الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:
المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:
المُدْرَج: بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من (أدرج).
والإدراج: لَفُّ الشيء في الشيء، ودَرَج الشيء في الشيء يدرُجُهُ دَرْجاً، وأدرجه: طواه وأدخله.
ومنه: أدرج الميت في الكفن والقبر: أدخله.
وأدرج الكتاب في الكتاب: أدخله، ودَرْجُ الكتاب: طيه وداخله. (1)
فمعنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء.
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً
(حسب الترتيب الزمني):
أشار السخاوي إلى المناسبة من ذكر الحديث المدرج بعد كلٍ من المعلل والمضطرب بقوله: "لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح"(2) وهو المضطرب، ولما كان مما يُعلُّ به كذلك إدخال متن ونحوه في متن، ناسب إردافه بالمدرج. (3)
(1) ينظر مادة (درج): الأزهري، تهذيب اللغة، 10/ 339، ابن سيده، المحكم، 7/ 320، الزبيدي، تاج العروس، 5/ 555.
(2)
السخاوي، فتح المغيث، 1/ 290.
(3)
ينظر: المرجع السابق، 1/ 297. بينما ذهب الزركشي إلى أن الأولى ذكر المدرج ضمن أنواع التدليس، فقال: "وأما تدليس المتون فهو الذي يسميه المحدثون المدرج وهو أن يدرج في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كلام غيره فيظن السامع أن الجميع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكره المصنف في النوع العشرين وكان ذكره هنا أنسب." الزركشي، النكت، 1/ 56، 2/ 113، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 243.
فالمدرج نوع من أنواع المعلول، ولا يُعدّ الكشف عن علة الإدراج في الحديث مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا يُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية. (1).
وإطلاق وصف الإدراج على بعض الأحاديث موجود في كلام الأئمة النقاد (2)، ولعل أقدم من ذكر حدّاً للمدرج هو الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ):
قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع الثالث عشر: "معرفة المدرج في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه صلى الله عليه وسلم ". (3)
تعريف الخطيب البغدادي (ت 463 هـ):
لقد صنَّف الخطيب البغدادي كتاباً في الأحاديث المدرجة، واسمه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ذكر فيه أنواعاً وأقساماً للحديث المدرج (4)، فقال:
هذا كتاب ذكرت فيه أحاديث يشكل شأنها على جماعة من أصحاب الحديث والأثر،
…
فمنها: أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة، فصار الكل مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) ينظر: الجديع، التحرير، 2/ 1016، حمزة عبدالله مليباري، الحديث المعلول قواعد وضوابط، 81.
(2)
لعل أول من استعمل مصطلح المدرج هو ابن المديني. ينظر: شرف محمود القضاة، حميد يوسف قوفي، المدرج وعلاقته بمباحث المصطلح الأخرى، 2 - 10. ينظر: ابن المديني، العلل، 77 ح (116)، الترمذي، العلل، 209 ح (374)، 378 ح (704)، ابن أبي حاتم، العلل، 5/ 232 ح (1941)، الدارقطني، العلل، 2/ 95 ح (137)، 3/ 57 ح (283)، 5/ 128 ح (766).
(3)
الحاكم، علوم الحديث، 39، ليس المدرج خاصاً بما يُدرج في الحديث من كلام الصحابي كما يظهر،
…
وإنما يريد التنويه بنوع منه، وهو ما كان من كلام الصحابة؛ ليدل على أن المدرج من كلام غيرهم له الحكم نفسه، .... ولعل في بقية كلامه (وتخليص كلام غيره من كلامه) ما يدل على هذا،
…
والأمثلة التي ساقها تؤكد هذا، فقد ذكر مثالين: الأول: ما كان مدرجا من قول الصحابي وهو حديث ابن مسعود في التشهد. والثاني: ما كان مدرجا من قول من بعد الصحابي وهو حديث قتادة في الاستسعاء. ينظر: القضاة، قوفي، المدرج، 4 - 5 باختصار.
(4)
الزهراني، من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، 1/ 25.
ومنها: ما كان متن الحديث عند راويه بإسناد غيرُ لفظةٍ منه أو ألفاظ فإنها عنده بإسناد آخر فلم يبين ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد.
ومنها: ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر.
ومنها: ما كان بعض الصحابة يروي متنه عن صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصل بمتن يرويه الصحابي الأول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: ما كان يرويه المحدث عن جماعة اشتركوا في روايته فاتفقوا غير واحد منهم خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الاتفاق. (1)
تعريف ابن الأثير (ت 606 هـ):
ذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث (2) - ثم أتبعها بذكر تعريف المدرج، وأشار إلى الفرق بين النوعين، فقال: النوع الخامس: في الإضافة إلى الحديث ما ليس منه
…
، وهذا النوع:(هو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة، ويضيف إليه شيئًا من قوله، إلا أنه لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة).
وأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع (المُدرَج) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُميِّز بينهما، فَيُظَنُّ أن جميعه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم. (3)
تعريف ابن القطان الفاسي (ت 628 هـ):
أشار ابن القطان إلى المراد من الإدراج، والموقف من الحديث المدرج بقوله:"كل كلام مسوق في السياق لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة"(4).
(1) الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، تحقيق: الزهراني، 1/ 100 - 101 باختصار.
(2)
حيث قال في تعريفها: "هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجعلها من قوله." ابن الأثير، جامع الأصول، 1/ 105.
(3)
ينظر: المرجع السابق، 1/ 105 - 106 باختصار.
(4)
ثم أردف بقوله: " وهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب." بيان الوهم، 5/ 387.
تعريف ابن الصلاح (ت 643 هـ):
لقد ذكر ابن الصلاح أقسام المدرج، فقال:(1) معرفة المدرج في الحديث، وهو أقسام:
منها: ما أدرج في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي - أو: من بعده - عقيب (2) ما يرويه من الحديث كلاماً من عند نفسه فيرويه من بعده موصولاً بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ويتوهم أن الجميع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (3)
- ومن أقسام المدرج: أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفاً منه فإنه عنده بإسناد ثان فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني ويروي جميعه بالإسناد الأول. (4)
ومنها: أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر مخالف للأول في الإسناد. (5)
ومنها: أن يروي الراوي حديثاً عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده فلا يذكر الاختلاف بل تدرج روايتهم على الاتفاق (6).
(1) ينظر: علوم الحديث، 95 - 98.
(2)
استدرك على ابن الصلاح وقوع الإدراج في أول المتن ووسطه كل من الزركشي، الأبناسي، وابن الملقن، والعراقي، واستشهدوا بما ذكره الخطيب البغدادي وبعض الأمثلة على ذلك. ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 241، الأبناسي، الشذا الفياح، 1/ 216، ابن الملقن، المقنع، 1/ 228، العراقي، التقييد، 128.
(3)
مثّل له بحديث ابن مسعود في التشهد الأخير في الصلاة. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق، 96. والحديث أخرجه أحمد في مسنده 7/ 108 ح (4006)، والدارقطني في سننه، 2/ 165 ح (1333).
(4)
ومثّل له بحديث وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق، 97. الحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، 1/ 194 ح (729)، وأحمد في مسنده، 31/ 140 - 141 ح (18847).
(5)
مثّل له بحديث أنس في النهي عن التباغض والتحاسد. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق.
والحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل، 2/ 739 ح (81)، وابن عبد البر في التمهيد 6/ 116.
(6)
مثّل له بحديث ابن مسعود: ((قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم .. )). ينظر: المرجع السابق، 98.
والحديث أخرجه أحمد في مسنده 7/ 200 ح (4131)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، 5/ 190 ح (3183)، وقال: "حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
هكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل." الخطيب في الفصل للوصل، 2/ 819 ح (93).
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد تعددت مسالك من جاء بعد ابن الصلاح في تعريف المدرج وبيان أقسامه:
- فمنهم من نقل تعريف ابن الصلاح لأقسام المدرج بتصرّف يسير كابن الملقن (ت 804 هـ) في كتابه المقنع (1)، وابن الوزير (ت 840 هـ) في التنقيح (2)، إلا أن ابن الملقن عاد واختصر هذا التعريف بشكل مجمل وموجز في التذكرة، فقال: المدرج: "وهو زيادة تقع في المتن ونحوه."(3)
- ومنهم من اختصر كلام ابن الصلاح - ودمج بين القسم الثاني والثالث من أقسام المدرج عنده- كالنووي (ت 676 هـ)(4)، وابن جماعة (ت 733 هـ)(5)، والطيبي (ت 743 هـ) في الخلاصة (6).
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المدرج بعد ابن الصلاح، ما يلي:
(1) ينظر: 1/ 227 - 231. وقد تعقّب ابن الصلاح فيما يخص موضع الإدراج، فقال: "وقد يدرج في أول الحديث وفي وسطه كما نبه عليه الخطيب، وإن قيده الشيخ بالعقب". المرجع السابق، 1/ 228.
(2)
167 - 171.
(3)
18.
قال السخاوي في التوضيح الأبهر (الأسرّ): " (والمدرج: وهو زيادة تقع في المتن) من صلةٍ بآخره، أو غيرها من أوله وأثنائه دون فصلٍ لها عنه، (ونحوه) كأن يسوق سندًا ثم يَعرضُ عارضٌ فيقول كلامًا من قِبلِ نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذاك الكلام هو متن ذلك الإسناد فيرويه عنه كذلك". 56.
(4)
ينظر: النووي، التقريب، 46.
(5)
ينظر: ابن جماعة، المنهل، 53.
(6)
ينظر: 53 - 54.
تعريف ابن دقيق العيد (ت 702 هـ)، حيث قال:"وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون ظاهرها أنها من لفظه فيدل دليل على أنه من لفظ الراوي"(1) ونجده قد خصّ مدرج المتن بالتعريف دون مدرج الإسناد، وتبعه الذهبي (ت 748 هـ) في الموقظة (2)، وابن كثير (ت 774 هـ) في الاختصار فقال:
"وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك."(3)، ثم أشار إلى وقوع الإدراج في الإسناد فقال:"وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة."(4)
ثم جاء ابن حجر (ت 852 هـ) فأفرد كلاً من مدرج الإسناد، ومدرج المتن بتعريف خاص، فقال في النزهة (5):
"ثم المخالفة، إن كانت واقعة بسبب: تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد."
وأتبع ذلك بذكر أقسام الإدراج في السند، ثم عرّف مدرج المتن بقوله:
"وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارةً يكون في أوّله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف
(1) ابن دقيق العيد، الاقتراح، 23.
(2)
ينظر: 53 - 54، تعريفه مختصر بشيء بسيط من تعريف شيخه ابن دقيق العيد، حيث قال:"هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنها من صلب الحديث. ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا."
(3)
56، ثم أتبعه بقوله:"قد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحِسان والمسانيد وغيرها." وهو يشير بذلك إلى أن حكم الإدراج يتراوح بين الصحة والحسن والضعف.
(4)
المرجع السابق.
(5)
ابن حجر، النزهة، 114 - 115.