الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأحاديث المرفوعة وتمييزها عن الموقوفة والمقطوعة، ولعل ذلك سبب ذكر بعضهم -كابن خزيمة وابن حبان- قيد المسند ضمن شروط مروياته في كتابه الذي خصه بجمع الصحيح وتمييزه عن غيره؛ إلا أن لفظ الصحيح غير قاصر على الأحاديث المسندة المرفوعة؛ وإنما يشمل الآثار الموقوفة والمقطوعة إذا جمعت شروط الصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلت من شذوذ وعلة؛ لذا فإن من جاء بعد ابن الصلاح لم يذكر شرط المُسند ضمن شروط الصحيح بل صرّح ابن كثير فقال: "حاصل حد
الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه،
…
" (1)، والله أعلم.
الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:
جاء في تعريفات بعضهم للصحيح شروط وقيود لم يصرّح بها ابن الصلاح ضمن تعريفه، من ذلك: نفي التدليس، واشتراط شهرة الرواة في الطلب، واشتراط العدد.
قيد نفي التدليس:
من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، وقد ذكره الشافعي ضمن شروط راوي الحديث المحتجّ به بقوله:"بريّاً من أن يكون مدلسا، يُحدِث عن من لَقِي ما لم يَسمع منه"، وكذلك الحال بابن حبان حيث ذكر شروط من يحتجّ بخبره فقال:" المتعرَّى خبره عن التدليس"، والذهبي -على الرغم من كون كتابه الموقظة مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد- إلا أنه حين اختصر تعريفه للصحيح زاد عليه قيد "عدم التدليس".
(1) ابن كثير، الاختصار، 28.
والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (1)
وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله:" يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه"(2) وعرّفه ابن
الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر."(3)، وقد تعقّبه ابن حجر حيث قال:"وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي"(4)، وصوّب التفريق بين المصطلحين، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: "والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي دقيق،
…
وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.
ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما." (5)
وعليه فالتدليس نوع من علل الإسناد التي قد تؤثر في اتصاله، وسبق معنا أن اشتراط الاتصال في السند شرط من شروط الحديث الصحيح المتفق عليه، وقد اشترطته أغلب
(1) ينظر: الجوهري، الصحاح، 3/ 930. الفيروزآبادي، القاموس، 546. قال ابن حجر: "واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء". وقال في النكت: "وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ينظر: ابن حجر، النزهة، 103، ابن حجر، النكت، 2/ 614.
(2)
وفي كتب مصطلح الحديث يعدّدون أنواعاً أخرى للتدليس كتدليس التسوية، وتدليس الشيوخ، وتدليس الصيغ، إلا أنني اقتصرت على ما يخص تدليس الإسناد الذي وضّح معناه الشافعي.
(3)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 73.
(4)
ابن حجر، النكت، 2/ 614.
(5)
ابن حجر، النزهة، 104. وهناك كتاب اُلّف لبيان أوجه الموافقة والمخالفة بين هذين المصطلحين، ينظر: خالد القريوتي، الإرسال والتدليس مع بيان أوجه الموافقة والمخالفة.
تعريفات الصحيح إمّا صراحة أو ضمناً، ويكون اشتراط نفي التدليس من باب التأكيد على أهمية الاتصال، والتأكد من خلو السند من الانقطاع الظاهر أو الخفي.
فهذا القيد مُتضمَن في قيود الصحيح السابق ذكرها من حيث اشتراط الاتصال، واشتراط نفي العلل القادحة، فقد أشار مسلم في مقدمة صحيحه - وذلك في معرض حديثه عن الاحتجاج بالإسناد المعنعن- بأن نقاد الحديث من السلف لم يفتشوا عن موضع السماع في الأسانيد إلا إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به، فقال: "وإنما كان
تَفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرِف بالتدليس في الحديث، وشُهِر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس (1)." (2)
وكذلك كان ابن خزيمة يتوقّف في تصحيح بعض الأحاديث، ويُعِلُّها بتدليس بعض رواتها.
أمّا ابن حبّان فقد تشدّد في قبول رواية المدلّسين- ولو كانوا ثقات- إلا إذا صرّحوا بالسماع، ولم يستثن سوى سفيان بن عيينة (3)؛ لأنه عُرِف أنه لم يُدلِّس إلا عن ثقة. (4)
(1) حقّق ابن رجب الحنبلي مسألة الحديث المعنعن وشروط قبوله، وذكر فيها مذاهب العلماء واختلافهم، وذلك في كتابه شرح علل الترمذي. يُنظر: ابن رجب، علل الترمذي، 2/ 585 - 599.
(2)
مسلم، الصحيح، 1/ 32 - 33.
(3)
سفيان بن عيينة بن أبى عمران أبو محمد الهلالي، مولاهم، الكوفي ثم المكي، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، ثقة ثبت حافظ إمام، وقال ابن حجر:"ثقة حافظ فقيه إمام حجة؛ إلا أنه تغير حفظه بأخرة وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار"، مات سنة 198 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 449 (2002)، ابن حجر، التقريب، 245 (2451).
(4)
حيث قال في مقدمة صحيحه: "وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا ـ مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المُتَّقين وأهل الورع في الدين ـ لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يُبيِّنِ السماع فيه ـ وإن كان ثقة ـ لَزِمَنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دَلَّسَ هذا الخبر عن ضعيف يَهِي الخبر بذكره إذا عُرِفَ اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلَّس ـ قط ـ إلا عن ثقة فإذا كان كذلك قُبِلَتْ روايته وإن لم يبين السماع.
وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يُدلِّسُ ولا يُدلِّسُ إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثلِ نفسه". يُنظر: ابن حبان، الصحيح، 1/ 121.
وقد أجاب عمّا جاء في صحيحه من رواية المدلسين دون تصريح منهم بالسماع بقوله: "فإذا صحَّ ـ عندي ـ خبر من رواية مُدلِّسِ أنه بَيَّنَ السماع فيه، لا أبالي أن أذكُرَه من غير بيان السماع في خبره بعد صِحَّتِه عندي من طريق آخر."(1)
وأما الحاكم فقد ذكر في كتابه "المدخل إلى الإكليل" تحت القسم الثاني من الصحيح المختلف في صحته: "روايات المدلسين إذا لم يذكروا إسماعهم في الرواية" أن جماعة من أئمة أهل الكوفة صححوها، وردّها جماعة من أئمة أهل المدينة، ثمّ مثّل للمراد
بالتدليس إلى أن قال: "وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يُدلِّسوا، والتمييز بين ما دلسوا وما لم يُدلِّسوا ظاهر في الأخبار."(2)
والمدلسون من حيث قبول روايتهم أو ردّها على أجناس ومراتب:
فقد ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" أجناساً ستة للمدلسين (3)، وفرّق كذلك الخطيب البغدادي بين أنواع المدلسين وذكر مذاهب العلماء في خبر المُدلِس بين القَبول والرد، وبين الإكثار من التدليس والإقلال منه، وبين التدليس عن ثقة أو عن غير ثقة، وعن التصريح المُدلِس بالسماع وعدمه، وقد صحّح مذهب من يشترط التصريح بالسماع. (4)
(1) المرجع السابق، 1/ 122.
(2)
الحاكم، الإكليل، 39 - 40.
(3)
يُنظر: الحاكم، علوم الحديث، 338 - 358. تحت النوع السادس والعشرين: معرفة المدلسين.
(4)
يُنظر، الخطيب البغدادي، الكفاية، 361 - 362.
ثم جاء العلائي (1) وجمع أسماء ثمانية وستين ممن وُصفوا بالتدليس، مرتّبين على حروف المعجم، وصنّفهم إلى خمس طبقات ومراتب - مستفيداً ممن سبقه في ذلك- وبيّن اختلاف الحكم على رواياتهم باختلاف طبقاتهم (2)، وقد قام الحافظ ابن حجر بتلخيص ذلك، وجعلهم على خمس مراتب:
- الأولى: لمن لم يوصف بذلك إلا نادراً. (3)
- والثانية: لمن احتمل الأئمةُ تدليسَهُ، فأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة. (4)
- والثالثة: من أكثر من التدليس، فاختلف الأئمة في حديثهم بين:
الاحتجاج بما صرحوا فيه بالسماع، أو رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم مطلقاً. (5).
- والرابعة: اتفقوا على عدم الاحتجاج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء، والمجاهيل (6).
- والخامسة: ردوا حديث من ضُعِّف بأمر آخر سوى التدليس، ولو صرحوا بالسماع (7). (8)
(1) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقيّ، أبو سعيد، صلاح الدين. كان إماما محدثا حافظا متقنا جليلا فقيها أصوليا نحويا. من مصنفاته:(جامع التحصيل في أحكام المراسيل) و (الوشي المعلم) و (الأربعين في أعمال المتقين). مات سنة 761 هـ. ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 10/ 36. السيوطي، طبقات الحفاظ، 533. الزركلي، الأعلام، 2/ 321.
(2)
يُنظر: العلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، 113 - 114.
(3)
كيحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة.
(4)
كسفيان الثوري، وابن عيينة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير.
(5)
كالحسن وقتادة، وأبي الزبير المكي.
(6)
كبقية بن الوليد، وابن إسحاق، وجابر الجعفي.
(7)
كأبي جناب الكلبي وأبي سعد البقال، إلا أن يُوثّق من كان ضعفه يسيراً كابن لهيعة.
(8)
ينظر: العلائي، المراسيل، 113 - 114، ابن حجر، طبقات المدلسين، 13 - 14.
فحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (1)
وأمّا ما جاء في الصحيحين من روايات المدلسين فهي على النحو الآتي:
-إمّا أن يكونوا من أهل المرتبتين الأولى والثانية، فهؤلاء احتمل الأئمة تدليسهم.
- وأمّا أن يكونوا ممن اشترط الأئمة تصريحهم بالسماع لقبول مروياتهم، فما جاء في الصحيحين من رواية هؤلاء أُجيب عنه بأنه:"محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات تحسينا للظن بمصنفيها."(2)
قال الحافظ ابن حجر في كتابه النكت: "فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى". (3)، وزاد السيوطي
(1) ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي مذاهب العلماء في قبول رواية المُدلِّس أو ردها. ينظر: ابن رجب، علل الترمذي، 2/ 582 - 585، القريوتي، الإرسال والتدليس، 47 - 48.
(2)
قاله السخاوي في فتح المغيث، وعقّب بقوله:" يعني ولو لم نقف نحن على ذلك لا في المستخرجات التي هي مظنة لكثير منه ولا في غيرها." ثم أردفه بقوله: "وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى": " أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنزَّلة مَنزِلة السماع"، يعني: إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها." السخاوي، فتح المغيث، 1/ 232 - 233. ينظر كذلك: النووي، التقريب، 39، ابن الملقن، المقنع، 1/ 158، السيوطي، التدريب، 1/ 262 - 264.
(3)
ابن حجر، النكت، 1/ 315. وقال في مقدمته لفتح الباري:"وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري، لما عُلم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذُكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تُسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة، فإن وُجد التصريح فيها بالسماع اندفع الاعتراض، وإلا فلا." ابن حجر، هدي الساري، 385.
وقد قام الدكتور عواد الخلف في رسالته للدكتوراه بجمع جميع روايات المدلسين في صحيح البخاري 519.
وقد بيّن هذه الضوابط والاعتبارات في مقدمة بحثه، وذكر فيها ثلاثاً وثلاثين ضابطاً في قبول عنعنة المدلس فيما يخص روايات صحيح البخاري.
يُنظر: عوّاد الخلف، روايات المدلسين في صحيح البخاري جمعها- تخريجها- الكلام عليها، 26 - 33.