا السماع من شيوخ ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها عنهم فرووها بالسماع، ولم يميزوا بين ما سمعوا وما لم يسمعوا (4)، وفي تجريح الرواة بما سبق تضمين لاشتراط الاتصال لصحة الإسناد.
(1) الحاكم، علوم الحديث، 17. حيث قال في النوع الرابع من معرفة علوم الحديث: "معرفة المسانيد من الأحاديث وهذا علم كبير من هذا الأنواع لاختلاف أئمة المسلمين في الاحتجاج بغير المسند
(2)
جمع مرسل، والمرسل في الاصطلاح اُختلف في تعريفه، والمشهور: هو ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان التابعي صغيراً أم كبيراً. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 51، ابن حجر، النزهة، 100، السيوطي، التدريب، 1/ 219، عتر، منهج النقد، 370، الغوري، الموسوعة، 3/ 246 - 247.
(3)
الحاكم، المدخل إلى كتاب الإكليل، 37 - 39.
(4)
ينظر: المرجع السابق، 61 - 64.
أمّا من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحت أغلب تعريفاتهم باشتراط الاتصال في السند، بينما تضمّن بعضها ذلك باشتراط السلامة من القدح أو الطعن بشكل عام، فإن كان الانقطاع في السند قادحاً فقد تضمن شرطهم نفيه. (1)
نخلص مما سبق:
أن الأغلب سواء قبل ابن الصلاح أو بعده قد اشترطوا اتصال السند في الحديث الصحيح إما نصاّ أو ضمناً، مع إشارة الحاكم إلى اختلاف بعضهم في تصحيح بعض المراسيل أو روايات الثقات من المدلسين. (2)
فاشتراط اتصال السند في حدّ تعريف الحديث الصحيح إنما هو في الصحيح المتّفق عليه كما أشار أكثر من واحد من علماء هذا الفن، ويوضح ذلك ما ذكره ابن حجر حين المفاضلة بين موطأ مالك، وصحيح البخاري، حيث قال:
"ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحا؛ فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات (3) والبلاغات (4) في أصل موضوع كتابه، والبخاري يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع
(1) كتعريف الجعبري للصحيح، وتعريف ابن الملقّن في التذكرة بينما صرّح في كتابه المقنع باشتراطه، وقد اختصر عبدالحق الدهلوي تعريف ابن حجر للصحيح إلا أنه أغفل ذكر هذا القيد! ، ولعله سقط سهواً. المراجع: ينظر: الجعبري، الرسوم، 54، ابن الملقن، المقنع، 1/ 41، ابن الملقن، التذكرة، 14، الدهلوي، أصول الحديث، 58.
(2)
ويلحق بشرط الاتصال ما اشترطه بعضهم من الشروط الزائدة على حدّ الصحيح عند ابن الصلاح، وهو شرط نفي التدليس، وسيأتي معنا تفصيل ذلك بإذن الله.
(3)
اُختلِف في تعريف المنقطع، حيث يشمل عند المتقدمين لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره. أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، بينما خصّ المتأخرون تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي. المراجع، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57 - 59، ابن حجر، النزهة، 102، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 195 - 197، السيوطي، التدريب، 1/ 235 - 236.
(4)
"البلاغات: الأسانيد التي ورد فيها: (بلغني عن فلان). مثل بلاغات مالك وغيره." الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث، 31.