المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال - المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

[راوية بنت عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختياره:

- ‌مصطلحات البحث:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌حدود البحث:

- ‌مخطط البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌تمهيد

- ‌نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:

- ‌الفصل الأول: الحديث الصحيح

- ‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ قيود الصحيح عند ابن الصلاح

- ‌القيد الأول: اتصال السند:

- ‌القيد الثاني: العدالة:

- ‌القيد الثالث: الضبط:

- ‌القيد الرابع: السلامة من الشذوذ

- ‌القيد الخامس: السلامة من العلّة

- ‌القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً

- ‌الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد نفي التدليس:

- ‌قيد الشهرة في الطلب:

- ‌قيد اشتراط العدد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثاني: الحديث الحسن

- ‌المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة

- ‌القيد الثاني: قيد الستر للراوي:

- ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

- ‌القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة

- ‌القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:

- ‌من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثالث: الحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌أسباب ضعف الحديث:

- ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

- ‌السبب الخامس: الشذوذ المردود

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الرابع: الحديث الشاذ

- ‌المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الشاذ عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: المخالفة:

- ‌القيد الثاني: التفرد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل الخامس: الحديث المنكر

- ‌المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود المنكر عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: التفرد:

- ‌القيد الثاني: المخالفة:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل السادس: الأفراد

- ‌المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:

- ‌المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل السابع: زيادة الثقة

- ‌المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:

- ‌ القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:

- ‌ القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:

- ‌الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثامن: الحديث المعلل

- ‌المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة

- ‌القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل التاسع: الحديث المضطرب

- ‌المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:

- ‌القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:

- ‌مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:

- ‌مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:

- ‌حكم الحديث المضطرب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل العاشر: الحديث المدرج

- ‌المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المدرج:

- ‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

- ‌القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب

- ‌المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المقلوب:

- ‌قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:

- ‌أقسام الحديث المقلوب:

- ‌أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً

- ‌سبب يخص وقوع القلب في المتن:

- ‌حكم الحديث المقلوب:

- ‌طرق معرفة الحديث المقلوب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثاني عشر: الموضوع

- ‌المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الموضوع عند ابن الصلاح:

- ‌ قيد الاختلاق والصُنْع

- ‌طرق معرفة الموضوع:

- ‌أسباب الوضع في الحديث:

- ‌حكم الموضوع، وروايته:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الخاتمة

- ‌النتائج العامة لهذا البحث:

- ‌النتائج التفصيلية:

- ‌توصيات البحث:

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

وينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث -الآتي ذكرها- تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى العوامل المؤثرة في خفة الضعف وشدته: تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء بيان كل سبب من هذه الأسباب.

‌أسباب ضعف الحديث:

‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

هـ:

إن اتصال السند شرط من شروط صحة الحديث، وقد سبق ذكره وتفصيله ضمن قيود الحديث الصحيح، والحسن، وتتنوع مسميات الحديث حسب موقع السقط في سنده، "فالسقط إما أن يكون في أوله أو في آخره أو في أثنائه، ويدخل تحت ذلك المرسل

والمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل" (1)، ويتنوع كذلك من حيث وضوح السقط وخفائه، قال ابن حجر: "ثم إن السقط من الإسناد قد:

1 -

يكون واضحا (2) يحصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلا، لم يعاصر من روى عنه.

(1) ابن حجر، النكت، 1/ 493 - 494.

(2)

السقط الظاهر: وهو ما يعرفه الأئمة الحُذّاق وغير الحذّاق، ويُعرف هذا السقط من عدم حصول اللقاء بين الراوي ومن روى عنه؛ لأنه لم يُدرِك عصره، أو أدرك ولكنه لم يجتمع به، وليست له منه إجازة، ولا وِجادة. تفرعت عنه أربعة أنواع من الحديث الضعيف، وهي: المعلّق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع. الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث 72، ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، 66.

ص: 244

2 -

أو يكون خفيا (1) فلا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث، وعلل الأسانيد.

فالأول: وهو الواضح، يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، بكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكن، لم يجتمعا، وليست له منه إجازة (2)، ولا وجادة (3).

ومن ثم، احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم.

والقسم الثاني: وهو الخفي: المدلَّس -بفتح اللام- سمي بذلك لكون الراوي لم يُسمِّ من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به.

واشتقاقه من الدَلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء" (4).

فالسقط في الإسناد نوعان - كما ذكر ابن حجر-: سقط ظاهر، وسقط خفي، وهناك من عدَّ وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع (5)؛ والتعبير بنفي الاتصال يشمل ذلك كله سواء

(1) السقط الخفي: وهو ما لا يعرفه إلا الحذّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. تفرّع عنه نوعان من الحديث الضعيف، وهما: المدلَّس، والمرسَل الخفي. الخيرآبادي، المرجع السابق، 72. ينظر: الخضير، المرجع السابق 98.

(2)

الإجازة عند المحدثين تُعدّ قسم من أقسام نقل الحديث وتحمّله عن الشيوخ: وهي الإذن بالرواية أو التحديث لفظاً أو كتابة، ولها أنواع متعددة، واختلف النقاد في قَبول بعضها. للاستزادة ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 153، ابن الملقن، المقنع، 1/ 314، السخاوي، فتح المغيث، 2/ 219، الأعظمي، المعجم، 8.

(3)

الوِجادة: وهي أيضاً من أقسام تحمّل الحديث ونقله، ومثالها كما ذكره ابن الصلاح:"أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، ولا له منه إجازة، ولا نحوها. فله أن يقول (وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه أخبرنا فلان بن فلان) ويذكر شيخه، ويسوق سائر الإسناد، والمتن. أو يقول: (وجدت، أو قرأت بخط فلان عن فلان)، ويذكر الذي حدثه ومن فوقه". ابن الصلاح، علوم الحديث، 178، للاستزادة ينظر: ابن الملقن، المقنع، 1/ 334، ابن حجر، النزهة، 160، الأعظمي، المعجم، 522.

(4)

ابن حجر، النزهة، 103.

(5)

ذكر الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث تحت نوع المنقطع أنه على أنواع منها: "قد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع". الحاكم، علوم الحديث، 28، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57.

قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي عن رجل ونحوه متصل ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به" العلائي، جامع التحصيل، 96.

ص: 245

كان الساقط واحداً أو متعدداً، أو اختلف موضع السقط من الإسناد سواء كان في أوّله أو وسطه أو آخره.

وأنواع السقط الظاهر أربعة: المرسل، والمعلّق، والمنقطع، والمعضل، فإذا كان السقط في أول الإسناد فهو المُعلَّق، ومعناه في اللغة:"أن يناط الشيء بالشيء العالي"(1) وفي الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (2).

وتتفاوت شدة ضعف الإسناد كلما ازداد عدد الرواة الساقطون منه، وجُهلت عدالتهم وضبطهم، "وقد يُحكَم بصحته إن عُرِف، بأن يجيءَ مُسمّىً من وجه آخر

لكن، قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتاب اُلتزِمت صحته، كالبخاري، فما أَتى فيه بالجزم دل

على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حُذِف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال، وقد أوضحت أمثلة ذلك في النكت على ابن الصلاح" (3).

أما المرسل (4)، فمعناه في اللغة: من الإرسال بمعنى الإطلاق (5)، واصطلاحا: اُختلف في تعريفه، وأشهرها: هو ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان التابعي صغيراً أم كبيراً،

(1) ابن فارس، المقاييس، 4/ 125.

(2)

قال ابن الصلاح: "ثم إن لفظ التعليق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، حتى إن بعضهم استعمله في حذف كل الإسناد. مثال ذلك: قوله " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، قال ابن عباس كذا وكذا. روى أبو هريرة كذا وكذا. قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا، قال الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ". وهكذا إلى شيوخ شيوخه." ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 24، 69، ابن حجر، النزهة، 98.

(3)

ابن حجر، النزهة، 99 - 100.

وقد أفرد ابن حجر فصلاً كاملاً في مقدمة شرحه لصحيح البخاري في بيان السبب في إيراده للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة وشرح أحكام ذلك. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 24 - 26، ابن حجر، النكت، 1/ 323 - 324، ابن حجر، هدي الساري، 17 - 19.

(4)

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 51، ابن حجر، النزهة، 100، السيوطي، التدريب، 1/ 219، عتر، منهج النقد، 370، الغوري، الموسوعة، 3/ 246 - 247.

(5)

ينظر: الفيروزأبادي، القاموس، 1006.

ص: 246

ومنهم من جعل المرسل مختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم، ويجعل ما يرفعه صغار التابعين من المنقطع. (1)

وقد ذكر ابن حجر العلة من إدراج الحديث المُرسل ضمن أنواع الحديث الضعيف فقال: "وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة"(2)،

قال ابن الصلاح مستثنياً لما يُطلق عليه مرسل الصحابي (3): "ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه (4) مرسل الصحابي، مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم

(1) ينظر: ما ذكره ابن حجر من تفصيل لهذه التعريفات وتعقيبه عليها. ابن حجر، النكت، 2/ 542 - 546.

(2)

ابن حجر، النزهة، 101.

ومثال الحديث المرسل: ما أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل، كتاب الطهارة، حيث قال: "حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا)).

وعطاء بن أبي رباح من التابعين، وهو في هنا قد رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يذكر الواسطة التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرسل. ينظر: أبو داود، المراسيل، ، 74 ح (5).

(3)

مرسل الصحابي: هو الخبر الذي أرسله الصحابي الصغير عن النبي صلى الله عليه وسلم ; كابن عباس، وابن الزبير، ونحوهما ممن لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا اليسير، وكذا الصحابي الكبير فيما ثبت عنه أنه لم يسمعه إلا بواسطة. السخاوي، فتح المغيث، 1/ 192.

(4)

قال العراقي: "اعترض على المصنف في قوله ما يسمى في أصول الفقه بأن المحدثين أيضا يذكرون مراسيل الصحابة فما وجه تخصيصه بأصول الفقه والجواب: أن المحدثين وإن ذكروا مراسيل الصحابة فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها، وأما الأصوليون فقد اختلفوا فيها فذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني إلى أنه لا يحتج بها، وخالفه عامة أهل الأصول فجزموا بالاحتجاج بها

" العراقي، التقييد، 79 - 80.

ص: 247

الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة (1)، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم." (2)

والنوع الثالث من السقط الظاهر في السند هو المنقطع، وتعريفه في اللغة: القطع ضد الوصل (3)، واصطلاحا: عرّفه ابن عبدالبر فقال: "المنقطع عندي كل ما لا يتصل سواء

كان يُعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره" (4)، وتعريفه يمثّل مذهب المتقدمين من حيث شمول لفظ المنقطع عندهم لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره.

وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته حين اختصر أقوال من سبقه في بيان معاني المنقطع فقال: "أن المنقطع: منه الإسناد فيه قبل الوصول إلى (التابعي)(5) راو لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور، لا مُعينا ولا مُبهما، ومنه الإسناد الذي ذُكِر

(1) تعقّب العراقي ابن الصلاح فقال: "قوله (لأن روايتهم عن الصحابة) ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين."

وقد استدرك ابن حجر على ما ذكره العراقي فقال: " قلت: وهو تعقب صحيح، لكن ألزم بعض الحنفية من يَردُّ المرسل بأنه يلزم على أصلهم عدم قبول مراسيل الصحابة رضي الله عنهم وتقرير ذلك أنه إذا لم يُعلَم أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم احتمل أن يكون سمعه منه، أو من صحابي آخر، أو من تابعي ثقة، أو من تابعي ضعيف، فكيف يجعل حجة والاحتمال قائم؟

والانفصال عن ذلك أن يقال: قول الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ظاهر في أنه سمعه منه أو من صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادرا جدا لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله بينوه وأوضحوه.

وقد تتبعت روايات الصحابة رضي الله عنهم عن التابعين وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت، فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين، والله أعلم". ينظر: العراقي، التقييد، 75، ابن حجر، النكت، 2/ 570.

(2)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 56.

(3)

ابن سيده، المحكم، 1/ 162، ابن منظور، اللسان، 8/ 279.

(4)

ابن عبدالبر، التمهيد، 1/ 21.

(5)

قال المحقق نور الدين عتر في هامش تحقيقه: "الصواب (الصحابي)

لكن السهو وقع من الحاكم، وسرى إلى ابن الصلاح"، وهو ما ذهب إليه كذلك محقق المعرفة - ط دار ابن حزم- فقد استدرك على الحاكم قصره التعريف على المروي عن التابعي، وصوّب أن يُعمم التعريف في كل ما أُسند إلى قائل. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57، الحاكم، علوم الحديث، 173 ط دار ابن حزم بتحقيق السلوم.

ص: 248

فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل، أو شيخ، أو غيرهما (1) .... ومنها: ما حكاه الخطيب أبو بكر عن بعض أهل العلم بالحديث أن (المنقطع ما روي عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه، من قوله أو فعله)(2). وهذا غريب بعيد، والله أعلم" (3).

بينما خصّ المتأخرين تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي (4).

أما النوع الرابع من السقط الظاهر في الإسناد فهو المعضل، ومعناه في اللغة: من " (عَضل) العين والضاد واللام أصل واحد صحيح يدل على شدّة والتواء في الأمر. والأمر المعضل: وهو الشديد الذي يُعيي إصلاحه وتداركه."(5)

واصطلاحاً: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي (6).

(1) هذه الأنواع نقلها ابن الصلاح عن الحاكم. قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي (عن رجل) ونحوه: متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به". ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 27 - 28، العلائي، جامع التحصيل، 96.

(2)

هذا النوع يُطلق عليه المتأخرون المقطوع، قال ابن حجر: "المقطوع، وهو ما انتهى إلى التابعي. ومن دون التابعي من أتباع التابعين، فمن بعدهم، فيه، أي: في التسمية مثله، أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسمية جميع ذلك مقطوعا، وإن شئت قلت: موقوف على فلان.

فحصلت التفرقة في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع؛ فالمنقطع من مباحث الإسناد -كما تقدم- والمقطوع من مباحث المتن، كما ترى، وقد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا، وبالعكس، تجوزا عن الاصطلاح. ويقال للأخيرين، أي الموقوف والمقطوع: الأثر" ابن حجر، النزهة، 145. "تنبيه: تيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لا يجاوزه،

كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع)، وتبيُّنُه بالقرينة." الجديع، التحرير، 2/ 912.

(3)

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 57 - 59 باختصار.

(4)

ينظر: ابن حجر، النزهة، 102، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 195 - 197، السيوطي، التدريب، 1/ 235 - 236.

(5)

ابن فارس، مقاييس اللغة، 4/ 345. باختصار.

(6)

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 59، الذهبي، الموقظة، 40، ابن حجر، النزهة، 102، الأعظمي، المعجم، 433.

نبّه ابن حجر إلى وجود معنى آخر للمعضل فقال: "قد وجدت التعبير بالمعضل في كلام الجماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة

" ثم ذكر أمثلة لذلك وأتبعها بقوله: " فإذا تقرر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضَل الذي عرَّف به المصنف وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، وهذا الذي نقلناه من كلام هؤلاء الأئمة بكسر الضاد ويعنون به المستغلقَ الشديد. وفي الجملة فالتنبيه على ذلك كان متعينا.

فإن قيل: فمن سلف المصنف - في نقله - أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان فصاعدا؟ قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني ومن تبعه. وقد حكاه الحاكم في علوم الحديث عنهم." ابن حجر، النكت، 2/ 575 - 579.

ص: 249

"سمي بذلك لأن الحديث بسقوط واحد يصير مردودا، فإذا سقط منه اثنان أو أكثر كان أمره أشد، فكأن المحدث بهذا الإسقاط أعضله، أي أعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه"(1)

قال ابن الصلاح: "وهو لقب لنوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلا"(2).

تلك الأنواع الأربعة السابقة تندرج تحت السقط الظاهر، أما السقط الخفي فيندرج تحته نوعان هما: المُدلّس، والمرسل الخفي (3).

والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (4) قال ابن حجر:"واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء". (5)

(1) عتر، منهج النقد، 379.

(2)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 59.

ومثال المعضل من الحديث، - والذي سقط من إسناده راويان أو أكثر على التتالي- بلاغات الإمام مالك رحمه الله ومنها ما جاء في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((استقيموا ولن تحصوا. واعملوا، عتر، منهج النقد، 379. مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1406 هـ = 1985 م) 1/ 34 ح (36).

(3)

وسبق الإشارة إليهما في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح.

(4)

ينظر: الجوهري، الصحاح، 3/ 930. الفيروزآبادي، القاموس، 546.

(5)

ابن حجر، النزهة، 103. وقال في النكت:"وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ابن حجر، النكت، 2/ 614.

ص: 250

والتدليس من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد.

ومعناه في الاصطلاح: أشار إليه الشافعي بقوله: "يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه"(1) وعرّفه ابن الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر."(2)، وتعريفه عام يشمل التدليس والإرسال الخفي؛ لذا تعقّبه ابن حجر وفرّق بينهما فقال:"وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي."(3)، وأشار إلى وجه الاختلاف بينهما بقوله: "والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي

دقيق،

وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.

ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما." (4)

وللتدليس أنواع ذكر ابن الصلاح منها نوعين هما: تدليس الإسناد - السابق تعريفه- وتدليس الشيوخ: "وهو: أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يُكنِّيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به، كي لا يعرف."(5) وقد استدرك عليه العراقي نوعاً ثالثاً فقال: "ترك المصنف رحمه الله قسما ثالثا من أنواع التدليس، وهو شر الأقسام، وهو الذى

(1) الشافعي، الرسالة، 371.

(2)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 73.

(3)

ابن حجر، النكت، 2/ 614.

(4)

ابن حجر، النزهة، 31، ينظر: القريوتي، الإرسال والتدليس، .

(5)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 74.

ص: 251

يسمونه تدليس التسوية" (1) وهذا النوع هو الذي أشار إليه الخطيب بقوله: "وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ويُحسّن الحديث بذلك" (2)، إلا أن ابن حجر تعقّب العراقي في ذلك، فقال:

"عندي أن ما فعله ابن الصلاح هو اللائق، والتحقيق أنه ليس لنا إلا قسمان:

الأول: تدليس الإسناد، والثاني: تدليس الشيوخ.

ويتفرع على الأول تدليس العطف، وتدليس الحذف.

وأما تدليس التسوية، فيدخل في القسمين، فتارة يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة يسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند،

وهذا يسميه القدماء: تجويدا، فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء" (3)

وأوضح المراد بتدليس القطع والعطف بقوله: "ويلتحق بتدليس الإسناد تدليس القطع: وهو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على قوله مثلا الزهري (4) عن أنس (5). وتدليس العطف:

(1) العراقي، التقييد، 95. ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 105، ابن رجب، شرح العلل، 2/ 825، السيوطي، التدريب، 1/ 257.

(2)

الخطيب، الكفاية، 364.

(3)

البقاعي، النكت، 1/ 451.

(4)

محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر المدني، قال عنه الذهبي:"أحد الأعلام"، وقال ابن حجر:"الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه" مات سنة 124 هـ، وقيل: 125 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 219 (5152)، ابن حجر، التقريب، 506 (6296).

(5)

قال ابن حجر: "تدليس القطع مثاله ما رويناه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره.

عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها". النكت، 2/ 617.

ص: 252

وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخا آخر له ولا يكون سمع ذلك من الثاني (1) " (2)

والرواة المدلسون مراتب وطبقات، فمنهم من يُدلس عن الثقات ومنهم من يُدلِّس عن الضعفاء، وحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (3)

نخلص مما سبق:

أن السقط في الإسناد نوعان: سقط ظاهر، وسقط خفي، وعدّ بعضهم وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع؛ لذا كان التعبير بنفي الاتصال يشمل كل ما يُعلّ به الحديث في سنده من حيث السقط الظاهر أو الخفي، وسواء كان الساقط واحداً أو متعدداً، متفرقاً، أو متتالياً، وسواء كان السقط في أوّل الإسناد أو وسطه أو آخره، فإن انقطاع السند يطعن في صحته

وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلاً للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضاً واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.

(1) "تدليس العطف وهو: أن يروي عن الشيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع - أيضا - وإنما حدث بالسماع عن الأول، ثم نوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان.

مثاله: ما رويناه في "علوم الحديث" للحاكم قال:

"اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه. ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئا؟

قالوا: لا فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا؟ " ابن حجر، النكت، 2/ 617. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 105.

(2)

ابن حجر، طبقات المدلسين، 16.

(3)

سبق بيان مراتب المدلسين في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح، ينظر: العلائي، جامع التحصيل، 113 - 114، ابن حجر، طبقات المدلسين، 13 - 14، القريوتي، الإرسال والتدليس، 47 - 48.

ص: 253

السبب الثاني: الطعن (1) في عدالة الرواة أو أحدهم:

سبق في فصل الصحيح بيان معنى العدالة، والمراد منها، ومن ذلك قول ابن الصلاح: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا

وتفصيله أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة." (2)

وجاء عن الإمام مالك رحمه الله قوله: "لا يؤخذ العلم من أربعة، وخذوا ممن سوى ذلك؛ لا يؤخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لا يعرف ما يحدث."(3)

والطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال أو البدعة، قال ابن حجر:"ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط."(4)

"أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس:

1 -

الأول بالكذب 2 - والثاني باتهامه بالكذب 3 - والثالث بالفسق 4 - والرابع بالجهالة 5 - والخامس بالبدع" (5) وهي على التفصيل كما يلي:

(1) "المراد بالطعن الخضير، الحديث الضعيف، 116.

(2)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 104 - 105.

(3)

ابن عدي، الضعفاء، 1/ 178، ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 32، الخطيب البغدادي، الكفاية، 160.

(4)

ابن حجر، النزهة، 106.

(5)

الدهلوي، أصول الحديث، 63.

ص: 254

الأول: طعن الراوي ووصفه بالكذب:

وذلك: إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، متعمداً الكذب، ويثبت كذبه في الحديث النبوي إما بإقرار الواضع، أو بغير ذلك من القرائن، ويُسمّى حديث المطعون بالكذب موضوعاً. (1)

الثاني: اتهام الراوي بالكذب:

"بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي."(2)، ويُسمّى حديث المتهم بالكذب متروكاً. (3)

وقد سبق معنا قريباً قول الإمام مالك: "لا يؤخذ العلم من أربعة،

ذكر منهم: ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

" (4)

الثالث: طعن الراوي ووصفه بالفسق:

و"أصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة، والجَوْر، وبه سُمّي العاصي فاسقا."(5)

وقيل: الفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة. (6)

(1) سيأتي - بإذن الله-الكلام عن الموضوع بشكل موسّع في الفصل الخاص به.

ومثال الرواة الموصوفين بالكذب: معلى بن هلال الطحان كوفي، قال عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وسفيان بن عيينة: كذاب، وقال النسائي: معلى بن هلال ممن يضع الحديث. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، 8/ 99 - 101 (1854).

(2)

ابن حجر، النزهة، 106.

(3)

مثال الرواة المتهمين بالكذب: "إسماعيل بن يحيى الشيباني ويقال له الشعيري متهم بالكذب" ابن حجر، التقريب، 110 (494)، "حمزة بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي، واسم أبيه ميمون وقيل عمرو متروك متهم بالوضع" ابن حجر، المرجع السابق 179.

(4)

الخطيب البغدادي، الكفاية، 160.

(5)

ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 3/ 446.

(6)

العراقي، شرح التبصرة، 1/ 327، السخاوي، فتح المغيث، 2/ 5.

ص: 255

والمراد بالفسق هنا: الفسق العملي أي بالقول أو الفعل، أما الفسق بالمعتقد فهو داخل في الابتداع، وأكثر ما تُستعمل البدعة في الاعتقاد. والكذب وإن كان داخلا في الفسق العملي لكنهم عدوه أصلا على حدة، وأفردوه بالذكر في أولى مراتب الطعن في عدالة الراوي؛ لكون الطعن به أشد وأغلظ. (1)

وخبر الفاسق بارتكاب الكبائر والخروج عن طاعة الله تعالى لا يُقبل، وإن لم يظهر عليه الكذب، لأنه لا يؤمن أن يقع فيه حيث إنه مستهتر بمقام ربه، قد هتك الستر بينه وبينه والعياذ بالله، ولأن النصوص قد نهت عن قبول خبره بمجرد الفسق. إلا إذا أقلع عن ذنبه وتاب توبة نصوحا تبدل ما كان من حاله، إلى حال التقى فإنه يقبل خبره وتعود عدالته؛

لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (2). أما من لم يقع في الكبيرة، ولا عرف بالإصرار والاستهتار في الصغائر، فإنه يقبل حديثه، ويغتفر له ما قد يبدو منه من الهفوات، ويوهب نقصه لفضله. (3)

الرابع: طعن الراوي ووصفه بالجهالة:

(1) ينظر: ابن حجر، النزهة، 107، الدهلوي، أصول الحديث، 65.

مثال الرواة الموصوفين بالفسق: قال الذهبي في الميزان: "محمد بن عمر، أبو بكر الجعابى الحافظ من أئمة هذا الشأن ببغداد، على رأس الخمسين وثلثمائة، إلا أنه فاسق رقيق الدين". الذهبي، الميزان، 3/ 670 (8006).

(2)

سورة الفرقان، الآية: 70

(3)

ينظر: عتر، منهج النقد، 81 - 82. بتصرف يسير.

ص: 256

والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. (1) وسبب الطعن بالجهالة؛ لأنه لما لم يُعرف اسمه وذاته لم يُعرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة. (2)

وقال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد"(3).

وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور.

وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعداً ولم يُوثّق. (4)

وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعداً عنه قال الخطيب البغدادي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك

إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" (5).

"وإنما يصبح من طبقة (مجهول الحال) وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة أو (المستور) وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم"(6).

(1) ابن حجر، النزهة، 107.

(2)

ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، 65 - 66.

(3)

الخطيب البغدادي، الكفاية، 88.

(4)

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 111 - 112، ابن حجر، النزهة، 126.

(5)

الخطيب البغدادي، الكفاية، 88 - 89.

(6)

عتر، منهج النقد، 90

ص: 257

"الأصل في المجهول التوقف في حديثه حتى تستبين عدالته، وهو ملحق بالحديث الضعيف حكماً لفقدانه أحد شروط الصحة؛ إلا إن وجد مؤيد ومقوٍّ له من متابعة أو شاهد، فإنها قد تجبره وترتقي به"(1).

الخامس: طعن الراوي ووصفه بالابتداع (2):

البدعة في اللغة: ابتداء الشيء لا عن مثال سابق، يُقال: أبدعت الشيء قولا أو فعلا: إذا

ابتدأته أو اخترعته لا عن سابق مثال. (3)

(1) عبدالجواد حمام، جهالة الرواة 2/ 1137.

وقد لخّص أثر الجهالة في الحكم على الرواية في النقاط التالية:

1 -

جماهير المحدثين على رد حديث مجهول العين وعدم الاحتجاج به؛ لفقدان شرط العدالة والضبط في راويه.

2 -

العدالة والضبط لا يثبتان عند جمهور المحدثين إلا بمُثبتٍ، والراجح أن الأصل في الراوي التوقف حتى تثبت عدالته وضبطه، ولا يقال: الأصل فيه الفسق.

3 -

جمهور المحدثين لا يحتجون بحديث مجهول الحال ما لم ترتفع جهالته من طريق معتبر.

4 -

نص كثير من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجح لكفَّة العدالة على كفَّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولا ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلا بدليل.

5 -

على القول بقبول حديث المستور فإنه لا يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولا يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال.

6 -

يحكم المحدثون على حديث الراوي المجهول بالقبول إذا كان موافقا للثقات، ويحكمون عليه بالرد والبطلان إذا خالف الثقات أو تفرّد بما يُنكر عليه.

7 -

محل الخلاف في حديث المجهول هو حالة تفرّده بما لا يظهر فيه مخالفة للثقات، ولم يتضمن المروي ما ينكر عليه سنداً ومتناً، وكان محتملاً.

8 -

حديث مجهول العين ليس بشديد الضعف، وهو صالح للاعتبار والتقوية إذا وجد له ما يقويه.

9 -

الأصل في الجهالة ألا تصنف في العلل لكونها من أسباب الضعف الظاهرة في الحديث، لكن المحدثين ربما توسعوا فأطلقوا العلة على كل سبب قادح ومنها الجهالة" حمام، المرجع السابق، 2/ 883 - 884.

(2)

يرى الدكتور خلدون الأحدب أن الجرح بالتبديع يلي في شدته الجرح بالكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لاتصاله بعقيدة المرء، وأن التهمة به تستلزم التمحيص والتثبت. إلا أن ترتيب ابن حجر لمسببات الطعن في الراوي حسب الأشد جعل الفسق العملي (بالقول أو الفعل) في مرتبة أشد، ورواية الفاسق جعلها ضمن المنكر المردود بلا خلاف، حيث قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه:"خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم".

بينما جعل الفسق الاعتقادي (البدعة) أخف في التجريح من الفسق العملي، وذكر اختلاف النقاد في رواية المبتدع بين القبول والرد. المراجع: الأحدب، أسباب اختلاف المحدثين 2/ 487. ينظر: مسلم، صحيح مسلم، 1/ 8، ابن حجر، النزهة، 106 - 128، الخضير، الضعيف، 155 - 156.

(3)

ينظر: ابن فارس، المقاييس، 1/ 209، ابن منظور، اللسان، 8/ 6.

ص: 258

وفي الاصطلاح: قال ابن حجر: "هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة."(1)

والبدعة "إما أن تكون بمكفر:

1 -

كأن يعتقد ما يستلزم الكفر.

2 -

أو بمفسق.

فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل. (2)

والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.

فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله. (3)

والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده:

فقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع.

وقيل: يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم.

(1) ابن حجر، النزهة، 107.

(2)

قال الخطيب البغدادي في الكفاية: "وذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء، الذين لا يُعرف منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة، وممن قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي فإنه قال: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، وحكى أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وروي مثله عن أبي يوسف القاضي "

قال ابن تيمية: "والبدع متنوعة، فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية

ليسوا ممن يتعمد الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا، وضلوا في بدعتهم، ولم تكن بدعتهم عن زندقة، وإلحاد، بل عن جهل، وضلال في معرفة معاني الكتاب". المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، 120، ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 1/ 67.

(3)

وقد رجّح الدكتور الخضير ما حققه ابن حجر. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، 166.

ذكر الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل -ضمن أقسام الصحيح المختلف فيه-: "روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء فإن رواياتهم عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين."

وقال ابن دقيق العيد: "الذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية؛ إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعة.

فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه فيما حُكي عنه". المراجع: الحاكم، الإكليل، 49، ابن دقيق العيد، الاقتراح، 58.

ص: 259

وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته (1)؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح " (2)

"وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء". (3)

وما وقع في صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما من وقوع الرواية عن بعض المبتدعة، فقد اعتذر الحافظ ابن حجر رحمه الله عن ذلك بأنه:"لم يكن داعية، أو كان وتاب، أو اعتضدت روايته بمتابع". (4)

ثم إن عدد هؤلاء الرواة - ممن فيهم بدعة - تسعة وستون، (5) وهو عدد يسير جداً مقارنة بعدد رواة البخاري وهم بضعة آلاف، وهذا يُظهر جلياً أن الرواية في الصحيح عن المبتدعة معدول بها عن الأصل. (6)

(1) قال عبدالرحمن بن مهدي: "ثلاثة لا يؤخذ عنهم: المتهم بالكذب، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، والرجل الغالب عليه الوهم والغلط"، وقال أيضاً:"من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك"، وسئل الإمام أحمد بن حنبل:"أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: "نعم يكتب عنه إ ذ لم يكن داعيا". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 126 - 128، ابن رجب، شرح العلل، 1/ 399.

(2)

ثم قال: "وأغرب ابن حبان؛ فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية، من غير تفصيل.

نعم، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيرد، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال"، فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق -أي عن السنة- صادق اللهجة؛ فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرا، إذا لم يقو به بدعته انتهى.

وما قاله متجه؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع، ولو لم يكن داعية، والله أعلم". ابن حجر، النزهة، 126 - 128. ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، 66 - 67.

(3)

الدهلوي، المرجع السابق، 67. قال الذهبي مُلخّصاً لهذه المذاهب: " فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده، فهو على مراتب: فمنهم: من بدعته غليظة. ومنهم: من بدعته دون ذلك.

ومنهم: الداعي إلى بدعته. ومنهم: الكافُّ، وما بين ذلك.

فمتى جمع الغلظ والدعوة، تجنب الأخذ عنه. ومتى جمع الخفة والكف، أخذوا عنه وقبلوه. فالغلظ كغلاة الخوارج، والجهمية، والرافضة. والخفة كالتشيع، والإرجاء. وأما من استحل الكذب نصرا لرأيه كالخطابية، فبالأولى رد حديثه." الذهبي، الموقظة، 85، ينظر: ابن رجب، شرح العلل، 1/ 357 - 358.

(4)

ابن حجر، هدي الساري، 459.

(5)

تقسيم الرواة حسب ثبوت البدعة وتوفر شروط القبول:

1 -

الرواة الذين لم تثبت لهم بدعة أو تابوا عددهم واحد وثلاثون.

2 -

الرواة الذين ثبتت لهم بدعة وتوافرت فيهم شروط القبول عددهم أربعة وثلاثون.

3 -

الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول، وقُبلت روايتهم لاعتبارات أخرى هو راوٍ واحدٍ فقط.

4 -

الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول عددهم ثلاثة. ينظر: إندونيسيا خالد حسون، منهج الإمام البخاري في الرواية عمن رمي بالبدعة، 2/ 984.

(6)

ينظر: العثمان، المحرر في مصطلح الحديث، 404 - 405 بتصرف.

ملاحظة: "ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن رجال الجرح والتعديل عدوا في مصنفاتهم كثيرًا ممن رُمِيَ ببدعة، وسَنَدُهم في ذلك ما كان يقال عن أحد من أولئك أنه شيعي أو خارجي، أو ناصبي أو غير ذلك، مع أن القول عنهم بما ذُكر قد يكون تقوُّلا، وافتراء، ومما يدلُّ عليه أن كثيرًا ممن رمي بالتشيع من رواة الصحيحين لا تعرفهم الشيعة أصلا القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، 195.

ص: 260

نخلص مما سبق:

الطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل، وتتأثر شدتها كذلك حسب تشدد الناقد أو تساهله، وغالب دلالات هذه الألفاظ مرتبط بجانبي العدالة والضبط عند الراوي (1)، والتي تؤثر في درجة ضعف الحديث بين الضعف المحتمل والشديد، ولأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية كان الطعن فيها أشد.

(1) وذلك مبسوط في كتب الجرح والتعديل. ومن ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في مراتب جرح الرواة: منهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.

ومنهم من ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 1/ 10 بتصرف يسير، ينظر كذلك: ابن الصلاح، علوم الحديث، 121 - 127، مقدمة ابن حجر في كتابه تقريب التهذيب، ابن حجر، التقريب، 74 - 76.

ص: 261

السبب الثالث: الطعن (1) في ضبط الرواة أو أحدهم:

سبق الحديث عن المراد بالضبط وأنواعه ضمن قيد الضبط في فصل الحديث الصحيح،

والضبط نوعان وضّحهما ابن حجر رحمه الله بقوله:

"والضبط: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه."(2)

والمراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته (3) مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ولا ريب أن هذه الصفات تتفاوت بين الجرح الخفيف والشديد، أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله:"ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط. ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر؛ لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد"(4)، فلم يحرص رحمه الله على التمييز بين

(1) المراد بالطعن: جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، 116.

(2)

ابن حجر، النزهة، 69. ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 168، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 28، الدهلوي، أصول الحديث، 62.

(3)

بعد أن ذكر الدكتور نور الدين عتر تعريف الحديث الضعيف، وسرد شروط الحديث المقبول أضاف قيداً لشرط الضبط بقوله (ولو لم يكن تاماً)، ثم علل لهذه الإضافة، فقال مستدركاً على من سبقه:"كذا عدها البقاعي والسيوطي وغيرهما: لكن عبروا بقولهم: "الضبط" بدون زيادة "ولو لم يكن تاما". وهذا مشكل لأنه إذا فقد تمام الضبط بأن خف ضبط الراوي، فإنه يصير عندئذ حسنا، ولا يكون ضعيفا، لذلك كان الصواب في التعبير عن هذا الشرط ما قلناه: "الضبط ولو لم يكن تاما". عتر، منهج النقد، 286.

(4)

ابن حجر، النزهة، 106.

ص: 262

وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة وبين وجوه الطعن المتعلقة بالضبط إنما سردها حسب شدة الطعن من الأشد وهو الوصف بالكذب إلى الأخف وهو الوصف بسوء الحفظ.

"أما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضا خمسة:

1 -

فرط الغفلة.

2 -

كثرة الغلط.

3 -

مخالفة الثقات.

4 -

الوهم.

5 -

سوء الحفظ." (1)

وهي على التفصيل كما يلي:

الأول: وصف الراوي بفحش الغلط:

الغلط في اللغة: خلاف الإصابة، وأن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه. (2)

والمراد بفحش الغلط: أي: كثرته، وفحش الغلط في رواية الراوي أي: غلبة غلطه على صوابه. (3)

قال سفيان الثوري: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك"(4).

الثاني: وصف الراوي بكثرة الغفلة:

المغفل في اللغة: من لا فطنة له (5)، والغفلة: عدم الفطنة لتمييز الصواب من الخطأ.

(1) الدهلوي، أصول الحديث، 69.

(2)

ينظر: ابن فارس، المقاييس، 4/ 390، ابن منظور، اللسان، 7/ 363.

(3)

ينظر: ابن حجر، النزهة، 107، الغوري، الموسوعة، 2/ 567.

(4)

الخطيب البغدادي، الكفاية، 144.

مثال الراوي الذي تُرك حديثه لكثرة غلطه: أيوب ابن خوط أبو أمية البصري، قال عمرو بن علي:"كان أيوب أميا لا يكتب وهو متروك الحديث ولم يكن من أهل الكذب كان كثير الغلط كثير الوهم". ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 246 (876)، ابن عدي، الضعفاء، 2/ 7 (181).

(5)

الفراهيدي، العين، 4/ 419، ابن منظور، اللسان، 11/ 492.

ص: 263

والمراد بكثرة غفلة الراوي في الرواية: غلبة غفلته على تيقّظه فلا يتقنها. (1)

و"فرط الغفلة وكثرة الغلط متقاربان، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث، والغلط في الإسماع والأداء"(2)، وقد أطلق ابن حجر وصف النكارة على حديث فاحش الغلط أو كثير الغفلة فقال:"فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر"(3).

وقد أشار الحميدي إلى بعض أنواع الطعون التي يُردّ بها الحديث، وذكر منها: فحش الغلط، وأوضح المراد بالغفلة التي يُردّ بها حديث الراوي فقال:

"فإن قال قائل: فما الشيءُ الذي إذا ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولا؟

قلنا: أن يكون في إسناده رجل غيرُ رِضا، بأمرٍ يَصِحُّ ذلك عليه: بكذب، أو جَرْحَةٍ في نفسه تُردُّ بمثلها الشهادة، أو غلطا فاحشا لا يَشْبَهُ مثله، وما أشبه ذلك.

فإن قال: فما الغفلة التي تَرُدُّ بها حديث الرجل الرِّضا الذي لا يُعرَفُ بكذب؟

قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيُقال له في ذلك، فيترُك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا، أو يُغيِّره في كتابه بقولهم، لا يَعقِل فرق ما بين ذلك، أو يُصحِّف تصحيفا فاحشا، فيقلب المعنى لا يَعقِلُ ذلك، فيُكَفُّ عنه" (4)

الثالث: وصف الراوي بالوهم:

(1) ينظر: ابن حجر، النزهة، 107، الغوري، الموسوعة، 2/ 715.

(2)

الدهلوي، أصول الحديث، 69.

(3)

ابن حجر، النزهة، 113، وزاد السيوطي إطلاق وصف الترك على أحاديثهم، فقال:"الحديث الذي لا مخالفة فيه، وراويه متهم بالكذب، بأن لا يروى إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي، أو كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة يسمى المتروك" السيوطي، التدريب، 1/ 280، ينظر: السيوطي، الألفية، 23.

(4)

ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 33 - 34.

مثال الراوي كثير الغفلة: المسيب بن شريك التميمي كنيته أبو سعيد، أصله من بخارى سكن الكوفة

مات سنة 186 هـ، قال عنه ابن حبان:"وكان شيخا صالحا كثير الغفلة، لم تكن صناعة الحديث من شأنه، يروي فيخطأ ويحدث فيَهِم من حيث لا يعلم، فظهر من حديثه المعضلات التي يرويها عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل التعجب." ابن حبان، المجروحين، 3/ 24.

ص: 264

الوَهِم - بكسر الهاء - في اللغة: الغلط والسهو. (1)

والمراد بوهِم الراوي في الرواية: أي أخطأ وسها ورواها على سبيل التوهم.

والطعن على الراوي إنما يكون من جهة الوهم والنسيان وخطئه في الرواية، وكثيراً ما تُعلُّ الأحاديث بسبب الوهم وهذا أغمض علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزق فهما وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وأحوال الأسانيد والمتون. (2)

قال عبدالرحمن بن مهدي (3): "الناس ثلاثة ، رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه ، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة ، فهذا لا يترك حديثه ، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم ، فهذا يترك حديثه"(4).

الرابع: وصف الراوي بمخالفة الثقات:

المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (5).

(1) ينظر: ابن فارس، المقاييس، 6/ 149، ابن منظور، اللسان، 12/ 644.

(2)

الدهلوي، أصول الحديث، 70. ينظر: ابن حجر، النزهة، 107، الغوري، الموسوعة، 2/ 716.

ومثال الراوي كثير الخطأ والوهم: أشعث بن سوار الكندي النجار الكوفي، مات سنة 136 هـ، ضعفه ابن معين، وقال عنه ابن حبان:" فاحش الخطأ كثير الوهم". ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/ 171.

(3)

عبدالرحمن بن مهدى بن حسان العنبري، أبو سعيد البصري قال عنه الذهبي:"الحافظ، الإمام العالم، كان أفقه من يحيى القطان، قال على ابن المديني: أعلم الناس بالحديث عبدالرحمن"، وقال ابن حجر:"ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث"، مات سنة: 198 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 645 (3323)، ابن حجر، التقريب، 351 (4018).

(4)

ابن عدي، الضعفاء، 1/ 264، ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 38، الخطيب البغدادي، الكفاية، 143.

(5)

ينظر: ابن سيده، المحكم، 5/ 201، الفيروزآبادي، القاموس، 808 مادة (خلف).

ص: 265

وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه"(1).

والمراد بها: مخالفة الراوي - سواء كان ثقة أو ضعيف- لمن هو أرجح منه، فإن كان المُخالِف ثقة سُمِّي حديثه في اصطلاح المتأخرين شاذاً، وإن كان المُخالِف ضعيفاً سُمِّي

حديثه منكراً. (2) قال ابن حجر: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا."(3)

ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (4)

(1)"سبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها". أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، 259.

(2)

ينظر: ابن حجر، النزهة، 87، الخيرآبادي، المعجم، 134.

هذا هو اختيار ابن حجر؛ وإلا فإن ابن الصلاح، ومن وافقه، عندهم الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وقد سبقت الإشارة في الفصول السابقة لمعنى الشذوذ والنكارة، وسيأتي تفصيل كل مصطلح في الفصل الخاص به بإذن الله.

مثال الراوي الموصوف بالمخالفة: " أشعث بن براز الهجيمي، كنيته أبو عبد الله، من أهل البصرة، يروي عن: قتادة وعلي بن زيد، روى عنه: زيد بن حباب، ومسلم بن إبراهيم، يخالف الثقات في الأخبار، ويروي المنكر في الآثار حتى خرج عن حد الاحتجاج به." ابن حبان، المجروحين، 1/ 173.

(3)

ابن حجر، هدي الساري، 384.

(4)

ينظر: ابن حجر، النزهة، 114 - 119.

ص: 266

وجعل المخالفة "من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط، من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغير والتبديل". (1)

الخامس: وصف الراوي بسوء الحفظ:

ذكر ابن حجر المراد بسوء الحفظ بقوله: "من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه"(2)، وعرفه كذلك بأنه "عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته"(3)، وفرّق بين كثير الغلط وسيِّئ الحفظ فقال:

(1) الدهلوي، أصول الحديث، 70.

(2)

ابن حجر، النزهة، 129.

(3)

ابن حجر، المرجع السابق، 107. ملاحظة: اختلفت طبعات تحقيق كتاب النزهة-حسب اطلاعي- في بيان معنى سوء الحفظ، وترجيح أي العبارتين أصوب:

1 -

(عمن يكون غلطه أقل) هكذا في طبعة سفير الأولى بتحقيق الرحيلي حيث قال معلقاً في هامشها: "هذا هو الصواب، كما في الأصل، وفي بعض النسخ التي اطلعت عليها: عن أن لا يكون غلطه أقل .... وهذا غلط واضح وعكس للمقصود من العبارة! ."، وهي موافقة لطبعة الصباح بتحقيق نور الدين عتر.

2 -

وشاء الله ان أطّلع على الطبعة الثانية لتحقيق الدكتور الرحيلي، فوجدته قد غيّر اختياره السابق، فوضع عبارة (عن أن لا يكون غلطه أقل) في المتن، وقال في حاشيته:"في الأصل (عمن يكون) وهو لا يستقيم مع ما سيذكره المصنف أن سوء الحفظ المراد به: من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه، والمثبت من عدة نسخ. وقد نبّه على هذا الخطأ كثير من شراح النزهة." ووافقته طبعة دار الآثار، وكذلك ما ذهب إليه الدهلوي في أصول الحديث حيث قال:"وأما سوء الحفظ فقالوا: إن المراد به: أن لا يكون إصابته أغلب على خطئه، وحفظه وإتقانه أكثر من سهوه ونسيانه. يعني إن كان خطأه ونسيانه أغلب أو مساويا لصوابه وإتقانه كان داخلا في سوء الحفظ، فالمعتمد عليه صوابه وإتقانه وكثرتهما"

وما ذهب إليه الرحيلي في طبعته الثانية، وما ذكره الدهلوي يشير إلى ترجيحهم أن معنى سوء الحفظ ألا يكون غلطه أقل من إصابته، وهذا قد يوقع في إشكال بيان الفرق بين الراوي كثير الغلط أو فاحشه وبين الراوي سيِّئ الحفظ.

ولعل ما حرره الجديع في هذه المسألة بذكر درجات الراوي سيِّئ الحفظ

المراجع: ابن حجر، النزهة، 107 الطبعة الأولى، 105 الطبعة الثانية، ابن حجر، نزهة النظر، تحقيق: نور الدين عتر، 89. ابن حجر، نزهة النظر، ط دار الآثار، 33، الدهلوي، أصول الحديث، 71 - 72، ينظر: الجديع، التحرير، 1/ 436 - 456 باختصار.

ص: 267

"وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقلُّ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط

علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وأن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء.

وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيِّئ الحفظ، أو لَهُ أوهام، أو لَهُ مناكير وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه، كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك" (1)

أي: إن أُخرِج في الصحيحين أو أحدهما من رواية سيِّئ الحفظ أو كثير الغلط فالاعتماد على أصل الحديث لا على هذه الطريق، وإنما هي من باب المتابعات والشواهد، ونسبة رواية كثير الغلط -في المتابعات- أقل من سيِّئ الحفظ.

فوصف سيِّئ الحفظ - عند ابن حجر- في أدنى مراتب التجريح وأسهلها (2)، وفي أدنى مراتب طعن الراوي في ضبطه كما سبق معنا عند ترتيبه لوجوه الطعن في الراوي من الأشد إلى الأخف؛ لذا كانت روايته قابلة للانجبار إذا وُجد لها متابع فقال:

(1) ابن حجر، هدي الساري، 384.

(2)

وهو كذلك عند الذهبي- في مقدمة كتابه ميزان الاعتدال- حين ذكر مراتب جرح الرواة جعل سيِّئ الحفظ في أدناها وعلى كذلك العراقي في شرح التبصرة، وهي مرتبة من يُكتب حديثه، ويُنظر فيه للاعتبار.

وقال ابن حجر في مقدمة كتابه التقريب: "وأسهلها-أي: الألفاظ الدالة على الجرح- قولهم: فلان لين، أو سيِّئ الحفظ، أو: فيه أدنى مقال." بل نجده قد أطلق هذا الوصف في كتابه التقريب على ما يقرب من اثنين وعشرين راوياً قرن سوء الحفظ بالصدق فقال: "صدوق سيِّئ الحفظ في واحد وعشرين منهم أرقام تراجمهم في التقريب كما يلي: 440 - 1450 - 1718 - 1895 - 2054 - 2178 - 2237 - 2687 - 2792 - 3095 - 4011 - 5870 - 6081 - 6933 - 6988 - 7010 - 7029 - 7154 - 7408 - 7563 - 8019. المراجع: ينظر: الذهبي، الميزان، 1/ 4، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 378، ابن حجر، التقريب، ابن حجر، النزهة، 175.

ص: 268

"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه،

صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع" (1)

بالإضافة إلى ما سبق، فإنه جعل سوء الحفظ على قسمين:

1 -

"إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث.

2 -

أو إن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي؛ إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء فهذا هو المختلط." (2)

فنجده وصف رواية سيِّئ الحفظ - إن كان لازماً للراوي- بالشذوذ، بينما أطلق وصف المنكر على رواية فاحش الغلط، والمنكر -عند ابن حجر- أشد ضعفاً من الشاذ. (3)

نخلص مما سبق:

المراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ويتفاوت الطعن بين الجرح

(1) ابن حجر، النزهة، 129.

(2)

ابن حجر، المرجع السابق 129.

(3)

"لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفا من الشاذ." ابن حجر، النكت، 1/ 237.

ص: 269

الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.

السبب الرابع: انتفاء العاضد (1) في الضعيف القابل للانجبار:

إن من الحديث ما يكون ضعفه يسيراً قابلا للانجبار في حال وجود ما يعضده ويقويه، وسبق معنا في الحديث الحسن بيان المراد من قيد المعاضدة والمتابعة، حيث خصّ هذا

القيد - من أنواع الحديث المقبول- الحديث الحسن لغيره، إذ كان فيه ضعف خفيف انجبر بالمُعاضِد من المتابع أو الشاهد، وأصبح في عداد المقبول، أما إن انعدم المُعاضِد بقي الحديث على حاله من الضعف.

فهذا السبب أو المسلك من مسالك الضعف إنما يخص أنواعاً من الضعيف وهو القابل للانجبار، أما غير القابل للانجبار فيظل على حاله سواء وُجد له متابع أم لم يوجد.

قال ابن الصلاح: "ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:

فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر.

ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.

(1) سبق بيان معنى المعاضدة والمصطلحات الدالة عليها والغرض منها في قيد المتابعة والمعاضدة في الحديث الحسن.

ص: 270

وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم." (1)

وقال ابن حجر في كتابه النزهة:

"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه

صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه." (2)

ولتقوية الحديث الضعيف شروط، حصرها الدريس في ستة شروط (3) على النحو التالي:

(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 34.

"فالضعف الخفيف أو اليسير في الحديث: بأن يكون سبب ضعفه سوء حفظ أحد الرواة، أو الانقطاع في السند، أو الجهالة في الرواة. فالحديث المعلق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع، والمدلَّس، والمرسل الخفي، وحديث المختلِط، والمتلقِّن، ومجهول العين، ومجهول الحال، والمبهم، ضعف هذه الأحاديث خفيف، ترتقي إلى الحسن لغيرها إذا رويت من طريق آخر أحسن منها أو مثلها، أو الطرق الأخرى

والضعف الشديد (في الحديث): بأن يكون سبب ضعفه الكذب، أو التهمة بالكذب، أو البدعة، أو الفسق، أو كثرة الخطأ، أو الشذوذ، أو النكارة، أو الوهم.

فالحديث الموضوع، والمتروك، وحديث المبتدع إذا كان في بدعته، وحديث الفاسق، وكذلك الحديث الشاذ والمنكر بأنواعه الستة: المدرج، والمقلوب، والمزيد في متصل الإسناد بشروطه، والمضطرب، والمصحَّف، والمحرَّف، وكذلك المعلول. هذه الأحاديث ضعفها شديد لا ترتقي إلى درجة الحسن لغيرها. ينظر، الخيرآبادي، المعجم، 89.

(2)

ابن حجر، النزهة، 129 - 130، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 94، الفحل، العلل، 35.

(3)

يُضاف إليه شرط سابع ذكره الجديع في كتابه تحرير علوم الحديث، وهو: أن يكون حديثاً له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه. أي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثاً مرفوعاً، وجب في جابره أن يكون مرفوعاً، صراحة أو حكماً؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل.

ويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث. ولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

أولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم، وهذا يكون صحيحاً أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً.

ثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة، فالحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل.

ثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به، حيث يستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية. أما عد ذلك العمل منهم دليلاً على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث.

رابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به، وهذا أضعف مما تقدم.

خامسها: تقوية الحديث عن طريق الكشف، وهذا يُذكر عن بعض متأخري الصوفية،

وليس هذا بطريق من طرق العلم.

سادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع، وهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين،

وهذا منهج يضرب عن قوانين الحديث صفحاً، ويسقط الاعتداد بالقواعد. ينظر: الجديع، التحرير، 2/ 1087 - 1094، المرتضى الزين، مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث 22 - 34، 81 - 83.

ص: 271

1 -

أن لا يكون فيه متهم بالكذب أو من لا يُعتبر به.

2 -

أن يروى من وجه آخر فأكثر،

وأقل ما تحصل به تقوية الضعيف أن يروى من وجه آخر صالح للاعتبار، وكلما كثرت الطرق المعتبر بها، كلما قوي الظن بثبوت الحديث (1).

3 -

عدم مخالفته لما هو أقوى منه (2).

4 -

أن لا يختلف معنى المتن (يُشترط في متن الشاهد أن يكون موافقاً في معناه لحديث الأصل)(3).

5 -

اختلاف المخارج، والمقصد من اشتراط ذلك: أن يكون للحديث أكثر من راوٍ واحد، وحتى لا تكون الطرق المتعددة في حقيقتها تدور على راوٍ واحد، ولا شك

(1)"والمعمول به عند من يرى أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه الضعيفة أن الحديث الضعيف يتقوى بمتابع أو شاهد إذا كان صالحاً للاعتبار وسلم من الشذوذ، فكل ما كان صالحاً للاعتبار فهو مساوٍ من حيث القوة النسبية للحديث الأول." الدريس، الحسن، 5/ 2186، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 34، ابن حجر، النكت، 1/ 409.

(2)

لأنه بالمخالفة يكون شاذاً أو منكراً، وسيأتي الحديث عن الشذوذ المردود ضمن مسالك الضعف إلى الحديث، وذلك في المسلك التالي.

(3)

يؤيد ذلك قول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي: "يروى نحوه من غير وجه، يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم ". وقال أيضاً: " المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه." ابن رجب، العلل، 2/ 606.

ص: 272

أنه كلما كانت المخارج مختلفة ومتنوعة مع صلاحيتها للاستشهاد كان ذلك أقوى وأكمل وأبلغ في انجبار الضعف (1).

6 -

أن يحصل غلبة ظن بقوة الحديث من مجموع الطرق الضعيفة. (2)

ومن الأسباب التي قد تكون مانعة لتقوية الحديث الضعيف المعتضد بحديث آخر مثله قابل للاعتضاد، ولها تأثير في غلبة ظن الباحث ما يلي:

- أن يترجح للناقد أو الباحث خطأ الراوي الشاهد أو خطأ الراوي الأول (3).

- أن يكون المتن فيه إثبات فرض أو تحريم (4).

- تفرد الضعيف بما لا يُحتمل له. (5)

(1) اشترط ابن رجب كذلك تعدد الطرق واختلاف المخارج في المتابِع، فقال:"يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير ذلك الإسناد. فعلى هذا الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهماً، كله حسن؛ بشرط أن لا يكون شاذاً، مخالفاً للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة." المرجع السابق.، ويؤيده كذلك قول ابن حجر:"فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا". ابن حجر، الفتح، 8/ 439.

(2)

نقل الخطيب البغدادي عن عبدالرحمن بن مهدي قوله في الحافظ المتقن: "ويجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء، ويروي ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه". الخطيب البغدادي، الكفاية، 165.

(3)

وقال ابن حجر في النكت -في ضابط المرويات القابلة للانجبار-: "لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.". ابن حجر، النكت، 1/ 409.

(4)

قال ابن أبي حاتم في كتابه المراسيل: "سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا". ابن أبي حاتم، المراسيل، 7.

(5)

حيث يُطلق النقاد على هذه المرويات وصف: المنكر، والباطل، وما لا أصل له. ينظر: كتب العلل، وكتب التراجم الخاصة بذكر الضعفاء وبعض مروياتهم، كالضعفاء لابن عدي.

ص: 273