الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واختلف من جاء بعد الترمذي في تفسير معنى الشذوذ في تعريفه للحسن، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما -أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّح.
فبالنسبة لاشتراط نفي الشذوذ في تعريفات الحسن: فإن غالب التعريفات يدخل فيها اشتراط نفي الشذوذ إما نصاً أو مفهوماً، ويتردد فيها المعنى المراد بالشذوذ -بين التفرّد أو المخالفة- حسب السياق أو نوع الحسن -لذاته أو لغيره- الوارد به، والله أعلم.
أما بالنسبة لاشتراط نفي النكارة في تعريفات الحسن: فإن ابن الصلاح قد صرّح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعاً لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ.
أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعاً لاشتراطه ذلك في الصحيح.
واشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبراً، وفي كلا القسمين- سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفاً عنده من الشاذ، (1) والله أعلم.
القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:
سبق الحديث عن قيد السلامة من العلة ضمن قيود الحديث الصحيح، وسيأتي مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل، ولا بأس بشيء من الإيجاز في الإشارة إلى
(1) سيأتي مزيد إيضاح في الفصل الخاص بالحديث المنكر بإذن الله.
معنى العلة لغة واصطلاحاً، فالعلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه. (1)
وفي الاصطلاح، العلة: سبب خفي غامض يقدح في صحته (2)، وهي غالباً ما يُكشف عنها في الأحاديث التي ظاهرها الصحة، حيث قال ابن الصلاح: "الحديث المعلل هو الحديث الذي اُطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (3)
وسبقه إلى ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير."(4)
فالعلة تتطرق إلى الحديث الذي ظاهره الصحة بشكل عام، وقد أشار ابن الصلاح إلى أنها قد تُطلق على غير ذلك فقال: "ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من
(1) يُنظر: الفراهيدي، العين، 1/ 88. ابن فارس، المقاييس، 4/ 13 - 14، الرازي، المختار، 216.
(2)
ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 90، ابن حجر، النزهة، 70، السيوطي، التدريب، 1/ 294.
(3)
ابن الصلاح، المرجع السابق 90.
(4)
الحاكم، علوم الحديث، 112 - 113. قال الخطيب البغدادي:"والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، 2/ 295.
العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح." (1)
وبالنظر إلى اشتراط هذا القيد في حد الحديث الحسن:
- فإن الترمذي حين عرّف الحسن عنده لم يُصرّح بنفي العلة، واكتفى بنفي الشذوذ، وهو نوع من العلل الخفية، والذي يُقاس عليه ما يشبهه من أنواع الضعف الشديد غير المنجبر، فيُفهم من ذلك اشتراطه نفي ما يُعِلُّ الحديث ويضعفه بما لا ينجبر بمجيئه من طريق آخر (2)؛ خاصة وأن الترمذي "إمام من أئمة نقد الحديث وبيان علله، ولا يمكن أن يُحسِّن حديثاً فيه علة يعلمها"(3).
- أما الخطابي فإن قوله: " (ما عرف مخرجه) يُخرِج المعلل، فإنه لم يعرف مخرجه"(4)، وتبعه الميانشي وزاد بقوله:"فإنه يحسن الاحتجاج به" والحديث المعلل يرده النقاد ولا يحتجون به.
وابن الجوزي اشترط أن يكون الضعف في الحديث محتملاً، والعلة تقدح في صحة الحديث فلا يُحتمل ضعفه.
(1) ابن الصلاح، المرجع السابق 90.
(2)
أما الضعف المنجبر كرواية الضعيف بسبب سوء حفظه، أو غفلته أو خطئه، أو رواية من سمع من مُختلِط بعد اختلاطه، أو رواية مدلس قد عنعن، أو حديث فيه انقطاع في سنده، فقد ذكر ابن حجر أمثلة لما وصفه الترمذي بالحُسن وهو من هذا القبيل.-سبق ذكرها في قيد المعاضدة- ينظر: ابن حجر، النكت، 1/ 388 - 399.
(3)
ينظر: السليماني، الجواهر، 77، ولعل عدم تصريحه بنفي العلة في تعريفه للحسن؛ لأن مفهوم العلة يتّسع عند نقاد الحديث؛ ليشمل السبب القادح وغير القادح، والخفي والظاهر، والمنجبر وغير المنجبر، فاكتفى الترمذي بنفي الشذوذ؛ لكونه من العلل الخفية القادحة، والضعف الذي لا ينجبر، ويُقاس عليه مثله من الضعف غير المنجبر، والله أعلم.
(4)
البقاعي، النكت، 1/ 232.
والحديث الحسن عند ابن القطان أعلى من الضعيف، وهو يَردُّ الحديث لوجود جَرْح مُفسّر في الراوي، فمن باب أولى أن يردّه لوجود علة تقدح في صحته. (1)
- أما ابن الصلاح فإنه حين عرّف الحسن جعله على قسمين:
نزّل أحدهما على تعريف الترمذي، والآخر على تعريف الخطابي، وممن جاء بعده من فهم منه اشتراط نفي العلة عن القسمين كليهما، واشترط القيد فيهما، وهناك من اقتصر على اشتراطه في الحسن لذاته دون الحسن لغيره.
فَمِن مَن فهم اشتراط ابن الصلاح -السلامة من العلة في الحديث الحسن بقسميه-:
ابن جماعة (2)، وتبعه الطيّبي (3)، وكذلك العراقي حيث قال في ألفيته:
"وقال بان لي بإمعان النظر
…
أن له قسمين كل قد ذكر
قسما، وزاد كونه ما عللا
…
ولا بنكر أو شذوذ شملا" (4)
(1) قال محقق كتابه مشيداً بتحقيق ابن القطان لمسألة التدليس-وهو نوع خفي من الانقطاع يندرج ضمن علل الحديث، -: "كلام المؤلف على التدليس كلامٌ متقن، نقله الأئمة، واحتفوا به، وتفريقه بين التدليس والإرسال تفريق غوّاص على المعاني
…
" الحسين آيت سعيد، من مقدمة تحقيقه لكتاب بيان الوهم، 1/ 271.
وأشار الدريس إلى أن مما "يؤخذ على ابن القطان في تعريفه للحسن: "أنه لم يتعرّض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى هذه الأمور موجبة لضعف الحديث وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن، لكن عُرِف ذلك في مواضع أخرى إلا أن له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة." الدريس، الحديث الحسن، 4/ 1670.
من أمثلة هذه الآراء: قول ابن القطان في تعليقه على الحديث رقم (1022): "وهو أيضا مضطرب المتن، وذلك علة، لا كالاضطراب في الإسناد، فإنه لا ينبغي أن يعد علة، وإن رآه المحدثون علة." ابن القطان، بيان الوهم، 3/ 275.
ومما خالف فيه جمهور العلماء أنه: "علل بالإرسال عدداً من الأحاديث رواها الصحابة، كحديث جابر أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وحديث المسيب بن حزن في ذكره قصة وفاة أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك." بوعيّاد، تحسين الحديث، 259. ينظر: ابن القطان، المرجع السابق، 2/ 466 - 467 ح (465)، 2/ 470 ح (467).
(2)
" ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان" ابن جماعة، المنهل، 103.
(3)
مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة. الطيبي، الخلاصة، 45.
(4)
العراقي، شرح التبصرة، 1/ 154.
ومن شرحها بعده أوضح هذا المفهوم، حيث قال البقاعي:" (وزاد كونه ما عللا) إلى آخره، نفي العلة، والنكارة زيادة على كل منهما"(1).
وقال السخاوي في شرحه لألفية العراقي: " (وزاد) أي ابن الصلاح في كل منهما (كونه ما عللا ولا بنكر أو شذوذ) أي: بكل منهما"(2)، بل صرّح السخاوي في تعريفه لمطلق الحسن- والذي ضم قسميه- باشتراط السلامة من العلة في القسمين معاً (3).
أما ابن حجر فقد اعترض على اشتراط السلامة من العلة في الحسن لغيره، فقال متعقّباً تعريف ابن جماعة:"اشتراط نفي العلة لا يصلح هنا؛ لأن الضعف في الراوي علة في الخبر والانقطاع في الإسناد علة الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال الراوي علة في الخبر، ومع ذلك فالترمذي يحكم على ذلك كله بالحسن إذا جمع الشروط الثلاثة (4) التي ذكرها، فالتقييد بعدم العلة يناقض ذلك والله أعلم."(5)
ويدل تعقّب ابن حجر لابن جماعة دون ابن الصلاح، على أنه يرى أن ابن جماعة هو من زاد هذا القيد في الحسن لغيره، وأن تعريف ابن الصلاح لا يتضمنه، وإلا كان الأولى أن يتعقّب ابن الصلاح؛ لأنه العمدة في ذلك.
(1) البقاعي، النكت، 1/ 231.
(2)
السخاوي، فتح المغيث، 1/ 91.
(3)
حيث قال: "وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا (المفسِّق (كالكذب (إن لم يفحش خطأ سيِّئ الحفظ (إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة" السخاوي، فتح المغيث، ما بين المعقوفتين من طبعة دار المنهاج 1/ 125.
(4)
ابن حجر يرى أن الحسن عند الترمذي لا يقتصر على رواية المستور "بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي:
1 -
أن لا يكون فيهم من يتهم بالكذب.
2 -
ولا يكون الإسناد شاذا.
3 -
وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا، وليس كلها في المرتبة على حد السواء بل بعضها أقوى من بعض". ابن حجر، النكت، 1/ 387.
(5)
ابن حجر، المرجع السابق، 1/ 407.
وبالنظر إلى اشتراط السلامة من العلة في الحديث الحسن:
- فأمّا ما يخص الحسن لذاته-والذي يدخله بعضهم ضمن مراتب الصحيح، - فإن اشتراط خلوه من العلة تابع لاشتراط ذلك في الصحيح؛ لأن العلة تطعن في الصحة، واشتراط ذلك ظاهر أو مفهوم في تعريف ابن الصلاح ومن سبقه أو لحقه.
- وأما تعريف الحسن لغيره، والذي فيه ضعفٌ انجبر بالمعاضدة بمثله أو نحوه، فإن اشتراط خلوه من العلل قد يُلبِس من جهة اصطلاحهم بأن العلة تتطرق إلى الإسناد الذي ظاهره الصحة، بينما إسناد الحديث الحسن لغيره في أصله ضعيف، وإنما يكتسب القوة من الاعتضاد، وهذا الاعتضاد - كما جاء في قيد المعاضدة- قد يُخرج الحديث عن حيّز الضعف، وقد يُقويه قوة لا تخرجه عنه؛ لذا أجد أن اعتراض ابن حجر على اشتراط السلامة من العلة - في تعريف الحسن لغيره، والذي نُزِّل على تعريف الترمذي- وجيهاً، وأن الرد عليه بأن العلة حسب الاصطلاح رد ضعيف (1)؛ لأن نفي العلة بالمعنى الاصطلاحي غير متحقق في الحسن لغيره، حيث ظاهره الضعف، والعلة إنما تتطرق للحديث الذي ظاهره الصحة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن نفي العلة بمعناها اللُّغوي - الذي يشمل كل ما يُمرض الحديث- غير ظاهر كذلك في الحديث الحسن لغيره؛ لأنه يُوصَف بكونه ضعيف ضعفاً منجبراً،
حيث يكون ضعفه إما بسبب الانقطاع في السند أو الإرسال أو سوء حفظ الراوي، ونحو ذلك، مما يُعده نقاد الحديث من العلل الظاهرة التي يُعلّ بها الحديث، وإن كان الاصطلاح قد استقرّ على حصر تعريف العلة بالعلل الخفية القادحة.
(1) ينظر: تعقّب محققيّ كتاب النكت على ابن الصلاح، سواء في طبعة الجامعة الإسلامية، 1/ 407، أو طبعة الميمان، 225.
قال الدكتور الدريس: "والذي أراه أن اشتراط نفي العلة لا يصلح في الحديث المعتضد بمثله، والُحسَّن بمجموع طرقه الضعيفة، وذلك لأن العلة ميدانها الحقيقي أحاديث الثقات المحتج بهم ولا أدلّ على ذلك من قولهم في تعريفها (مع أن الظاهر السلامة منها) والأحاديث المضعفة بسبب سوء حفظ رواتها أو جهالتهم أو لانقطاع في أسانيدها يُعدّ السبب القادح فيها ظاهراً وليس غامضاً أو خفياً"(1)
فاشتراط نفي العلة عن الحسن لغيره غير متوجّه على المعنى الاصطلاحي للعلة ولا على المعنى العام لها؛ ولعل ذلك هو الذي حذا بابن حجر رحمه الله بأن يعترض على اشتراط الخلو من العلة في حدّ الحسن لغيره، ويرى أن اشتراط الضعف المحتمل فيه كافٍ عن اشتراط نفي العلة، والله أعلم.
نخلص مما سبق:
العلة ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهراً أم خفياً يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، وإن استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة (2).
وبالنظر إلى اشتراط سلامة الحديث الحسن من العلة، فسواء أُريد بها المعنى الاصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح، ويُشكل اشتراط نفيها في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الاصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، والحديث هنا ضعيف جُبر بالمتابعة والمعاضدة بمثله، وقد سبق معنا - في قيد المعاضدة- أن المعاضدة
(1) الدريس، الحديث الحسن، 5/ 2198 - 2199.
(2)
سيأتي مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل بإذن الله.