الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد عدّ الشافعي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه شذوذاً، ووافقه على ذلك: الأثرم، والنووي في كتابه المجموع، وابن الملقن في كتابه التذكرة، وابن حجر - مع توسّعه بإضافة الراوي الصدوق؛ ليصبح الشاذ عنده مخالفة المقبول لمن هو أولى منه-، وتبعه السخاوي، والسيوطي، ومثّلوا للشذوذ بأمثلة يُخالف فيها الراوي المقبول (الثقة أو الصدوق) غيره من الثقات.
القيد الثاني: التفرد:
ومعناه في اللغة: مأخوذ من الفَردُ، وهو ما كان وحده، والذي لا نظير له، و (تَفَرَّدَ) بكذا و (اسْتَفْرَدَه) انفرد به. (1)
اصطلاحا:
لم يُفرد له تعريف مستقل في كتب مصطلح الحديث (2)، وقد اجتهد بعض الباحثين في تعريفه، فعرّفه الدكتور عبدالجواد - في رسالته الموسومة ب (التفرّد في رواية الحديث) - بقوله:"التفرد: ما يأتي من طريق راوٍ واحد، دون أن يشركه غيره من الرواة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، مع المخالفة أو دونها، بزيادة فيه أو بدون زيادة، في المتن أو السند، ثقة ضابطاً كان الراوي أو دون ذلك"(3)
(1) ينظر مادة (ف رد): الفراهيدي، العين، 8/ 24، ابن فارس، المقاييس، 4/ 500.
(2)
"يجب التأكيد هنا على صعوبة الوقوف على تعريف جامع مانع للتفرد عند المحدثين، وذلك لأنه مما يدخل في كثير من أبواب الحديث وأنواعه كدخوله في نوع الغريب، والشاذ، والمنكر، والمعلل، وفي أبواب زيادة الثقة وفي غيرها
…
" زهار، التفرد، 120.
وليس هناك في كتب علوم الحديث تعريف لمسألة التفرُّد كمصطلح خاص
…
إنما يجري ذكره في كتب العلل والرجال والتواريخ بالإضافة إلى تناول بعض جوانبه ضمن مسائل مصطلح الحديث. ينظر: حمام، التفرد، 82.
(3)
حمام، المرجع السابق، 90.
واختصره الدكتور عبدالله زهّار في كتابه (التفرد عند المحدثين) بقوله: "هو أن يأتي الراوي برواية لا يشاركه فيها أحد سنداً أو متناً"(1).
والتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مؤشر على علة قد تكون موجودة، (2) وفي هذا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد بِهِ واحد - وإن لَمْ يروِ الثقات خلافه -: (إنه لا يتابع عليه) ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كَثُر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه،
وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (3)
(1) زهار، المرجع السابق، 124.
(2)
"هو علامة يتتبعها المحدثون للوصول إلى خفايا العلل، فالأصل في الرواية عند المحدثين وجود المتابعات والشواهد التي تؤيد الرواية وتساندها، وأما التفرد فهو خلاف الأصل، وهو يثير في نفس الناقد الارتياب، ويجعله يفتش فيما وراء هذا التفرد عن علة أو خلل أو وهم في الرواية، لا سيما في تفردات الثقات، إذ العلل في أحاديث الثقات أغمض وأخفى، فالغالب على حديثه القبول والصحة، ولا يسهل الوقوف على ما فيه من العلة الخفية
…
"حمام، المرجع السابق، 146. ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد 90.
(3)
ابن رجب، العلل، 1/ 352 - 353. "لا يضر تفرد الراوي بالحديث إذا كان المتفرد عدلا ضابطا ولم يخالف من هو أكثر حفظا أو عددا.
قال الإمام مسلم: "للزهري نحو من تسعين حديثا يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد". وقال ابن حجر: "وكم من ثقة تفرد بما لم يشاركه فيه ثقة آخر، وإذا كان الثقة حافظا لم يضره الانفراد". ينظر: مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، 3/ 1268 ح (1647)، ابن حجر، الفتح، 5/ 11.
وهذا إذا كان الراوي مُبرّزاً في الحفظ. أما إذا لم يكن كذلك، أو قليل الطلب، أو إذا روى عن المشهورين ما لا يعرفه ملازموهم، فأن تفرده عندئذ يوجب النظر والتأني. ونحن حين ننظر في كتب العلل والتخريج نجد الأئمة النقاد كثيرا ما يعلون أحاديث الثقات بالتفرد، والتفرد بحد ذاته ليس علة لكنه يكشف عن العلة بل قد يكون أحيانا من أسباب العلة.
فالتفرد من أهم المسائل الحديثية وأغمضها إذ تتميز بدورها الفعال في إلقاء الضوء على ما يكمن في أعماق الرواية من علة أو وهم، ولأهمية التفرد في النقد والتعليل الحديثي نجد أن المحدثين قد أفردوا هذا النوع بالتصنيف، فالتفرد لا يؤخذ ضابطا لرد روايات الثقات بل له أحوال مختلفة، حتى رواية الضعيف لا يرد ما ينفرد به مطلقا، بل الجهابذة الفهماء من الأولين يستخرجون منه ما صح من حديثه، وقد روى الإمام البخاري ومسلم عمّن في حفظه شيء لما ثبت لديهما أنه من صحيح حديثه، ومثل هذا لا يستطيعه كل أحد.
والتفرد إذا كان بالطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة فإنه لا يضر، وكذلك الحال في طبقة كبار التابعين، وذلك إذا كان المتفرد عدلا ضابطا، أما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة التي من شأنها التعدد والشهرة، لا سيما إذا كان عن الرواة المكثرين الذين يكثر تلامذتهم وينقل أحاديثهم جماعة، فذلك أمر يأخذه النقاد بعين الاعتبار فينظرون علاقة المتفرد بالراوي الذي تفرد عنه، وكيف كانت ملازمته له، وكيف كان يتلقى منه الأحاديث عموما، وهذا الحديث الذي تفرد به خصوصا، وحالة ضبطه لما يرويه عامة وهذا الحديث خاصة ثم الحكم عليه بعد ذلك بحسب مقتضى نظرهم، ولم يكونوا يطلقون فيه حكما مطّردا بالقبول إذا كان ثقة أو بالرد إذا كان ضعيفا، وإنما يخضع حكمهم عليه لمنهج علمي دقيق يطبقه حذاق النقاد أصحاب البصيرة والخبرة التامة بصناعة الحديث؛ وذلك لأن الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يطرأ في كيفية التلقي للأحاديث، أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه، حتى ولو كان من أثبت أصحابهم وألزمهم له؛ ولهذا يستنكر النقاد بعض أحاديثهم. ينظر: فحل، علل الحديث، 131 - 137. باختصار.
وممن قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد:
الإمام الحاكم، وخصَّه - في تعريفه المختصر للشاذ- بتفرد الثقة (1)؛ إلا أن المتأمل لسياق كلامه يفهم منه أن الشذوذ يُطلق على التفرّد الذي فيه علة لم يُهتدَ إليها، فهو يفرّق بين
الشاذ والمعلل بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته، قال ابن الصلاح مُعقّباً- بعد نقله لتعريف الشاذ عند الحاكم-:"وذكر أنه يغاير المعلل من حيث أن المعلل وُقِف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك"(2).
وقال البقاعي نقلاً عن شيخه -ابن حجر-: "أَسْقَطَ من قول الحاكم قيداً لابد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك". (3)
قال السخاوي مُعقِّباً على ما سبق: "وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (4) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تَقصُر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض
(1) حيث قال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة"، وذلك بعد قوله:"معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم" الحاكم، علوم الحديث، 119.
قال ابن حجر في النكت: "والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم، وأخص منه الكلام الحاكم؛ لأنه يقول: إنه تفرد الثقة، فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ." ابن حجر، النكت، 2/ 652 - 653، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 247.
(2)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 77.
(3)
البقاعي، النكت، 1/ 455.
(4)
أي: الشاذ مع المعلل.
الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة التامة بمراتب الرواة، والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ - كما نُسِب لشيخنا- أدق من المعلل بكثير." (1)؛ لذا حين اُستُشكِل على تعريف الحاكم - ما تفرّد به العدل الحافظ الضابط مما حُكِم بصحته، وأُخرِج في الصحيح، - أجاب البقاعي بقوله:
"وأما الحاكم فبعد علمك بالقيد الذي قاله تعلم أنه لا يرد عليه ذلك؛ لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ (2)، وما شاكله لم يقع في قلب أحد من النقاد ضعفه"(3).
وبهذا يُستنتج "أنّ للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين:
1 -
تفرد ثقة.
2 -
وينقدح في نفس الناقد أنه غلط.
وعليه فإذا كان هناك حديث فرد، ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم" (4).
فالحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذاً مردوداً، فقد قال في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة)) (5)
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 246.
(2)
يقصد ابن الصلاح، حيث مثّل لتفرد الثقات بحديث:((إنما الأعمال بالنيات)) -أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي، 1/ 6 ح (1)، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة 3/ 1515 ح (1907) -وحديث:((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته)) - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العتق، باب بيع الولاء 3/ 147 ح (2535)، ومسلم في صحيحه كتاب العتق، باب النهي عن بيع الولاء 2/ 1145 ح (1506) - وحديث:((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر)). ثم قال: "فكل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة. وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة". ابن الصلاح، علوم الحديث، 77 - 78.
(3)
البقاعي، النكت، 1/ 456.
(4)
الأثري، الحديث الشاذ، 41.
(5)
أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الإيمان، 1/ 91 ح (100).
"هذا حديث صحيح على شرطهما فقد احتجا جميعا بمالك بن سعير (1)، والتفرد من الثقات مقبول".
وقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة:
المثال الأول: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب)) (2).
ثم قال مُعلِّقاً عليه: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها"
…
ثم ذكر قول قتيبة بن سعيد -فيمن كتب عنه هذا الحديث-فقال: "على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة حتى عد قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث
…
"
ثم عقّب الحاكم بقوله: "فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب،
(1) مالك بن سعير بن الخمس التميمى الكوفي، أبو محمد، ويقال أبو الأحوص، قال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن حجر: لا بأس به. مات سنة 198 هـ وقيل: 200 هـ أو بعدها بقليل. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 8/ 209 (924)، ابن حبان، الثقات، 7/ 462، الذهبي، الكاشف، 2/ 235 (5251)، ابن حجر، التقريب، 517 (6434).
(2)
أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين 2/ 7 ح (1220) وقال: ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده، والترمذي في سننه كتاب السفر، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين 1/ 690 - 691 ح (553 - 554) وقال: وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وأحمد في مسنده 36/ 413 ح (22094)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين (4/ 465) ح (1593)، وقال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: عليه علامة سبعة من الحفاظ كتبوا عني هذا الحديث: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة حتى عد سبعة، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب صلاة المسافر، باب الجمع بين الصلاتين في السفر 3/ 323 ح (5528) تفرد به قتيبة بن سعيد عن ليث عن يزيد.
وحدثنا به، عن أبي عبدالرحمن النسائي، وهو إمام عصره، عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبدالرحمن، ولا أبو علي للحديث علة
…
" (1).
قال الذهبي معقّباً على كلام الحاكم "بل رووه في كتبهم واستغربه بعضهم"(2). وقال أيضاً مستدركاً بأن النسائي لم يُخرج هذا الحديث من طريق قتيبة "وأما النسائي فامتنع من إخراجه لنكارته"(3).
قال أبو داود - عقب إخراجه للحديث-: "ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده"(4) وقال الترمذي أيضاً بعد إخراجه للحديث: "وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء"(5)
وقد أعلّ هذا الحديث عدد من الأئمة النقاد:
قال ابن أبي حاتم: "وسمعت أبي يقول: كتبت عن قتيبة حديثا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في سفر فجمع بين الصلاتين. قال أبي: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، عن
(1) الحاكم، علوم الحديث، 119.
(2)
الذهبي، السير، 11/ 23.
(3)
المرجع السابق 11/ 22.
(4)
أبو داود، السنن، 2/ 7 ح (1220)
(5)
الترمذي، السنن، 1/ 690 ح (554)
هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث" (1).
وقال الدارقطني في العلل: "وحدث به قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا
…
الحديث.
كذلك حدث به جماعة من الرفعاء، عن قتيبة. ورواه المفضل بن فضالة، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بهذه القصة بعينها، وهو أشبه بالصواب، والله أعلم" (2).
قال ابن حجر في فتح الباري: "والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة حكاه الحاكم في علوم الحديث"(3).
فالحديث معلول بتفرد قتيبة، وأنه دخل عليه حديث في حديث كما جاء عن أبي حاتم، أو أدخله عليه بعض الضعفاء كما نُقل عن البخاري، والمثال مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً؛ إلا أنه بعد التمعن والنظر وصف الحديث بالوضع (4)، حيث قال: "فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن
(1) ابن أبي حاتم، العلل، 2/ 104 ح (245).
(2)
الدارقطني، العلل، 6/ 42 ح (965).
(3)
ابن حجر، الفتح، 2/ 583.
(4)
يطلق بعض الأئمة وصف (الكذب أو الوضع) على الخطأ الجديع، التحرير، 1/ 539.
سعيد، ثقة، مأمون،
…
" ثم ذكر بإسناده عن البخاري قوله: "قلت لقتيبة بن سعيد: مع من
كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ ، فقال: كتبته مع خالد المدايني، قال: البخاري، وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ".
"وهذا الكلام يدل على أن الشاذ عند الحاكم، حديث مخالف للمعروف، أو المحفوظ، وأنه حديث مشتمل على نوع من الخلل أو العلة غير أنه لا يعثر على علته أو يصعب جداً الوقوف على سبب الخطأ وموضع العلة فيه، وسبب ذلك هو أنه ليس له إلا إسناد واحد.
ولو كان هذا الحديث ليس مُشكِلاً عند الحاكم لما كلّف نفسه النظر فيما يُعِل به الحديث، ولما أخذ يتتبع حلقات الإسناد يتفحصها لعله يقف على شيء يكون مفسراً للإشكال، أو مفصحاً عن العلة المظنونة أو المتحسَّسة. وكذلك فعل في المثال الثاني." (1)
والمثال الثاني- الذي ذكره الحاكم كمثال للشاذ-: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر: يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" (2)
قال الخطيب البغدادي: "هذا حديث غريب من حديث الثوري عن أبي الزبير عن جابر تفرد بروايته عنه محمد بن كثير العبدي، ولم يروه عن ابن كثير غير أحمد بن سيار المروزي، ولا نعلم رواه عن أحمد بن سيار إلا المحبوبي"(3).
(1) اللحياني، الحديث الشاذ عند المحدثين، 15.
(2)
أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن أحمد بن عثمان المروزي 2/ 161 (161).
(3)
المرجع السابق.
ويصدق على هذا المثال تعريف الحاكم للشاذ حيث قال: "وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن، إذ لم نقف له على علة، وليس عند الثوري، عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر
أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها، ولا نعلم أحدا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان، وحده، تفرد به
…
" (1)
فقد صرّح بأنه لم يقف على علة للحديث، لكن قوله:"وليس عند الثوري، عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها" يدل على ما انقدح في نفسه من وجود علة لكنها لم تظهر له.
"فالمعروف بين الحفاظ أن هذا الحديث هو من أفراد إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير، وليس في متنه ذكر صلاة الظهر (2)، وقد تكلّم فيه الحفاظ أيضاً (3).
فهذا الحديث يخالف ما يحفظه المحدثون من أن الحديث حديث ابن طهمان (4) عن أبي الزبير، ويُخالف أيضاً في ذكر صلاة الظهر في متنه، فلم ترد في حديث آخر، وليست كذلك في حديث ابن طهمان المعروف بهذا الحديث.
(1) الحاكم، علوم الحديث، 121.
(2)
تنبيه: العلة هنا في زيادة لفظ (صلاة الظهر)، وليس في حكم رفع اليدين عند التكبير، فهو ثابت بالسنة الصحيحة، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهم، قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود)). أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة، 1/ 148 ح (735)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، والركوع، وفي الرفع من الركوع، 1/ 292 ح (390). كلاهما من حديث ابن عمر، واللفظ لمسلم.
(3)
نُقل عن الحافظ أحمد بن علي السليماني -في ترجمة إبراهيم بن طهمان- قوله: "أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير عن جابر في "رفع اليدين". الذهبي، الميزان، 1/ 38 (116)، ابن حجر، التهذيب، 1/ 130 (231)
(4)
من إضافات فضيلة المناقش: أخرجه ابن ماجه (868) عن محمد بن يحيى، والسراج في مسنده (92) عن أبي بكر الأعين، وابن عبدالبر في التمهيد (9/ 217) من طريق أبي بكر الأثرم، ثلاثتهم (محمد بن يحيى، وأبو بكر الأعين، والأثرم) عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله: كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك ويقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك، ورفع إبراهيم بن طهمان يديه إلى أذنيه.
وأخرج البخاري في رفع اليدين (109) عن عبدالله بن محمد، أخبرنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن طاوس، أن ابن عباس كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تحاذي أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع واستوى قائماً فعل مثل ذلك.
ورواية أبي عامر العقدي أصح؛ لكونه أوثق من أبي حذيفة، ولأن أبا حذيفة سلك الجادة.
فالحديث ليس له أصل متابع عند المحدثين، أي لا يعرفونه، ولا يحفظونه بهذا السياق، وليس له متابعة، وحقُّ مثل هذا الحديث أن توجد له المتابعات لشهرة سفيان، وأبي الزبير.
وقد نُقل عن بعض الحفاظ تعليلهم الحديث بأن محمد بن كثير أخطأ فجعل سفيان الثوري مكان ابن طهمان، لكن الحاكم ردّ ذلك؛ لكون محمد بن كثير ليس له رواية عن ابن طهمان حتى يخلط بينه وبين الثوري، فالحاكم يُقرّ بوجود علّة فيه، لكنه لم يوافق على هذا التعليل." (1)
المثال الثالث: حديث أنس رضي الله عنه قال: ((كان قيس بن سعد رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير)) (2)، يعني ينظر في أموره
…
ثم قال الحاكم: "وهذا الحديث شاذ بمرة، فإن رواته ثقات، وليس له أصل عن أنس، ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر."(3)
قال ابن حجر في النكت: "وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذاً، ولا مشاحة في التسمية"(4). ولعل ما يدل
(1) حمام، التفرّد، 352.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه 9/ 65 ح (7155)، والترمذي في سننه كتاب المناقب، باب ما جاء في مناقب قيس بن سعد بن عبادة 6/ 173 ح (3850) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري.
(3)
الحاكم، علوم الحديث، 122.
"لم يتلمس الحاكم علة لهذا الحديث، وكأنه - والله أعلم - رآه خالياً من الإشكال إلا التفرد؛ ولذلك لم يبحث في سنده عن علة كما بحث في المثالين السابقين وكأنه يشير بهذه الأمثلة إلى أن الشاذ منه ما هو مردود كالمثالين الأولين، وما هو مقبول كالمثال الثالث، والله أعلم.". اللحياني، الحديث الشاذ، 16.
(4)
ابن حجر، النكت، 2/ 670 - 671.
"حاول بعضهم الجواب عن الحاكم فقال إن مقتضى كلامه أن في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، فلا يكون الشذوذ عنده منافيا للصحة مطلقا، ويدل على ذلك أنه ذكر في أمثلة الشاذ حديثا أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ، ويؤيد ذلك ما ذكره الحاكم في الشاذ من أنه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، وما في الصحيحين من ذلك ليس مما ينقدح في نفس الناقد أنه غلط." الجزائري، توجيه النظر، 1/ 513.
على كون الحاكم موافقاً على صحته: استدلاله بمعنى الحديث في المستدرك، وذلك بعد أن أخرج حديثا من رواية قيس بن سعد، وأعقبه بقوله:"ثم يعرف من فضل قيس بن سعد رضي الله عنه أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صار منه بمنزلة صاحب الشرط"(1).
ومما يؤيد أيضاً ما ذهب إليه ابن حجر- من إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على أحاديث حكم عليها بالصحة- ما ذكره الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل، حين ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وذكر منها:
القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب، التي يرويها الثقات العدول، تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب، واستشهد بعدد من الأمثلة منها حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت: طُّبَّ (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. (3) ثم قال: "هذا الحديث مخرج في الصحيح وهو شاذ بمرة
…
" (4).
والقسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم (بها (إلا عنهم. (5)
(1) الحاكم، المستدرك، 4/ 323 ح (7787).
(2)
طُبَّ: أي سُحِر، كنَّوا بالطب عن السحر، تفاؤلا بالبُرء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ. ينظر: ابن الأثير، النهاية، 3/ 110.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده 4/ 122 ح (3268)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب السحر 4/ 1719 ح (2189).
(4)
ينظر: الحاكم، الإكليل، 39 باختصار.
(5)
ومثّل لذلك برواية: "عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأياس بن معاوية بن قرة المزني عن أبيه عن جده.
قال الحاكم رحمه الله: "جماعتهم صحابيون، وأحفادهم ثقات، والأحاديث على كثرتها محتج بها في كتب العلماء"(1) ثم ألحق في آخر الكتاب رموز هذه الأقسام فقال: "وأنا ممتثل بمشيئة الله سبحانه ما رسمه بعلامات تدل على كل حديث منها على ما شرحته في أول هذه الرسالة (2)
…
، وعلامة القسم الرابع من الصحيح والإشارة فيه أنه براو واحد به ثقة واحد:(صف)(3).
وعلامة القسم الخامس من الصحيح والإشارة فيه أنها أخبار رواتها ثقات وهي شواذ (بلا ((4) شواهد: (صش)(5) " (6).
فالمثال الثالث - الذي ذكره الحاكم- للشاذ يُعدّ من الغرائب الصحيحة التي أخرجها البخاري في صحيحه، فيصدق عليه شق من تعريف الحاكم كونه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة؛ إلا أن تخريج البخاري له في الصحيح يدل على خلوه من العلل المنافية للصحة، وقد عدّ ابن حجر إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على هذا الحديث إطلاقاً لفظياً، ولا يُراد به ردّ الحديث.
"ومما سبق يمكننا القول إن الغريب عند الحاكم هو ما كان على نحو المثال الثالث وهو ما يتفرد به الثقة، ولم ينقدح في نفس الناقد أن به علة.
ويكون الشاذ ما تفرد به الثقة وانقدح في نفس الناقد أن به علة، مع عدم وقوفه عليها.
وهذا الشاذ عنده - هو الشاذ المردود.
(1) ينظر: الحاكم، المرجع السابق، 40 باختصار.
(2)
ثم قال: "وكل حديث يخلو عن علامة من هذه العلامات المبينة فإنه من رواية المجروحين".
(3)
رمز للصحيح الذي تفرّد به ثقة واحد.
(4)
النفي موجود في طبعة دار ابن حزم، بتحقيق السّلوم 170، وهو ساقط من طبعة دار الدعوة بتحقيق: فؤاد عبدالمنعم، والنفي موافق للمعنى، إذ الشذوذ يعني التفرد بلا شواهد ولا متابعات.
(5)
رمز للصحيح الشاذ.
(6)
الحاكم، المرجع السابق، 71.
والحاكم رحمه الله لم يفصح عن هذا التقسيم كما هو ظاهر، ولكن كلامه في كتاب المعرفة والمدخل وتصرفه في المستدرك يجعلنا نذهب هذا المذهب في فهم كلامه ومعرفة مصطلحه.
وهذا يعني أن الشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه.
وهو قسمان:
1 -
شاذ مقبول وهو ما يرادف الغريب عنده، وهو ما تفرد به الثقة ولم ينقدح في نفس العارف لهذا العلم أن به علة.
وهذا النوع هو الذي صحح الحاكم أمثاله في المستدرك مع النص على شذوذه.
فمن ذلك قوله في حديث: "إسناده صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة"(1).
ومنه أيضاً قوله في حديث آخر: "هذا حديث شاذ صحيح الإسناد"(2).
وعلى هذا يحمل قوله: "ولعل متوهماً يتوهم أن هذا متن شاذ، فلينظر في الكتابين ليجد من المتون الشاذة، التي ليس لها إلا إسناد واحد، ما يتعجب منه، ثم ليقس هذا عليها"(3).
2 -
شاذ مردود، وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد.
وعلى هذا يحمل المثال الأول والثاني اللذان ذكرهما الحاكم للشاذ." (4)
وممن قال كذلك بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد: الخليلي -وهو تلميذ الحاكم- وذلك في كتابه الإرشاد، ولم يقيّد التفرّد بالثقة بل جعله مُطلقاً؛ ليشمل الثقة وغيره، فقال: "الذي
(1) ينظر: الحاكم، المستدرك، 1/ 289 ح (642).
(2)
المرجع السابق، 1/ 412 ح (1027).
(3)
المرجع السابق، 1/ 70 ح (52).
(4)
اللحياني، الحديث الشاذ، 16 - 17.
عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به" (1).
وقد فُهم من ذلك أنه يُسوّي بين الشاذ والفرد المطلق (2) إلا أن ابن رجب كان له تعقيب يوضح مراد الخليلي لمعنى الشاذ فقال:
"ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره.
فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فرداً، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه،
…
" إلى أن قال: "وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم". (3)
قال العراقي: "الخليلى يجعل تفرد الراوي الثقة شاذا صحيحا، وتفرد الراوي غير الثقة شاذا ضعيفا"(4)؛ إلا أن المتأمل لما ذكره الخليلي يجد هذا الإطلاق من العراقي رحمه الله غير دقيق، فالأفراد على أنواع عند الخليلي كما ذكر في كتابه الإرشاد (5) - وأشار إلى ذلك أيضاً ابن رجب في النقل السابق- فهناك تفرد الحافظ الثقة المشهور وهو صحيح،
وتفرّد الضعيف المتهم بالوضع فهو موضوع، وتفرّد كثير الغلط فهو منكر أو متروك،
(1) الخليلي، الإرشاد، 1/ 176 - 177.
(2)
"والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم". ابن حجر، النكت، 2/ 652.
(3)
ابن رجب، العلل، 1/ 461 - 462 باختصار.
(4)
العراقي، التقييد، 101.
"والذي يبدو لي: أن الخليلي يفرق بين ثقة مبرز في الحفظ فيحتمل تفرده، وبين ثقة لا يحتمل تفرده فحل، علل الحديث، 281. تعليق المؤلف في الحاشية.
(5)
ينظر: الخليلي، الإرشاد، 1/ 167 - 173.
وتفرّد من لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه فهو الشاذ، ويتوقف فيه فلا يُحكم بصحته ولا بضعفه، فبالنظر إلى هذه الأقسام الأربعة مع ما ذكره في تعريف الشاذ يمكن استنتاج ما يلي:
"أن الخليلي لم يقصد في تعريفه أن كل تفرّد يُعدّ شاذاً (1)، فهو لم يتعرض في تعريفه لتفرد الحافظ المشهور الثقة أو الإمام، إذ حكم بصحة تفرده حين ذكر أقسام التفرّد، وحين عرّف الشاذ ذكر تفرّد شيخ ثقة، وقال: يتوقف فيه، وهذا يوافق كلامه على القسم الرابع من تقسيمه للأفراد والذي مثّل له بحديث (أبي زُكَير) (2) وقال عنه: شيخ صالح، وقال: لا يُحكم بصحته ولا بضعفه؛ أي: أنه توقف فيه أيضاً.
وتحدث كذلك في تعريفه للشاذ عن تفرّد شيخ غير ثقة، وحكم برد حديثه، وهذا يوافق كلامه على القسمين الثاني والثالث من تقسيمه للأفراد، والتي حكم عليها بالردّ. والله أعلم". (3)
وبعد أن عرّف الخليلي الشاذ لم يذكر أمثلة عليه، إنما أطلق وصف الشذوذ على أحد أقسام الفرد التي سبقت ذكره لمعنى الشذوذ، فقال:
"نوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته ولا بضعفه، ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه
…
" ثم أخرج بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول:
عاش ابن آدم حتى أكل الجديد
(1)"قلت: والظاهر أن كلام الخليلي مقيد بما قيد به الحاكم، أو نحو ذلك، وإلا كان كلامه ساقطا؛ لأنه لم يذكر فيمن اشترط العدد في الصحيح". البقاعي، النكت، 1/ 456.
(2)
يحيى بن محمد بن قيس المحاربي الضرير، أبو محمد المدني، نزيل البصرة، لقبه أبو زُكير بالتصغير، ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: أحاديثه متقاربة إلا حديثين حدث بهما، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد، فلما كثر ذلك منه صار غير محتج به إلا عند الوفاق وإن اعتبر بما لم يخالف الأثبات في حديثه فلا ضير، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا. ينظر: العقيلي، الضعفاء، 4/ 427 (2055)، ابن أبي حاتم، الجرح، 9/ 184 (764)، ابن حبان، المجروحين، 3/ 119، ابن عدي، الضعفاء، 9/ 104 (2141)، الذهبي، الكاشف، 2/ 375 (6241)، ابن حجر، التقريب، 596 (7639).
(3)
ينظر: الأثري، الحديث الشاذ، 39 - 40 بتصرف يسير.
بالخَلِق! )). (1) وأعقبه بقوله: "وهذا فرد شاذ، لم يروه عن هشام، غير أبي زكير. وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته، ولا بضعفه ويستدل بهذا على نظائره من هذا النوع". (2)
"فهذا النوع من الأفراد الذي سمّاه الخليلي فرداً شاذاً، هو ما تفرّد به شيخ ليس على درجة من الضبط والإتقان حتى يُقبل ما يَتفرّد به كما تُقبَل تفردات الأئمة الحفاظ، ولا هو ساقطٍ واهٍ فيُرد حديثه ويُضعّف مباشرة، ولو كان للحديث أصل شاهد أو متابعة، أو كان معروفاً محفوظاً عند المحدثين لانتفى تفرّده، وجُبِر الضعف الذي فيه، حيث تفرد به من لا يُحتمل تفرّده."(3)
والمثال السابق تفرّد به أبو زكير، وقد اُختلف في توثيقه، وأُنكِر عليه روايته لهذا الحديث (4)، وقد سمّاه الخليلي فرداً شاذاً.
"والظاهر أن الخليلي أراد بالشاذ أحاديث الشيوخ غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فرداً، ونصّ على كونها صحيحة
…
فأفراد الشيوخ عند الخليلي على مرتبتين:
(1) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الأطعمة، باب أكل البلح بالتمر 2/ 1105 ح (3330)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الوليمة، باب البلح بالتمر 6/ 250 ح (6690)، والبزار في مسنده 18/ 99 ح (32) وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها غير يحيى بن محمد بن قيس، والعقيلي في الضعفاء، 4/ 427 (2055) وذكر أن أبا زكير لا يُتابع على حديثه، ولا يُعرف هذا الحديث إلا من طريقه، والحاكم في المستدرك كتاب الأطعمة 4/ 135 ح (7138). قال الذهبي في التلخيص: حديث منكر. جميعهم من حديث عائشة.
(2)
الخليلي، الإرشاد، 1/ 172 - 173.
قال ابن حجر: "أما حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر، فقد أورده الحاكم في المستدرك لكنه لم يحكم له بالصحة ولا غيرها. وأما ابن الجوزي أبو الفرج، فذكره في "الموضوعات". والصواب فيه ما قال النسائي- وتبعه ابن الصلاح-: "إنه منكر". باعتبار تفرد الضعيف به على إحدى الروايتين، وقد جزم ابن عدي بأنه تفرد به. وقول الخليلي: إنه شيخ صالح أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح، فإنما يريدون في الديانة. والله أعلم." ابن حجر، النكت، 2/ 680. لكن الحاكم -شيخ الخليلي- صححه في المدخل إلى الإكليل، تحت القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه ثم قال: وشواهد هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرّجة في الكتابين. ينظر: الحاكم، الإكليل، 39 - 40.
(3)
حمام، التفرد، 376.
(4)
قال ابن حبان: "وهذا كلام لا أصل له من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ". ابن حبان، المجروحين، 3/ 120، وقال ابن عدي:"عامة أحاديثه مستقيمة إلا هذه الأحاديث التي بينتها" وعدّ منها هذا الحديث. ابن عدي، الضعفاء، 9/ 104 (2141).
1 -
ما كان عن شيخ غير ثقة، فما يتفرّد به متروك لا يُقبل، ولا يُحتج به.
2 -
وما كان عن شيخ ثقة فيتوقف في تفرده، ولا يُحتج به، فإن وجد ما يعضدها ويشهد لها زال التوقف، وتقوّت بغيرها." (1)
وممن فُهم من تعريفه للشاذ بأنه التفرّد: الميانشي، حيث قال:"هو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون"(2)، وعلّق الزركشي بقوله:"جرى الميانشي على طريق المحدثين."(3)، ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف.
وكتاب الميانشي مختصر، ولم يذكر أمثلة على ما ذكر ليتضح مقصوده، وبالنظر إلى تعريفه مجرداً يمكن حمله على مذهبين من مذاهب العلماء في الشاذ (4)، المذهب القائل بتفرّد الثقة مطلقاً، والمذهب المقيّد له بمخالفة الثقات، وإن كان الحمل على الإطلاق أولى، ويؤيد ذلك سرده لتعريف الفرد والغريب والشاذ بشكل متتالٍ، فعرّف الفرد بقوله:
(1) حمام، المرجع السابق، 380 - 381 بتصرّف.
(2)
الميانشي، ما لا يسع جهله، 29.
(3)
قال محقق الكتاب: وقوله: "ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جرياً على طريق المحدثين. الزركشي، النكت، 2/ 139.
(4)
وجدت اختلاف بعض الباحثين المعاصرين في توجيه كلامه رحمه الله، فقال الدكتور عبدالجواد حمام:"هذا التعريف يُظهر أن الشاذ هو تفرد وقع من راوٍ معروف، أي ليس مجهولاً ولا مستوراً، والغالب أنه يقصد الثقة أو نحوه. وهذا الراوي المعروف يأتي بحديث لا يوافقه عليه أصحابه الثقات، ولا يرويه غيره من أقرانه الحفاظ المعروفين بالضبط والتقصي، فهذا الذي يُسمّى شاذاً".
بينما اعتبر الدكتور أبو سمحة تعريف الميانشي موافقاً لما قرره الشافعي من أن مراده بقوله: "لا يوافق على روايته المعرفون" هو مخالفة الثقة لما رواه الثقات. المراجع: حمام، التفرد، 394، أبو سمحة، المنكر، 149.
"ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ." ثم قال: "وقد حكى شيخنا المازري (1) رحمه الله في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة"(2)، ثم أتبع ذلك بتعريف الغريب، فقال:"ما شذّ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية"، وأردفه بتعريف الشاذ، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، وبالغريب: تفرّد قليل الرواية، وبالشاذ: تفرد كثير الرواية؛ ليميّز بين الأنواع الثلاثة، والله أعلم.
نخلص مما سبق:
التفرّد في الرواية هي الانفراد بها دون متابعة أو مشاركة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، وسواءٌ كان الراوي ثقةً أو غير ثقة، والتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مظنة لوجودها.
وممن اشترط التفرد في الشذوذ: الحاكم، والخليلي، أما الحاكم فقد قيّد الشاذ بتفرد الثقة بما لا يُتابع عليه، وأضاف - مما يُستنتج من سياق كلامه وأمثلته- بأن هذا التفرد مشوب باستنكار النقاد -وهو نوع أدقُّ من المعلل- إذ ينقدح في ذهنهم وجود علة وإن لم تكن ظاهرة
…
، فليس كل تفرد من الثقة مردود بل ما ينقدح في ذهن الناقد وجود خطأ في الرواية تقصر عبارته عن بيانه. (3)
ونُسب للخليلي إطلاق تفرد الراوي بالرواية سواء كان ثقة أو غير ثقة؛ إلا أن التأمل فيما ذكره، وسياقه يجد أنه ليس على الإطلاق المذكور بل قيّد تعريفه بتفرّد الشيوخ، وسبق تعريفه مثال للفرد الشاذ بسبب تفرّد راوِ وصفه بكونه شيخ لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه.
(1) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازَري المالكي. أبو عبد الله. فقيه محدث وأحد الأئمة الأعلام. مات سنة 536 هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات، 4/ 110 (1682)، ابن العماد، الشذرات، 6/ 187. الزركلي، الأعلام، 6/ 277.
(2)
ينظر: المازري، المعلم بفوائد مسلم (2/ 373) ح (737).
(3)
ينظر: تحقيق كتاب ابن رجب، المرجع السابق 1/ 459 - 460، الأثري، الحديث الشاذ، 41 - 42.