الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:
التساوي في اللغة: من سَوِيَ، والسين والواو والياء:"أصل يدل على استقامة واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا أي لا يُعادِله."(1) واستوى الشيئان وتساويا تماثلا، وتعادلا. (2)
والمراد بالتساوي بين وجوه الاختلاف، أي: تساوي "الاختلاف في الجهتين أو الجهات; بحيث لم يترجح منه شيء، ولم يمكن الجمع."(3)
وقد صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط التساوي بين أوجه الروايات من حيث القوة، فوصفت الروايات المختلفة بمعاني مترادفة (كالتقارب، والتقاوم، والتعادل
…
). (4)
وعقّب ابن الصلاح بذكر هذا الشرط، فقال: "وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان
…
" (5)، فلا يُسمّى الحديث مضطرباً عند ابن الصلاح إلا إذا تساوت الروايات المختلفة في القوة، وتعذّر الترجيح بينها؛ بينما يرى الزركشي أن مجرد الاختلاف في الرواية يُعدّ اضطراباً، ولا يكون هذا الاضطراب قادحاً إلا في حال التساوي بين
(1) ابن فارس، المقاييس، 3/ 112.
(2)
ينظر: مادة (س وي): ابن سيده، المحكم، 8/ 639، الفيروزآبادي، القاموس، 1297، المعجم الوسيط، 1/ 466.
(3)
السخاوي، فتح المغيث، 1/ 290.
(4)
ينظر: النووي، التقريب، 45، ابن جماعة، المنهل، 52، ابن كثير، الاختصار، 55، ابن الملقن، المقنع، 1/ 221.
(5)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 93 - 94. قال العراقي:"وإنما يسمى مضطربا إذا تساوت الروايتان المختلفتان في الصحة". العراقي، شرح التبصرة، 1/ 290.
الروايات المختلفة، فاستدرك على ابن الصلاح بقوله:"وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت، وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت"(1).
ويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة:
فقد أشار ابن الصلاح إلى اشتراط انتفاء الترجيح - بأحد طرقه المعتمدة- بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال:"وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه."(2)
وزاد ابن حجر ذكر عدم إمكانية الجمع بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال:"وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه"(3)، "وأما مع إمكان الجمع بين ما اختلف من الروايات ولو تساوت وجوهها فلا يستلزم اضطراباً."(4)
"فالاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطرباً إلا بشرطين:
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح.
(1) الزركشي، النكت، 2/ 226.
(2)
ابن الصلاح، المرجع السابق.
(3)
ابن حجر، فتح الباري، 4/ 332.
(4)
ابن حجر، النكت، 2/ 752، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، 23.
ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث." (1)
"فالأصل عند الاختلاف بين الروايات أن يجمع بينها برابط يزيل الاختلاف، فالترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع؛ لأن الجمع أولى منه إذا أمكن"(2)، حيث قال الحافظ:"الجمع بين الروايتين أولى ولا سيما إذا كان الحديث واحداً والأصل عدم التعدد"(3)، فإن تعذر الجمع انتقل إلى الترجيح، "ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق."(4)
وبالنظر إلى الكثير من أمثلة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب في كتب الحديث وعلله، نجد أن عدداً من الأحاديث أُطلِق عليها وصف الاضطراب بالرغم من ترجيح بعض علماء الحديث ونقّاده لأحد الروايات، ففي دراسة أجراها أحد الباحثين (5) جمع فيها مائة حديث وصف بالاضطراب في السنن الأربع، وباستقراء سريع لهذه الأمثلة، وجدت ما يلي: -
(1) ابن حجر، هدي الساري، 348 - 349.
(2)
بازمول، المقترب، 44.
(3)
ابن حجر، تلخيص الحبير، 3/ 420.
(4)
ابن حجر، النكت، 2/ 778.
(5)
ينظر: بازمول، الحديث المضطرب، 312 - 843، ينظر كذلك الأمثلة التي استعرضها الدكتور عداب الحمش من كتاب جامع الترمذي، فخلص إلى أن "حدّ الاضطراب عند الترمذي الحمش، الإمام الترمذي، 1/ 356.
- نسبة الأحاديث المضطربة في المتن 4%، وهي نسبة قليلة كما أشار لذلك ابن حجر بقوله:"وهو يقع في الإسناد غالبا. وقد يقع في المتن. لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث باضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد."(1)
- نسبة الأحاديث التي جمعت بين اضطراب السند والمتن 11%، فيكون مجموع الأحاديث التي أُعلّ فيها السند دون المتن 85%، وهي النسبة الغالبة على الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب.
- ونسبة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب مع ترجيح أحد الطرق 32%، وهي تقريباً ثلث الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب في هذه الدراسة. (2)
- وهنا قد يظهر إشكال: وهو وصف المحدث حديثاً ما بالاضطراب مع ترجيحه لرواية منها، فكيف يجمع بين الوصف بالاضطراب والترجيح؟
وللجواب عن هذا الإشكال عدة أجوبة:
الأول: أنه وصف بالاضطراب دون النظر إلى النتيجة والحكم النهائي، ومرادهم أن الرواة اختلفوا واضطربوا فيه، والراجح من الاختلاف رواية فلان، وعندها لا يكون
هناك اضطراباً معلاً للرواية؛ بل محفوظ وشاذ أو معروف ومنكر (3)، ولذلك لما قال ابن الصلاح:"إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان".
(1) ابن حجر، النزهة، 117، ينظر: السخاوي، التوضيح الأبهر (الأسرّ)، 56.
(2)
ينظر: بازمول، الحديث المضطرب، 312 - 843.
(3)
مثل لذلك بقول البخاري - لما سأله الترمذي عن حديث عائشة أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن قوماً يكرهون استقبال القبلة بغائط أو بول فأمر بخلائه فاستقبل به القبلة-: "هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عن عائشة قولها".ينظر: الترمذي، العلل، 24 ح (6).
علق عليه الزركشي بقوله: "وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت؛ وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت"(1).
الثاني: أنهم وصفوا الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راو (2).
الثالث: أنه ترجيح افتراضي (3) لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر. (4)
ويمكن إضافة وجه رابع: أنه قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.
كالمثال الذي مثّل به ابن الصلاح لمضطرب السند، حيث مثّل بحديث الخط في السترة (5)،
(1) الزركشي، النكت، 2/ 226.
(2)
مثال ذلك: قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "ناوليني الخمرة. قلت: إني حائض! قال: إن حيضك ليس في يدك". ورواه عبد الله البهي، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه؟
فقال أبي: حديث ثابت، عن القاسم، عن عائشة أحب إلي؛ وذلك أن البهي يُدخِل بينه وبين عائشة عروة، وربما قال: حدثني عائشة، ونفس البهي لا يحتج بحديثه، وهو مضطرب الحديث" ابن أبي حاتم، العلل، 2/ 47 - 48 ح (206).
وكان من نتائج بحث مفهوم الحديث المضطرب عند الإمام الترمذي، أن توصل الباحث إلى أن الإمام الترمذي يروي الحديث، ويشير إلى الاختلاف على بعض رواته، وقد يُرجّح إحدى الروايات، ويحكم على البقية بالاضطراب، فيكون حكمه بالاضطراب متوجهاً إلى بعض طُرق الحديث، وليس جميعها. ينظر: عبدالعزيز عبدالله الهليل، مفهوم الحديث المضطرب عند الإمام الترمذي، 166.
(3)
مثال ذلك: سؤال ابن أبي حاتم لأبي زرعة عن حديث اضطرب فيه الرواة، فقال:"قلت لأبي زرعة: الصحيح ما هو؟ قال: الله أعلم! قد اضطربوا فيه، والثوري أحفظهم."المرجع السابق 3/ 26 ح (665).
(4)
ينظر: بازمول، المقترب، 48 - 50 باختصار.
(5)
الحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصا 1/ 183 ح (689)، فقال: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا إسماعيل بن أمية، حدثني أبو عمرو بن محمد ابن حريث، أنه سمع جده حريثا يحدث، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه))، وأخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الصلاة، باب ما يستر المصلي، 1/ 303 ح (943)، وأحمد في مسنده 12/ 354 ح (7392)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب الاستتار بالخط 2/ 13 ح (811)، وابن حبان في صحيحه باب ما يكره للمصلي وما لا يكره، ذكر وصف استتار المصلي في صلاته 6/ 125 ح (2361).
وقد رُوِي على أوجه ذكرها ابن الصلاح (1) وغيره (2)، مع عدم تمكنه من ترجيح بعضها على بعض، لكن الحافظ ابن حجر استدرك على ابن الصلاح والعراقي ما ذهبا إليه من اضطراب الحديث، فقال:
" بقي أمر يجب التيقظ له، وذلك أن جميع من رواه عن إسماعيل بن أمية (3)، عن هذا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته، وهل روايته عن أبيه
أو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة، وإذا تحقق الأمر لم يكن فيه حقيقة الاضطراب." (4)
نخلص مما سبق:
أن اشتراط التساوي في القوة بين وجوه الاختلاف، وما يلحق به من عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات كقيد من قيود الحديث المضطرب، هو اشتراط أغلبي، إذ أن هناك أمثلة ليست بالقليلة وصفت بالاضطراب رغم وجود الترجيح بين رواياتها.
(1) حيث قال: "ومن أمثلته: ما رويناه عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصلي:((إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه؛ فليخط خطا)). فرواه بشر بن المفضل، وروح بن القاسم عن إسماعيل، هكذا.
- ورواه سفيان الثوري عنه، عن أبي عمرو ابن حريث، عن أبيه عن أبي هريرة.
- ورواه حميد بن الأسود عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة.
- ورواه وهيب، وعبدالوار عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حريث.
- وقال عبدالرزاق عن ابن جريج: سمع إسماعيل، عن حريث بن عمار عن أبي هريرة. وفيه من الاضطراب أكثر مما ذكرناه. والله أعلم" ابن الصلاح، علوم الحديث، 94 - 95.
(2)
ينظر: العراقي، التقييد، 124 - 127.
(3)
إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي، الأموي، المكي، قال عنه الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: ثقة ثبت. مات سنة 144 هـ، وقيل قبلها. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 244 (358)، ابن حجر، التقريب، 106 (425).
(4)
ابن حجر، النكت، 2/ 772.