الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:
المُنكَر اسم مفعول من أنكَر، و"النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونَكِر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه". (1) والمنكر: ضد المعروف.
ويأتي النُّكْر كذلك بمعنى: الدّهاء، والأمر الشديد أو الصعب. (2)
ففي المنكر معنى زائد على مجرد الجهل بالشيء؛ وهو الشك وعدم الارتياح؛ بل قد يصل إلى الجحود والرفض. (3)
المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً
(حسب الترتيب الزمني):
قال ابن رجب رحمه الله في شرحه لعلل الترمذي:
"ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي (4) الحافظ، وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في
العلل" (5)، وقد اختلف بعض المعاصرين فيما ذهب إليه ابن رجب رحمه الله من أن البرديجي هو أقدم من
(1) ابن فارس، المقاييس، 5/ 476.
(2)
ينظر مادة (ن ك ر): الفراهيدي، العين، 5/ 355، الرازي، المختار، 319، الفيروزآبادي، القاموس، 487.
(3)
ينظر: حمام، التفرد، 416، أبو سمحة، المنكر، 27 - 29.
(4)
أحمد بن هارون بن روح، أبو بكر البرذعي ويعرف بالبرديجي، كان من حفاظ الحديث المذكورين بالحفظ والفقه. جمع وصنف، وبرع في علم الأثر. نزيل بغداد وقدم أصبهان مرتين، وتُوفي ببغداد سنة 301 هـ. ينظر: أبو نعيم، تاريخ أصبهان، 1/ 148 (108)، الخطيب، تاريخ بغداد، 6/ 431 (2931)، الذهبي، السير، (14/ 122).
(5)
ابن رجب، العلل، 1/ 450.
وضع حداً للمنكر- بين مؤيد لذلك (1)، ومتعقّب (2)، ومنهم من توسّط بين الأمرين (3). إلا أنني أتجاوز هذا الخلاف، وأذكر ما وجدت من عبارات الأئمة في بيان كل نوع حديثي من الأنواع أو المصطلحات التي يتضمّنها حدود البحث، ومن تلك العبارات أو التعريفات التي جاءت في بيان مصطلح المنكر ما يلي:
تعريف مسلم (ت 261 هـ):
قال الإمام مسلم رحمه الله: "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد
توافقها (4)، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله". (5)
(1) وقد استدل على ذلك بعدم ذكر ابن الصلاح لتعريف مسلم للمنكر، واقتصاره على تعريف البرديجي فقال مُعقّباً: "وكأنه لم يقف على تعريف للمنكر عند غيره!
…
ومما يؤكد هذا الفهم أن الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله لما تعرّض للكلام عن المنكر
…
نصّ على أن أول من وجده عرّف المنكر هو البرديجي
…
فعلى هذا ليست عبارة مسلم تعريفاً عند ابن رجب؛ لأنه وقف عليها حتماً" ينظر: السلمي، الحديث المنكر، 22.
(2)
مثل: الدكتور نور الدين عتر في تحقيقه لكتاب ابن رجب، حيث قال متعقِّباً لكلامه: "بلى، قد وقع في مقدمة مسلم ما يُبيّن تعريف الحديث المنكر
…
".
وكذلك العثمان في كتابه المحرر في مصطلح الحديث حيث قال: "وقد تكلّم الإمام مسلم رحمه الله في حد المنكر" ثم قال بعد نقله لكلام مسلم: "وهذا تعريف الإمام مسلم للمنكر وهو من المتقدمين، فحينئذ يكون قول الحافظ ابن رجب
…
فيه نظر بيّن".
ويؤيد ما ذهبا إليه قول النووي في شرحه على صحيح مسلم: "هذا الذى ذكر، -أي: الإمام مسلم- رحمه الله هو معنى المنكر عند المحدثين". المراجع: ينظر: النووي، شرح مسلم، 1/ 18، ابن رجب، العلل، 1/ 450، العثمان، المحرّر، 235.
(3)
مثل: الدكتور عبدالجواد حمام في كتابه التفرد في رواية الحديث، حيث قال: "أقدم كلام حول الحديث المنكر وصلنا مفصّلاً. ينظر: حمام، التفرد، 418، 423.
(4)
قال النووي: "هذا الذى ذكر رحمه الله هو معنى المنكر عند المحدثين"
…
ثم قال: "وقوله (أو لم تكد توافقها) معناه: لا توافقها إلا في قليل". النووي، شرح مسلم، 1/ 17 - 18.
(5)
مسلم، صحيح مسلم، 1/ 7.
تعريف الحافظ البرديجي (ت 301 هـ):
قال ابن الصلاح: "بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يُعرَف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجهٍ آخر."(1)
بينما نقل ابن رجب عن البرديجي قوله في بيان الحديث المنكر: "أن المنكر هو الذي يُحدِّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، لا يُعرَف ذلك الحديث، وهو متن الحديث، إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكراً."(2)
تعريف ابن أبي حاتم (ت 327 هـ):
أشار ابن أبي حاتم لعلامة تُميّز صحيح الحديث من منكره بقوله: "ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم"(3)
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
بعد أن نقل ابن الصلاح تعريف البرديجي صوّب أن المنكر على قسمين، وأنه بمعنى الشاذ، فيكون المنكر عنده قسمان: "أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي
(1) ثم علّق عليه قائلا: "فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصِّل. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ." ابن الصلاح، علوم الحديث، 80.
(2)
ثم وضّح ابن رجب السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك يأتي ذكرها - بإذن الله- أثناء تحرير التعريف. ينظر: ابن رجب، العلل، 1/ 450 - 453.
(3)
ابن أبي حاتم، الجرح، 1/ 351.
ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (1)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد جعل ابن الصلاح الحديث المنكر مرادفاً للشاذ وبمعناه (2)، وتابعه على هذا جُلُّ من جاء بعده، ولخّص كتابه:
كالنووي (ت 676 هـ)(3)، وابن دقيق العيد (ت 702 هـ)(4)، وابن كثير (ت 774 هـ) حيث قال: "المنكر: وهو كالشاذ، إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً - وإن لم يخالف- فمنكر مردود.
وأما إن كان الذي تفرد به (عدلاً ضابطاً حافظاً ((5) قُبِل شرعاً، ولا يقال له منكر، وإن قيل له ذلك لغةً" (6).
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 79 - 80، ثم أتبعه بذكر أمثلة لكل قسم، ويستنتج من تعريف ابن الصلاح أنه يَعدُّ مخالفة الراوي لمن هو أولى منه (سواء كان ثقة أو ضعيف) منكراً وشاذاً، أما بخصوص تفرد الراوي، فقد جعل النكارة والشذوذ خاصة بتفرّد الضعيف الذي هو دون رواة الصحيح والحسن في الضبط والإتقان، حيث أن المنكر عند ابن الصلاح نوعان، "وقوله في تعريف الحسن لذاته:(يرتفع عن حال من يُعدُّ ما ينفرد به من حديثه منكراً) احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعدُّ منكراً، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة". السليماني، الجواهر، 82.
(2)
سبقه في التصريح بذلك- كما جاء في فصل الحديث الشاذ- الحافظ صالح جزرة حيث قال: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف". الخطيب البغدادي، الكفاية، 141.
(3)
ينظر: النووي، التقريب، 41، وفي شرحه لصحيح مسلم ذكر من أنواع الحديث الفرد أربعة منهما اثنان وصفهما بالشذوذ والنكارة، وهما:"فرد مخالف للأحفظ وفرد ليس في رواية من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده والله أعلم". النووي، شرح مسلم، 1/ 154.
(4)
حيث قال: "المنكر، وهو كالشاذ". ابن دقيق العيد، الاقتراح، 17.
(5)
هكذا في ط: غراس، 51، وط: دار المعارف، 183. وعقّب محققها في الحاشية:"في طبعة الشيخ شاكر: (عدلٌ ضابطٌ حافظٌ) مُخالفاً النسختين وقواعد اللغة".
(6)
ابن كثير، الاختصار، 51، فابن كثير يرى أن تفرد الضابط الحافظ مقبول، وليس بمنكر، وإن أُطلق عليه وصف النكارة فهو إطلاق لُغوي وليس اصطلاحي.
وممن اختصر تعريف ابن الصلاح كذلك: البلقيني (ت 805 هـ)(1)، والعراقي (ت 806 هـ)(2).
واقتصر بعضهم على شق من التعريف كابن جماعة (ت 733 هـ) حيث اقتصر على الشق الخاص بتفرّد الضعيف، فقال:"قيل: هو ما تفرد به من ليس ثقة ولا ضابطا، فهو الشاذ على هذا، كما تقدم، وقال البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، والصواب ما تقدم."(3).
ولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:
ما ذكره الذهبي (ت 748 هـ)، فبالرغم من أنه وافق ابن الصلاح في تعريفه للشاذ إلا أنه حين عرّف المنكر اقتصر على الشِقِّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض
تفردات الصدوق فقال: "المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُعدُّ مفرد الصدوق (4) منكرا."(5)
(1) ينظر: البلقيني، المحاسن، 179.
(2)
ينظر: العراقي، التقييد، 105، العراقي، التبصرة، 1/ 251.
(3)
ابن جماعة، المنهل، 136. "وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل" حمام، التفرد، 437.
(4)
الراوي الصدوق عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم:"ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه".
وقال ابن الصلاح: هذه العبارات لا تُشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويُختبر حتى يُعرف ضبطه".
وذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل، وهو ممن يُكتب حديثه، وينظر فيه.
بينما ذكره ابن حجر في المرتبة الرابعة والتي تقصر عنده قليلاً عن المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِد بصفة مثل: ثقة أو متقن.
المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 37، ابن الصلاح، علوم الحديث، 122 - 123، الذهبي، الميزان، 1/ 4، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 371، ابن حجر، التقريب، 74. "والصدوق: هو العدل الذي خفّ ضبطه، والأصل في حديثه أن يكون حسناً". العوني، شرح الموقظة، 93.
(5)
الذهبي، الموقظة، 42.
أما ابن الملقن (ت 804 هـ) فإنه لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع)(1) بينما اقتصر في كتابه (التذكرة) على تفرّد الضعيف، فقال:"هو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ."(2)، واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات (3)، والنكارة بتفرّد الضعيف.
ولعل تلميذه ابن حجر (ت 852 هـ) تبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر. (4)
فنجد أن ابن حجر حين عرّف المنكر قال في تنكيته على ابن الصلاح: "وأما ما انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث.
وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين." (5)
فذكر من أقسام المنكر تفرد الراوي الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار، فهذا منكر عند كثير من أهل الحديث، فإن خالف - من هذه حاله- من هو أولى منه، فهذا ما يُطلق عليه المنكر عند الأكثرين، وهو ما اعتمده ورجّحه.
(1) ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/ 179 - 180.
(2)
ابن الملقن، التذكرة، 17.
(3)
إذ أن المقنع اختصار لعلوم الحديث لابن الصلاح، والتذكرة اختصار للمقنع. ينظر تعريفه للشاذ: المرجع السابق، 16.
(4)
حيث جمع بين الشاذ والمنكر في اشتراط المخالفة والتفرّد، وفرّق بينهما في مرتبة راوٍ كلٍّ منهما، فخصّ الشذوذ برواية الثقة، والمنكر برواية الضعيف. ينظر: ابن حجر، النزهة، 87، ابن حجر، النكت، 2/ 675، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 250.
(5)
ابن حجر، النكت، 2/ 675.
وقد صاغ البقاعي عبارة شيخه ابن حجر في تعريف المنكر بقوله: "والمنكر: اسم لما
خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا ينجبر وهيه بمتابعة مثله" (1)
فتفرّد الضعيف ضعفاً لا ينجبر بالرواية - دون مُتابِع- كافٍ لإطلاق النكارة على حديثه، وإن لم يُخالَف، وهذا ما أشار إليه ابن حجر في النزهة بأنه: "المنكر - على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة -
…
" ومثّل له بمن "فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر" (2)، ونجده كذلك استشهد بما ذكره الإمام مسلم رحمه الله في
بيانه لعلامة الحديث المنكر، ثم أتبعه بقوله:"فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون. فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -". (3)
وقد أشار رحمه الله إلى إطلاق بعضهم النكارة على مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده فقال: "فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن (4)، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان
أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرا". (5)
(1) البقاعي، النكت، 1/ 467، وكذلك الأنصاري في كتابه فتح الباقي حيث قال:"والمنكر: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله، أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بذلك." الأنصاري، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي، 1/ 238.
(2)
ابن حجر، النزهة، 112 - 113 باختصار. قال أبو شهبة:"ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر، أي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولا ضابط، ومثله لا يقبل تفرده." أبو شهبة، الوسيط، 304.
(3)
ابن حجر، النكت، 2/ 675.
(4)
حيث اشترط ابن الصلاح في راوي الحسن لذاته "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً". ابن الصلاح، علوم الحديث، 31 - 32، فراوي الحديث الحسن وإن خفّ ضبطه إلا أنه يرتفع عن حال من يُستنكر حديثه عند الانفراد. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 249 - 250.
(5)
ابن حجر، النكت، 2/ 674.
"فحاصل كلام ابن حجر رحمه الله أنه يرى تفرد من هو في آخر مراتب الحسن وقريب جداً من مراتب الضعيف، بل في أول مراتب الضعيف يُعتبر شاذاً، ومع المخالفة يكون منكراً"(1)
فنجد أن ابن حجر رحمه الله ذكر أقساماً وأنواعاً للمنكر منها:
- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال:"وربما سماه بعضهم منكرا". (2)
- وكذلك تفرد الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله:"فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث". (3)
- ومنها كذلك مخالفة الضعيف ضعفاً قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال:"وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين". (4)
- وأيضاً تفرّد الضعيف ضعفاً شديداً كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه:"المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة". (5)
(1) العثمان، المحرر، 229.
(2)
ابن حجر، النكت، 2/ 674.
(3)
المرجع السابق، 2/ 675.
(4)
المرجع السابق.
(5)
ابن حجر، النزهة، 112.
وقد عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله: "هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات" الخضير، الضعيف، 187 - 188.
- وكذلك رواية المتروك (1) تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال:"فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم". (2)
وقد اُشتهر عن ابن حجر رحمه الله ترجيحه لأحد هذه الأقسام، وهو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وذلك في كتابيه (نخبة الفِكَر) وشرحه (النزهة)(3)، حيث قال- بعد أن
عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقاً) لمن هو أولى منه-: "وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له: ) المنكر) "(4).
وقد سار على نهج ابن حجر في التفريق بين الشاذ والمنكر تلامذته: البقاعي (ت 885 هـ)(5)، والسخاوي (ت 902 هـ)(6)، وزكريا الأنصاري (7)(ت 926 هـ)(8)، وتبعهم السيوطي (ت 911 هـ)(9).
(1)"ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب- هو المتروك." ابن حجر، النزهة، 112.
(2)
ابن حجر، النكت، 2/ 675.
(3)
قال السيوطي: "المنكر الذي روى غير الثقة
…
مخالفا، في نخبة قد حققه". الألفية، 23.
(4)
ابن حجر، النزهة، 86.
(5)
ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 467.
(6)
ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 249 - 250.
(7)
زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري المصري الشافعيّ، أبو يحيى، قاض فقيه، مفسر، من حفاظ الحديث. له تصانيف كثيرة، منها:(تحفة الباري على صحيح البخاري) و (شرح صحيح مسلم) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات،10/ 186، الزركلي، الأعلام، 3/ 46. كحالة، المؤلفين، 1/ 733 (5480).
(8)
ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، 1/ 238.حيث قال:"والمعتمد أنهما متميزان، كما جرى عليه شيخنا".
(9)
ينظر: السيوطي، الألفية، 23، السيوطي، التدريب، 1/ 279 - 280.