الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ألفيته بوصف الضعيف بأنه: "ما لم يبلغ مرتبة الحسن"(1)، وعبّر عن ذلك السيوطي (ت 911 هـ) بقوله:" هو الذي عن صفة الحسن خلا"(2).
أما ابن الملقن (ت 804 هـ) فقد لخّص تعريف ابن الصلاح، فقال في المقنع:"هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا الحسن"(3)، ثم أكّد ذلك في كتابه التذكرة بقوله:"والضعيف ما ليس واحداً منهما"(4)، أي: لم تتوفر فيه شروط الصحيح، ولا شروط الحسن.
بينما عرّف ابن حجر (ت 852 هـ) الضعيف بقوله: "كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول"(5).
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
دارت أغلب تعريفات الحديث الضعيف لبيان حده على نفي صفات الصحيح والحسن وشروطهما أو ما يُطلق عليها بشروط القَبول، وعددها ستة (6) ذكرها العراقي في شرح ألفيته حيث قال: "وشروط القبول هي شروط الصحيح والحسن، وهي ستة:
(1) العراقي، شرح التبصرة، 1/ 176.
(2)
السيوطي، الألفية، 12.
(3)
ابن الملقن، المقنع، 1/ 103.
(4)
ابن الملقن، التذكرة، 14.
(5)
ابن حجر، النكت، 1/ 492، واُعتبِر هذا التعريف للحديث الضعيف أسلم من الاعتراض، وأخصر من تعريف ابن الصلاح، حيث قال الدكتور عبدالكريم الخضير:"فإنه أسلم من الاعتراضات الواردة على تعريف ابن الصلاح في جمعه بين صفتي الحسن والصحة. كما أنه أخصر؛ إذ جمع اللفظين في لفظ واحد، وأسلم من تعريف العراقي ومن تبعه في اقتصاره على صفة الحسن، إذ قد يكون الحديث صحيحاً وليس بحسن كما ذكر ذلك جماعة". الخضير، الحديث الضعيف، 60.
(6)
أضاف ابن حجر لها شرطاً آخر فقال: "من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنه يقبل حتى يجب العمل به. وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول." ابن حجر، النكت، 1/ 494.
و"ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث وبين قبوله والعمل به؛ وذلك أن التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيء وقبول الحديث شيء آخر، فإذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنه لا يسمى صحيحا، ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال: "لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله" - المرجع السابق، 1/ 372 - فقد أشار رحمه الله إلى العمل ولم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية" فحل، علل الحديث، 42 - 43.
- اتصال السند.
- وعدالة الرجال.
- والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة. (1)
- ومجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور لم تعرف أهليته، وليس متهما كثير الغلط- أو ما عبّر عنه بعض من جاء بقولهم:"العاضد عند الاحتياج"-. (2)
- والسلامة من الشذوذ.
- والسلامة من العلة القادحة." (3)
فإذا انتفت صفة أو أكثر من صفات القَبول، صار الحديث ضعيفاً مردوداً، فالضعيف إنما هو نتاج انتفاء صفة أو أكثر من صفات القبول، أو بمعنى أدق: ما لم تجتمع فيه شروط
(1) قال ابن حجر: "والتعبير باشتراط الضبط أولى". ابن حجر، المرجع السابق، 1/ 493.
(2)
أضاف ابن حجر: "وكذا إذا كان فيه ضعيف بسبب سوء الحفظ، أو كان في الإسناد انقطاع خفيف أو خفي، أو كان مرسلا. كما قررنا ذلك في الكلام على الحسن المجبور." ولخّص ذلك كلٌ من البقاعي والسخاوي بقولهم: ووجود العاضد عند الاحتياج إليه. المراجع: ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 1/ 493، البقاعي، النكت، 1/ 307، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 126.
(3)
ينظر: العراقي، شرح التبصرة، 1/ 176 - 177 باختصار.
القَبول (1)، وبالنظر إلى هذه الشروط يمكن صياغة مسببات الضعف أو مسالك الضعف إلى الحديث (2) على النحو الآتي:
- السقط في السند أو نفي اتصاله.
- الطعن في عدالة الرواة أو أحدهم.
- الطعن في ضبط الرواة أو أحدهم.
- انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار.
- الشذوذ المردود. (3)(تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه)(4)
(1)"تبعاً لتخلف أي صفة من صفات القبول يتنوع الضعيف، فهو أنواع كثيرة، أوصله ابن حبان إلى خمسين قسماً إلا واحداً، والعراقي إلى اثنين وأربعين قسماً، كما أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين قسما، وأوصلها آخر إلى مائة وتسعة وعشرين قسماً باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود؛ وإن لم يتحقق وجودها. وبلغت في إحصاء بعضهم إلى خمسمائة وإحدى عشرة صورة". الخضير، الحديث الضعيف، 60 - 61. ينظر: العراقي، شرح التبصرة، 1/ 179، البقاعي، النكت، 1/ 310، السيوطي، التدريب، 1/ 196، أبو شهبة، الوسيط، 276.
"السبب في الحكم على الحديث بالضعف لفقد أحد شروط القبول فباجتماع هذه الشروط ينهض الدليل الذي يثبت أن الحديث قد أداه رواته كما هو، فإذا اختل واحد منها فقد الدليل على ذلك.
وهنا يتضح لنا احتياط المحدثين الشديد في شروطهم لقبول الحديث، حيث جعلوا مجرد فقد الدليل كافيا لرد الحديث والحكم عليه بالضعف، مع أن فقد الدليل ليس دليلا محتما على الخطأ أو الكذب في رواية الحديث، مثل ضعف الحديث بسبب سوء حفظ الراوي وغلطه مع صدقه وأمانته، فإنه لا يعني أنه قد أخطأ فيه حتما، بل يحتمل أن يكون قد أصاب، لكن لما طرأ هذا التخوف القوي من وقوع الخطأ فيه حكمنا عليه بالرد.
كذلك ضعف الحديث بسبب فقد الاتصال فإنه يضعف للجهالة بحال الواسطة المفقودة، فيحتمل أن يكون من الثقات وأن يكون من الضعفاء، وعلى فرض أنه ضعيف فإنه يحتمل أن يكون أخطأ فيه أو حرفه
…
فأخذ المحدثون بعين الاعتبار احتمال الاحتمال، وجعلوا ذلك قادحا في قبول الحديث، وذلك غاية ما تكون الحيطة المنهجية في النقد العلمي." عتر، منهج النقد، 286 - 287.
(2)
سمّاها الدكتور عبدالكريم الخضير "مسالك الضعف إلى الحديث" وبعد أن عددها قال: "هكذا عدد بعض العلماء أسباب الضعف، لكن الحافظ ابن حجر-رحمه الله حصر أسباب الضعف في سببين رئيسيين، هما:
1 -
السقط في السند،
2 -
الطعن في الراوي. ولا فرق بين هاتين الوجهتين؛ إذ إن الشذوذ داخل في مخالفة الثقات التي هي من أوجه الطعن في الراوي، والعلة داخلة في وهم الراوي، وهو كذلك" الخضير، الحديث الضعيف، 63.
(3)
تقييد وصف الشذوذ بكونه مردوداً؛ وذلك للاختلاف في تعريف الشذوذ، وما يترتب على ذلك من أثر في قبول الحديث أو رده، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في قيد نفي الشذوذ في الحديث الصحيح وفي الحديث الحسن، ويأتي تفصيله - بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.
(4)
زاد بعضهم قيد: (وتعذّر الجمع بينهما). السخاوي، فتح المغيث، 1/ 244.
- وجود العلة القادحة (1) في القبول.
وكل سبب من هذه الأسباب سيأتي بيانه وتفصيله، وتجدر الإشارة -قبل الخوض في تفاصيلها- إلى تفاوت مراتب رواة الضعيف، وتفاوت الضعف من حيث خفته وشدته، وقد أشار الذهبي في كتابه الموقظة إلى ذلك فقال:"فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في "السنن" وفي كتب الفقهاء، ورواته ليسوا بالمتروكين: كابن لَهِيعَة (2)، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم (3)،
وأبي بكر بن أبي مريم الحمصي (4)، وفرج بن فضالة (5)، ورِشْدين (6)، وخلق كثير." (7)
(1) تقييد العلة بالقادحة؛ لإخراج ما قد يعتبره بعضهم علة لكنها ليست قادحة في صحة الحديث وقبوله، كالنسخ حيث اعتبره الترمذي علة في الحديث إلا أن النسخ ليس دليل ضعف في الحديث، وذلك لوجود أحاديث صحيحة لكنها منسوخة، قال العراقي:"أي فإن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح فاجنح له، أي مل إلى كلامه وإن يرد أنه علة في صحة نقله، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة، " ومن باب التأكيد بأن المراد في هذا الفصل ما يقدح في صحة الحديث وقبوله، ورده لضعفه. المراجع: يُنظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 93، العراقي، شرح التبصرة، 1/ 290، ابن حجر، النكت، 2/ 771، السيوطي، التدريب، 1/ 302.
(2)
عبدالله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبدالرحمن المصري الفقيه القاضي، نقل الذهبي في الكاشف تضعيفه، وقال:"العمل على تضعيف حديثه"، قال ابن حجر:"صدوق، خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون" قال ابن حبان: "أما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة وذاك أنه كان لا يبالي ما دُفِع إليه قراءةً سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكّب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المُدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه" قال ابن عدي: "حديثه حسن كأنه يستبان عمن روى عنه، وهو ممن يكتب حديثه". مات سنة 174 هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 2/ 13، ابن عدي، الضعفاء، 5/ 253 (977)، الذهبي، الكاشف، 1/ 590 (2929)، ابن حجر، التقريب، 319 (3563). ابن الكيال، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، 481 (25).
(3)
عبدالرحمن بن زيد بن أسلم القرشي العدوي مولاهم، المدني، قال ابن حبان:"كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك"، وقال الذهبي:"ضعفوه"، وقال ابن حجر:"ضعيف" مات سنة 182 هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 2/ 57، ابن عدي، الضعفاء، 5/ 441 (1105)، الذهبي، الكاشف، 1/ 628 (3196)، ابن حجر، التقريب، 340 (3865).
(4)
أبو بكر بن عبدالله بن أبي مريم الغساني، قيل اسمه: بكير وقيل: عبدالسلام، قال ابن حبان:"من خير أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ يحدث بالشيء ويهم فيه، لم يفحش ذلك منه حتى استحق الترك، ولا سلك سنن الثقات حتى صار يحتج به فهو عندي ساقط الاحتجاج به إذا انفرد"، وقال ابن عدي:"الغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه عليه الثقات وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولكن يكتب حديثه." قال الذهبي: "ضعفوه، له علم وديانة"، وقال ابن حجر:" ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط". مات سنة 156 هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 3/ 146، ابن عدي، الضعفاء، 2/ 213 (277)، الذهبي، الكاشف، 2/ 411 (6526)، ابن حجر، التقريب، 623 (7974).
(5)
فرج بن فضالة بن النعمان التنوخي، أبو فضالة الشامي الحمصي، قال ابن حبان:"كان ممن يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به"، وقال ابن عدي:" وهو مع ضعفه يكتب حديثه"، وقال الذهبي: ضعفه الدارقطني وغيره، وقواه أحمد"، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة 176 هـ، وقيل: 177 هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 2/ 206، ابن عدي، الضعفاء، 7/ 141 (1574)، الذهبي، الكاشف، 2/ 120 (4446)، ابن حجر، التقريب، 444 (5383).
(6)
"رِشْدين اثنان: أحدهما: رشدين بن كريب، مولى ابن عباس. والثاني: رشدين بن سعد المصري.
وكلاهما ضعيف فهذه الترجمة من الأسماء ليس فيها ثقة، فيما نعلم." ابن رجب، شرح العلل، 2/ 874، وقد رجّح الدكتور أبو غدّة في تحقيقه للموقظة بأن المراد هو الثاني.
رِشْدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري، أبو الحجاج المصري، وهو رشدين بن أبى رشدين، قال ابن حبان:"كان ممن يجيب في كل ما يسأل ويقرأ كل ما يدفع إليه سواء كان ذلك من حديثه أو من غير حديثه" وقال ابن عدي: "وهو مع ضعفه يكتب حديثه"، قال الذهبي:"قال أبو زرعة ضعيف، كان صالحا عابدا محدثا سيِّئ الحفظ" قال ابن حجر: "ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحا في دينه فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث" مات سنة 188 هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/ 303، ابن عدي، الضعفاء، 4/ 85 (669)، الذهبي، الكاشف، 1/ 397 (1575)، ابن حجر، التقريب، 209 (1942).
(7)
الذهبي، الموقظة، 33 - 34.
ثم أتبع الضعيف بنوع المطروح، وعرَّفه بأنه:"ما انحط عن رتبة الضعيف"(1)، فالضعيف الذي عناه بدايةً هو الذي يلي الحسن في المرتبة حيث عرّفه بأنه:"ما نقص عن درجة الحسن قليلا"(2) بينما هناك الضعف الشديد، والذي هو أدنى من الضعف
الخفيف، وأعلى من الموضوع، وسمّاه المطروح (3) ثم أتبعه بنوع الموضوع، وهو أشدّها ضعفاً. (4)
(1) الذهبي، المرجع السابق، 34.
(2)
الذهبي، المرجع السابق، 33.
(3)
وعدَّد أمثلة على رواته منهم: عمرو بن شمر، وصدقة الدقيقي، وحفص بن عمرو العدني، ثم قال:"وأشباه ذلك من المتروكين والهلكى، وبعضهم أفضل من بعض." الذهبي، المرجع السابق، 35. ينظر: العوني، شرح موقظة الذهبي، 56 - 58، عمرو عبدالمنعم سليم، شرح الموقظة، 43 - 44.
(4)
قال ابن الصلاح: "وهو المختلق المصنوع. اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه" ابن الصلاح، علوم الحديث، 98. وسيأتي بإذن الله مزيد بيان للموضوع في الفصل الخاص به.