الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضعيفة" (1)، وصوّب العراقي ما ذكره آخراً، فقال: "وهذا هو الصواب (2)، كما ذكره ابن الصلاح هنا. وأما قوله في قسم الضعيف: إن ما عدم فيه جميع صفات الحديث الصحيح والحسن، هو القسم الآخِرُ الأرذل؛ فهو محمول على أنه أراد ما لم يكن موضوعا
…
" (3).
وأجيب بأنه لا تنافي بين القولين، لأن القسم الأرذل من الضعيف يدخل تحته نوعان: الضعيف مطلقاً، والموضوع. (4)
قيود الموضوع عند ابن الصلاح:
عرّف ابن الصلاح الموضوع بكونه المختلق المصنوع، "أي: إن واضعه اختلقه وصنعه" (5)، وعليه فإن من أبرز قيود الموضوع عند ابن الصلاح،
قيد الاختلاق والصُنْع
.
قيد: الاختلاق والصُنْع:
معنى الاختلاق في اللغة: يقال: خَلَقَ الكلمة، واختلقها، وخَرَقَهَا واخْتَرَقَها: إِذا ابْتَدَعَها كذباً، واختلقه بمعنى: ابتدعه، وافتراه. (6)
(1) المرجع السابق، 98.
(2)
ينظر: العراقي، التقييد، 131.
(3)
العراقي، شرح التبصرة، 1/ 306.
(4)
ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 547، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 310، الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 285.
(5)
العراقي، شرح التبصرة، 1/ 306.
(6)
ينظر مادة (خ ل ق): الأزهري، التهذيب، 7/ 14، ابن سيده، المحكم، 1/ 537، الرازي، المختار، 95، الفيروزآبادي، القاموس، 880.
والصُنْع: مصدر من "صَنَع الشيء صَنْعاً وصُنْعاً، بالفتح والضمِّ، أي عَمِله، فهو مَصْنوع"(1).
والمصنوع من الشِّعر وغيره: المفتعل. (2)
وكلا اللفظين (المختلق المصنوع) يتضمنان معنى الابتداع والافتراء والتلفيق.
قال السخاوي في تعريف الموضوع: "واصطلاحاً: (الكذب) على رسول الله صلى الله عليه وسلم (المُختلَق) بفتح اللام، الذي لا ينسب إليه بوجه، (المصنوع) من واضعه، وجيء في
تعريفه بهذه الألفاظ الثلاثة المتقاربة للتأكيد في التنفير منه". (3)
وقد أوضح ابن الصلاح أنواعاً من الوضع والاختلاق في الحديث، فقال: "ثم إن الواضع ربما صنع كلاماً من عند نفسه فرواه، وربما أخذ كلاماً لبعض الحكماء (4) أو غيرهم،
(1) الزبيدي، تاج العروس، 21/ 363.
(2)
المعجم الوسيط، 1/ 526.
(3)
السخاوي، فتح المغيث، رجع سابق، 1/ 310.
(4)
مثال ذلك: حديث: ((المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)) هذا من كلام الأطباء، إما الحارث بن كلدة، أو غيره ولا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم. ينظر: الزركشي، اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة، 145، السخاوي، المقاصد الحسنة، 611 ح (1035)، السيوطي، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، 178 ح (372)، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 315، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 326،
وحديث: ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)). ينظر: أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء 6/ 388، الزركشي، المرجع السابق، 122، العراقي، المرجع السابق، الأبناسي، الشذا الفياح، 1/ 229.
فوضعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1)، وقد سبقه ابن الجوزي بذكر هذين النوعين بقوله: "فتارة تكون موضوعة في نفسها، وتارة توضع على الرسول صلى الله عليه وسلم وهى كلام غيره" (2).
وكلا النوعين يتضمّنان معنى الاختلاق والافتراء، إلا أن التقييد بالاختلاق قد يقصر الوضع على ما وقع عمداً (3)، دون ما وقع سهواً من الراوي وخطأً، ولعل ذلك ما دعا ابن الصلاح إلى ذكر نوع ثالث من أنواع الموضوع أطلق عليه (شبه الوضع)(4)، فقال:"وربما غلط غالط، فوقع في شبه الوضع من غير تعمد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) "(5)، وقد سبق ذكر هذا المثال في فصل الحديث المدرج، إذ عدّه العراقي وتبعه ابن حجر من أقسام المدرج. (6)
وهو من الأمثلة المتداخلة بين نوعي الإدراج والوضع، حيث صدّر العراقي هذا المثال بقوله:"ومن أقسام الموضوع: ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه بعض الرواة."(7) ثم أردفه بذكر أقوال نقّاد الحديث فيه، والتي تراوحت بين الوصف بالإدراج، والوضع والبطلان، فقال: "وقول المصنف - يقصد ابن الصلاح- في هذا الحديث أنه شبه الوضع
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 100.
(2)
ابن الجوزي، الموضوعات، 1/ 35.
(3)
"قوله (المختلق) أخرج ما لم يكن عن عمد، فلا يسمّى موضوعاً على ذلك. والصواب: أن الموضوع: هو المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء تعمد ذلك راويه، أو أخطأ في ذلك، فإن الرجل المغفل قد يشتبه عليه الأمر، ويذكر أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست من كلامه، إلا أنه شُبِّه عليه، هذا من حيث وصف الحديث بأنه موضوع، أما الراوي فلا يلزم من ذلك أن يُوصف بأنه وضّاع، إلا إذا كان متعمداً لذلك؛ فوضّاع ولا كرامة". السليماني، الجواهر، 374.
(4)
وقد سبقت الإشارة إليه في فصل الحديث المدرج.
(5)
المرجع السابق.
(6)
ينظر: العراقي، التقييد، 133، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 316، ابن حجر، النكت، 2/ 835.
(7)
العراقي، شرح التبصرة، 1/ 316.
حسن؛ إذ لم يضعه ثابت بن موسى، وإن كان ابن معين قد قال فيه أنه كذاب. نعم بقية الطريق التي سرقها من سرقها موضوعة؛ ولذلك جزم أبو حاتم الرازي بأنه موضوع فيما حكاه ابنه أبو محمد في العلل، (1) والله أعلم." (2)
فعند ابن الصلاح الموضوع ما تعمّد راويه الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشبه الموضوع ما لم يقصد راويه وضعه، وإنما وقع منه ذلك وهماً وخطأً، ولعل تعريف ابن دحية يشملهما، حيث قال:"هو ما وُضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه"(3)، والإلصاق: يشمل ما وضع عمداً، أو خطأً.
وتعريف الوضع بالإلصاق أليق كما ذكر ابن حجر في نكته على ابن الصلاح. (4)
ونجده أيضاً زاد نوعاً من أنواع الموضوع في النزهة، فقال:"أو يأخذ - أي الواضع- حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا لِيَرُوْجَ"(5).
"فهذا الحديث موضوع [الإسناد] لا المتن."(6)، وسمّاه السخاوي بالوضع السندي. (7)
وبالنظر إلى تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح، نجد أنها اتفقت على كون الموضوع من المختلق المصنوع، فمعظمها صرّح بلفظ الاختلاق في نص التعريف، بينما لم يصرح
(1) ابن أبي حاتم، العلل، 2/ 36 ح (196).
(2)
العراقي، التقييد، 133.
(3)
ابن دحية، أداء ما وجب، 148 - 149.
(4)
ينظر: ابن حجر، النكت، 2/ 838، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 310.
(5)
ابن حجر، النزهة، 110.
(6)
القاري، شرح النخبة، 445.
(7)
ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 327.