الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في كتابيهما، وليس شرطاً عاماً لكل حديث صحيح (1)، إذ يُكتفى بالشروط السابقة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلو الحديث من الشذوذ والعلة، والله أعلم.
قيد اشتراط العدد:
وهو من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، والمراد باشتراط العدد في الحديث الصحيح أو المقبول بوجه عام "أن يرويه عدلان عن عدلين حتى يتصل السند مثنى مثنى برسول الله صلى الله عليه وسلم "(2).
وممن نُسب إليه اشتراط هذا الشرط -في الحديث الصحيح - من أئمة الحديث (3): الإمام الحاكم رحمه الله مستدلين بما جاء في تعريفه للصحيح في كتابه "معرفة علوم
(1) معلوم أن البخاري ومسلم رحمهما الله لم يستوعبا في كتابيهما كل الصحيح، بل جاء عن البخاري قوله:"ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول" الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 2/ 322.
وقال مسلم في صحيحه: " قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه" مسلم، الصحيح، 1/ 304 ح (63).
(2)
ابن حجر، النكت، 1/ 238. أشار إلى ذلك المعنى العراقي في كتابه التقييد، بنقله جزءاً من رسالة البيهقي إلى أبي محمد الجويني -رحمهما الله- حيث قال: "رأيت في الفصول التي أملاها الشيخ حرسه الله تعالى حكاية عن بعض أصحاب الحديث أنه يشترط في قبول الأخبار أن يروى عدلان عن عدلين حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يذكر قائله إلى آخر كلامه.
وكأن البيهقي رآه في كلام أبى محمد الجوينى فنبهه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث والله أعلم." العراقي، التقييد، 21.
(3)
مسألة اشتراط العدد.13/ 233.
ومن أقوال أهل الحديث في حجية خبر الآحاد:
قول ابن حبان في مقدمة صحيحه: "فأما الأخبار فإنها ـ كلها ـ أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار ـ كلها ـ أخبار الآحاد، وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد."
وقال ابن عبدالبرَّ في التمهيد: "أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لاتعد خلافاً ".
وفى ذلك يقول الإمام الحازمي -في كتابه شروط الأئمة-: "ولا أعلم أحداً من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخري المعتزلة؛ فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم ابن حبان".
إن مسألة اشتراط وجود أكثر من راوٍ في كل طبقة من طبقات الإسناد لقبول الحديث، وتفنيد الأقوال فيها، وبيان حجية خبر الآحاد من المسائل المبسوطة بأدلتها في كتب علوم الحديث وكتب أصول الفقه، المراجع: ابن حبان، الصحيح، 1/ 118، ابن عبد البر، التمهيد، 1/ 2، الحازمي، شروط الأئمة، 61. وللاستزادة ينظر: الشافعي، الرسالة، 401، محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، 2/ 138، أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، 23، الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، 4/ 417، ابن حجر، النكت، 1/ 241 - 247، البقاعي، النكت الوفية، 1/ 87، 2/ 439 - 442، السيوطي، تدريب الراوي، 1/ 69 - 75، السيوطي، البحر الذي زخر، 1/ 363 - 376، الجزائري، توجيه النظر، 1/ 181 - 186، الجديع، تحرير علوم الحديث، 1/ 52.
الحديث" حيث قال: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان (1)، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول
(1) قال أحمد السلوم في تعليقه على هامش كتابه-في بيان شرط الشيخين-: "مما اُنتقِد على الإمام البخاري في أسلوب تعامله مع الصحابة رضي الله عنهم، إطلاقه لفظ الضعف على بعضهم كـ (هند بن أبي هالة، وهو هند ابن خديجة رضي الله عنهم، فقد أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فأنكر عليه ذلك أبو حاتم وقال: "روى عنه قوم مجهولون فما ذنب هند ابن أبي هالة أدخله البخاري في كتاب الضعفاء. قال أبو محمد بن أبي حاتم: فسمعت أبي يقول: يحول من هناك."
واعتذر الحافظ المعلمي عن صنيع البخاري فقال-في تعليقه في حاشية كتاب ابن أبي حاتم-: "ذاك اصطلاح للبخاري إذا لم يكن للصحابي إلا حديث واحد- لم يصح عنه.
المراجع: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 9/ 116، 9/ 22، ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، 4/ 161 - 163، ابن حجر، اللسان، 6/ 13، أحمد بن فارس السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما-مطبوع مع تحقيقه لكتاب المدخل إلى الإكليل، 180. بتصرف.
ولعل الحاكم رحمه الله قلّد البخاري في اصطلاحه هذا؛ لذا اشترط في الصحيح بوجه عام: أن يكون الصحابي قد زال عنه وصف الجهالة برواية عدلين عنه، ويكون الطريق إليه صحيحاً قد استوفى شروط القبول عند أهل الحديث، ونجد كذلك الإمام الحافظ أبا عبدالله محمد بن إسحاق بن منده (ت 395 هـ)، -وهو من معاصري الحاكم- يُصرّح بنسبة الصحابي إلى الجهالة ما لم يروِ عنه إلا تابعي واحد حيث قال:"من حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي وسعيد بن المسيب- ينسب إلى الجهالة. فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين". ابن طاهر المقدسي، شروط الأئمة الستة، 22، ولعل مراده بقوله (ُاحتُجّ به) أي: جُعل في مرتبة الاحتجاج به أي في أصول الصحيحين لا في الشواهد والمتابعات؛ لذا أعقبه بقوله (وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما)، فمرادهم بالجهالة هنا: قلة الرواة عن الراوي، وعدم اشتهاره، وليس المقصود جهالة عدالته، فعدالة الصحابة معلومة كما سبق، والله أعلم.
إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة" (1)، أو بما ذكره من أقسام الصحيح في "المدخل إلى الإكليل" حيث قال:
"والصحيح من الحديث منقسم على عشرة أقسام. خمسة متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها. فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورًا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح.
القسم الثاني من الصحيح المتفق عليها: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي وليس لهذا الصحابي إلا راو واحد
…
".
وبعد أن ذكر أمثلة على هذا القسم قال: "والشواهد لما ذكرناه كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح".
القسم الثالث من الصحيح المتفق عليها: أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة، والتابعون ثقات إلا أنه ليس لكل واحد منهم إلا الراوي الواحد
…
"
ثم قال: "وليس في الصحيح من هذه الروايات شيء وكلها صحيحة، بنقل العدل عن العدل متداولة بين الفريقين محتج بها".
القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد به ثقة من الثقات وليس لها طرق مخرجة في الكتب
…
"
ثم قال: "وشواهد هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرجة في الكتابيين.
(1) الحاكم، علوم الحديث، 62.
القسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم يتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم
…
"
وقال أيضا: "فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها وإن لم يخرج في الصحيحين منها حديث -أي: الأقسام الأربعة دون الأول- لما بيناه في كل قسم منها". (1)
وقد تفاوتت مذاهب العلماء في توجيه كلام الحاكم في كتابيه السابقين- المعرفة والإكليل- إلى مذهبين رئيسيين، الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراط العدد في رواة الصحيح، والثاني: فهم اشتراط شهرة رواة الحديث الصحيح، هذا بشكل مجمل، أما تفصيل ذلك فهو على النحو الآتي:
المذهب الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لا يقل عن راويين)
وانقسموا إلى قسمين:
القسم الأول: من فهم اشتراط العدد، وأيّده كالميانشي (ت 581 هـ)، فقد عرّف الصحيح بنفس عبارات الحاكم وعزاه إليه- ثم عقَّب بقوله:"فأما الذي شرطه الشيخان في صحيحهما، فهو أنهما لا يدخلان في كتابيهما إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان من الصحابة فصاعدًا، وما نقله عن كل واحدٍ من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة"(2).
قال الزركشي -مستغرباً ما ذهب إليه المانشي-: "وأغرب مما قاله الحاكم قول أبي حفص الميانشي: إن شرطهما في صحيحيهما ألا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه
(1) ينظر: الحاكم، الإكليل، 33 - 41.باختصار. وقد تعقّب ابن حجر ما ذكره الحاكم من أقسام الحديث الصحيح- فقال:"وكل من هذه الأقسام التي ذكرها في هذا المدخل مدخول"، وردّ عليه بذكر أمثلة من الصحيحين تنقض ما ذكره الحاكم من العموم في هذه الأقسام. ينظر: ابن حجر، النكت، 1/ 367 - 370.
(2)
الميانشي، ما لا يسع المحدث، 27
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان فصاعدا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر." (1)
وكذلك تعجّب السيوطي مما ذهب إليه الميانشي، فقال:"وما أدري من أين له ذلك؟ ! ، وقد كنت أقول: لعله سرى إليه من فهمه كلام الحاكم على غير وجهه، حتى رأيت كتابه، فرأيته ساق أولا كلام الحاكم معزوّا إليه وجعله شرط مطلق الصحيح، ثم قال: فأما الذي شرط الشيخان وذكر ما تقدّم بنصه."(2)
وبالنظر فيما ذكره الميانشي من شرط الشيخين، نرى أنه زاد على تعريف الحاكم، وأضاف - ما لم يذكره في تعريفه- من تعدد طبقة الصحابة والتصريح بكونهم اثنان فصاعداً، وضاعف العدد فيمن بعدهم، وقد تعقّبه ابن حجر - فيما ذكره- بقوله:"فهذا الذي قاله مستغنٍ بحكايته عن الرد عليه، فإنهما لم يشترطا ذلك ولا واحد منهما. وكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلا صحابي واحد، وكم فيهما من حديث لم يروه إلا تابعي واحد. وقد صرح مسلم في صحيحه ببعض ذلك"(3).
القسم الثاني: من فهم اشتراط العدد، واعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت 584 هـ).
فقد قال الحازمي في كتابه "شروط الأئمة الخمسة": "وذكرت أن بعض الناس يزعم أن شرط الشيخين أن لا يخرجا إلا حديثاً سمعاه من شيخين عدلين، وكل واحد منهما رواه أيضاً عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا القانون برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يخرجا
(1) الزركشي، النكت، 1/ 266.
(2)
السيوطي، البحر، 1/ 696 - 697.
(3)
ذكر سبب تعقبّه لكلام الميانشي فقال: "وإنما حكيت كلام الميانجي (أو الميانشي كلاهما ورد في كتب التراجم) هنا لأتعقبه لئلا يغتر به". ابن حجر، النكت، 241.
حديثاً لم يُعرف إلا من جهة واحدة أو لم يروه إلا راوٍ واحد وإن كان ثقة
…
وهذا قول قد قيل ودعوى قد تقدمت حتى ذكره بعض أئمة الحديث في مدخل الكتابين".
ثم نقل أقسام الحديث الصحيح التي ذكرها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، وعلّق بقوله:"ولم يُصب فيها". (1)
وذكر تحت الباب الذي عنونه بقوله: - في إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن عدلين وهلم جرا إلى أن يتصل الخبر بالنبي صلى الله عليه وسلم عددًا من الأمثلة على الأحاديث الأفراد المخرّجة في الصحيحين أو أحدهما، ثم قال:"ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم". (2)
قال ابن حجر مُعقِّبا وشارحاً: "قد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين.
والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه" (3).
(1) ينظر: الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 33 - 38 باختصار.
(2)
ينظر: المرجع السابق، 43 - 49.
(3)
أشار إلى ما قد يكون سبباً في فهم كلام الحاكم على أنه يشترط العدد في رواة الصحيح فقال: "إن قوله -أي الحاكم- في آخر الكلام: "ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة". إن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه فيقوى اعتراض الحازمي، وإن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة، والحاكم قائل بصحتها. وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال والإجازة عند المحدثين لها حكم الاتصال - والله أعلم- ولا شك أن الاعتراض عليه بما في علوم الحديث أشد من الاعتراض عليه بما في المدخل؛ لأنه جعل في المدخل هذا شرطا لأحاديث الصحيحين. وفي العلوم جعله شرطا للصحيح في الجملة."ابن حجر، النكت، 1/ 240. ينظر: السيوطي، التدريب، 1/ 135.
"فالحازمي ظن أن الحاكم يذهب إلى أن شرط الشيخين هو إخراج الحديث المروي عن عدلين إلى نهاية السند،
…
والحقيقة أنه لم يرد ذلك، ويبعد من الحاكم أن يذهب ذلك المذهب، ولو أراد ما فهمه المعترضون لقال: الحديث الذي يرويه صحابيان
…
إلخ" (1)
فلم يأت في كلام الحاكم التصريح بأن يكون الحديث من رواية اثنين من الصحابة، بل نجده قد ذكر في كتابه المعرفة - ضمن أنواع علوم الحديث- تحت النوع الرابع والعشرين معرفة الغريب من الحديث فنوع منه غرائب الصحيح، ومثّل له من الصحيحين، ووصفها بالأحاديث الصحيحة الغريبة. (2)
وهذا يدلل على أنه لم يُرِد اشتراط العدد في الحديث الصحيح.
- أما أصحاب المذهب الثاني: وهم من فهم كلام الحاكم على أنه اشتراط لشهرة رواة الصحيح في كل طبقات السند بما في ذلك طبقة الصحابة (أي: شهرة تخرج الراوي عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل)، وهم على أقسام:
(1) عتر، الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، 60 - 61 باختصار.
(2)
ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 94. من الأمثلة التي ذكرها:
فقد أخرج الحاكم حديث جابر بن عبد الله قال: ((كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيهرواه البخاري في الجامع الصحيح- كتاب المغازي، باب غزة الخندق 5/ 108 ح (4101) - عن خلاد بن يحيى المكي ، عن عبدالواحد بن أيمن، فهذا حديث صحيح وقد تفرد به عبدالواحد بن أيمن ، عن أبيه ، وهو من غرائب الصحيح". المرجع السابق، 94.
- وأخرج حديث عبدالله بن عمرو قال: لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا، فقال: ((إنا قافلون إن شاء الله غدا
…
)) رواه مسلم في المسند الصحيح -كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الطائف 3/ 1402 ح (1778) - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره، عن سفيان، وهو غريب صحيح، فإني لا أعلم أحدا حدث به عن عبدالله بن عمرو غير أبي العباس السائب بن فروخ الشاعر، ولا عنه غير عمرو بن دينار، ولا عنه غير سفيان بن عيينة فهو غريب صحيح." المرجع السابق، 95.
القسم الأول: من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت 458 هـ)، وأبو علي الجياني (1) -الغساني- (ت 498 هـ).
فأما البيهقي فقد أكّد أن هذا هو مذهب كثير من حفاظ الحديث (2)، وهو ما يدل عليه صنيع الإمامين البخاري ومسلم، فقال:
"والذي عندنا من مذهب كثير من الحفاظ، وعليه يدل مذهب الإمامين: أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين النيسابوري:
- أنهما إنما يشترطان أن يكون للصحابي الذي يروي الحديث راويان فأكثر؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، وهكذا من دونه.
- ثم إن انفرد أحد الراويين عنه بحديث، وانفرد الآخر بحديث آخر، أو بحكاية، أو جرى له [ذكر] في حديث آخر، قبل.
- وإنما التوقف في رواية صحابي أو تابعي لا يكون له إلا راوٍ واحدٌ" (3)
(1) الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني الأندلسي، أبو علي. محدث الأندلس. من مصنفاته:(تقييد المهمل وتمييز المشكل) و (الألقاب) و (التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين) وغيرها. ينظر: الذهبي، السير، 14/ 172. ابن العماد، الشذرات، 5/ 420. الزركلي، الأعلام، 2/ 255.
(2)
ذلك بعد أن أشار إلى القول الأول، وإبهام قائله، فقال: "ورأيت في الفصول التي أملاها في الأصول -من هذه الأجزاء- حكايةً عن بعض أصحاب الحديث: أنه اشترط في قبول الأخبار:
(أن يروي عدلان، عن عدلين، [عن عدلين]، حتى يتصل مثنىً مثنىً برسول الله صلى الله عليه وسلم) ولم يذكر قائله! ".
: البيهقي، رسالة الإمام أبي بكر البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجويني، 83.
(3)
ذكر أمثلة لبعض الرواة من الصحابة والتابعين ممن ليس له إلا راوٍ واحد:
- كصفوان بن عسال، لم يرو عنه من الثقات إلا: زر بن حبيش.
- وكعروة بن مضرس، وهو صحابي، لم يرو عنه من الثقات إلا: عامر الشعبي.
- وكالصُبّي بن معبد، وهو تابعي، لم يرو عنه من الثقات إلا: أبو وائل شقيق بن سلمة.
ينظر: البيهقي، المرجع السابق، 84 - 85.
ومن أمثلة ذلك في كتابه السنن الكبرى، حيث أخرج في كتاب الزكاة، باب ما ورد فيمن كتمه، حديثاً عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((في كل أربعين من الإبل السائمة ابنة لبون
…
)) هذا حديث قد أخرجه أبو داود في كتاب السنن -كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، 2/ 101 ح (1575) -، فأما البخاري ومسلم رحمهما الله فإنهما لم يخرجاه جريا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين ، ومعاوية بن حيدة القشيري لم يثبت عندهما رواية ثقة عنه غير ابنه فلم يخرجا حديثه في الصحيح والله أعلم." البيهقي، السنن الكبرى، 4/ 176 ح (7328).
وممن تأوّل كلام الحاكم كذلك- وبيّن أن مراده: إثبات شهرة الراوي وخروجه عن حدّ الجهالة (1) -: أبو علي الجيانى -الغساني- حيث قال: "وليس مراده أن يكون كل خبرٍ
روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه وتابعيه ومن بعده، فإن ذلك يعزُّ وجوده، وإنما المراد أَن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرَج بهما عن حدّ الجهالة برواية الواحد" (2).
قال السيوطي: "واعتنى جماعة (3) بالحاكم فقالوا: "إن الحازمي ظن أن مراد الحاكم: أن كل حديث في الكتابين يشترط أن يرويه اثنان وليس ذلك مراده، إنما مراده أن كل راو فيهما يُشترط أن يكون له راويان؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، لا أن يتفقا على رواية ذلك الحديث بعينه" (4).
وقد تعقّب أبو عبدالله بن المواق (5) هذا الرأي فقال:
(1) قال الجديع - بعد أن نقل تعريف الحاكم للصحيح-: "وهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عنى أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك، إنما قوله: "وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان" عائد على ما ترتفع به الجهالة، فهو يقول: رفع الجهالة لا يكون إلا برواية اثنين عن الصحابي فمن دونه من رواة الحديث.". قال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، 88، الجديع، التحرير، 1/ 336
(2)
نقل كلامه القاضي عياض في مقدمته لشرح صحيح مسلم. عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، إكمالُ المُعْلِم بفوائد مسلم، 1/ 83.
(3)
منهم: ابن حجر حيث تعقّب الحازمي بقوله: "قد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين.
والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه". ابن حجر، النكت، 1/ 240
(4)
السيوطي، البحر الذي زخر، 2/ 690 - 691.
(5)
محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبدالله المواق: فقيه مالكي. له: (التاج والإكليل في شرح مختصر خليل) و (سنن المهتدين في مقامات الدين). مات سنة 897 هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، 7/ 154. كحالة، المؤلفين، 2/ 302.
"ما حمل الغساني عليه كلام الحاكم -وتبعه عليه عياض وغيره- ليس بالبيِّن، ولا أعلم أحدا روى عنهما أنهما صرحا بذلك، ولا وجود له في كتابيهما ولا خارجا عنهما، فإن كان قائل ذلك عرفه من مذهبهما بالتصفح لتصرفهما في كتابيهما فلم يصب؛ لأن الأمرين معًا في كتابيهما، وإن كان أخذه من كون ذلك أكثريًا في كتابيهما، فلا دليل فيه على كونهما اشترطاه، ولعل وجود ذلك أكثريا إنما هو لأن من روى عنه أكثر من واحد، أكثر ممن لم يرو عنه إلا واحد من الرواة مطلقا، لا بالنسبة إلى من خرج له
منهم في الصحيحين، وليس من الإنصاف إلزامهما هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به؛ لأنهما إذا صح عنهما اشتراط ذلك كان في إخلالهما به درك عليهما." (1)
فقد اعترض ابن المواق على إلزام الشيخين بهذا الشرط، ونسبته لهما دون أن يصرحا بذلك، ولو كان هذا النوع هو الغالب في كتابيهما، ويشير ابن المواق بذلك إلى النسبة الغالبة في أحاديث الصحيحين - بل في الحديث عمومًا - من كون أغلب رواة الحديث قد روى عنهم أكثر من واحد.
القسم الثاني: من فهم اشتراط الحاكم لشهرة الرواة، وانتقد تعميمه ذلك على جميع ما أُخرِج في الصحيحين كابن منده (ت 470 هـ)، وابن طاهر المقدسي-ابن القيسراني (2) - (ت 507 هـ).
(1) قال ابن حجر: "وهذا كلام مقبول وبحث قوي." السيوطي، التدريب، 1/ 135 - 136. السيوطي، البحر، 2/ 694 - 695.
(2)
محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي الحافظ القيسراني، شمس الدين أبو الفضل. من حفاظ الحديث. له كتب كثيرة، منها:(أطراف الكتب الستة) و (أطراف الغرائب والأفراد) و (معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، 6/ 30. الزركلي، الأعلام، 6/ 171، كحالة، المؤلفين، 3/ 364 (13770).
حيث أوضحوا أنها قاعدة غير مطّردة، وذكروا ما ينقض ذلك مما يخالف القاعدة التي ذكرها الحاكم، فقال ابن طاهر المقدسي في كتابه "شروط الأئمة الستة" - في نقد كلام الحاكم فيما قدَّرهُ شرطاً للبخاري ومسلم-:
"الجواب أن البخاري ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقِل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن. ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة
في الكتابين جميعًا
…
" (1)، ثم ذكر أمثلة من الصحيحين لعدد من الصحابة لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد (2)، وأتبع ذلك بقوله: "هذا في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر لتعلم أن القاعدة التي أسسها منتقضة لا أصل لها .. " (3)
ويحوي رد ابن طاهر -على الحاكم- جانبين:
الأول: أن ما ذكره الحاكم من شرط البخاري ومسلم لم ينصّا عليه في كتابيهما.
والثاني: أن ما ذكره من شرط مُنتَقَض بما يخالفه من صنيعهما في كتابيهما، فالإمامين البخاري ومسلم لم يلتزما ما اشترطه الحاكم في كتابيهما.
وقد أشار ابن طاهر بأن سبيل معرفة شرط كل إمام من أئمة الحديث - كالبخاري ومسلم- في كتابه إن لم يصرّح به؛ إنما يكون بسبر كتبهم، ثم ذكر ما توصّل إليه من شرطهما
(1) ابن طاهر المقدسي، شروط الأئمة، 22.
(2)
ذكر الذهبي أن مجموع الرواة من الصحابة الذين أخرج لهم البخاري، ولم يرو عنهم سوى واحد هم عشر رواة، هم:"مرداس الأسلمي؛ عنه قيس بن أبي حازم، حزن المخزومي؛ تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن، زاهر بن الأسود؛ عنه ابنه مجزأة، عبدالله بن هشام بن زهرة القرشي؛ عنه حفيده زهرة بن معبد، عمرو بن تغلب؛ عنه الحسن البصري، عبدالله بن ثعلبة بن صعير؛ روى عنه الزهري قوله، سنين أبو جميلة السلمي؛ عنه الزهري، أبو سعيد بن المعلى؛ تفرد عنه حفص بن عاصم، سويد ابن النعمان الأنصاري شجري؛ تفرد بالحديث عنه بشير بن يسار، خولة بنت ثامر؛ عنها النعمان بن أبي عياش، فجملتهم عشرة". الذهبي، السير، 12/ 470.
(3)
ابن طاهر المقدسي، المرجع السابق، 23.
فقال: "اعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور
…
فإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه" (1).
ثم أيّد ما ذكره بما نقله عن ابن منده، فقال: "وأما الإمام الحافظ المتقن أبو عبدالله محمد ابن إسحاق بن منده، فأشار إلى نحو ما ذكرناه، وخلاف ما رسمه الحاكم
…
- قال-: "من
حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي (2) وسعيد بن المسيب (3) - ينسب إلى الجهالة (4). فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين، إلا أحرفا تبين أمرها
…
" ثم عقّب ابن طاهر بقوله: "فاستثنى ابن منده أحرفاً وهو هذا النوع الذي أشرت إليه، فقد صح لديك بيان ما قدمته إليك، والله أعلم بالصواب." (5)
وبالنظر فيما ذكره ابن طاهر، وما استدل به من قول ابن منده، نجده موافقًا لما ذكره الحاكم من جهة أن ثلاثتهم -ابن منده والحاكم وابن طاهر رحمهم الله اشترطوا شهرة
(1) المرجع السابق، 17 - 18.
(2)
عامر بن شراحيل الشعبي. مات سنة: 103 أو 104 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 522 (2531)، ابن حجر، التقريب، 287 (3092).
(3)
سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب القرشي المخزومي، أبو محمد المدني، قال عنه الذهبي:"الإمام، أحد الأعلام، وسيد التابعين، ثقة حجة فقيه، رفيع الذكر، رأس في العلم والعمل"، وقال ابن حجر:"أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علما منه"، مات سنة 94 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 444 (1960)، ابن حجر، التقريب، 241 (2396).
(4)
المقصود بالجهالة هنا عدم الشهرة بالرواية لا جهالة العدالة، فالصحابة كلهم عدول، وسبق بيان هذه المسألة في حاشية تعريف الحاكم في بداية الفصل، أضاف فضيلة المناقش استدراكاً:"بل المقصود عدم ثبوت صحبته".
(5)
ابن طاهر المقدسي، المرجع السابق، 22.
الصحابي راوي الحديث المُخرّج له في الصحيحين- والفارق بينهم أنّ ابن طاهر وابن منده استثنيا من هذا الشرط من أُخرِج حديثه من الصحابة ولم يرو عنه إلا واحد، وهم قلة في الصحيحين، بينما الحاكم أطلق قوله - في التعريف بالصحيح- دون استثناء، ولكنه ذكر هذا الاستثناء في تعقيبه على حديث في المستدرك (1)، وهو ما نبه إليه السخاوي بقوله: "وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا
لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال:"الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه; إذ هو صحيح على شرطهما جميعا."(2)
وبهذا الاستثناء يكون الحاكم قد وافقهم فيما ذكروه من القاعدة الأغلبية.
- وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعاً كابن الأثير (3)(ت 606 هـ)، وبيّن أن مراد الحاكم يحتمل الأمرين (سواء اشتراط العدد أو إثبات الشهرة للرواة)، ولا إنكار عليه، فقال في "مقدمته لجامع الأصول" - بعد أن سرد مقولة الحاكم في شرط الصحيح عند الشيخين-:
"وقد قال غيره: إن هذا الشرط غير مطَّرد في كتابَي البخاري ومسلم، فإنهما قد أخرجا فيهما أحاديث على غير هذا الشرط.
(1) الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (61) 1/ 74.
(2)
السخاوي، فتح المغيث، 1/ 68.
(3)
مبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجرزي ثم الموصلي المعروف بابن الأثير مجد الدين أبو السعادات، كان فقيها، محدّثا، أديبا، نحويا، عالما بصنعة الحساب والإنشاء، وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة منها:(جامع الأصول في أحاديث الرسول) و (النهاية في غريب الحديث) وغيرها. مات سنة 606 هـ. ينظر: الذهبي، السير،16/ 45. ابن العماد، الشذرات، 7/ 42. الأدنه وي، طبقات المفسرين، 212.
والظن بالحاكم غير هذا، فإنه كان عالمًا بهذا الفن، خبيرًا بغوامضه، عارفًا بأسراره، وما قال هذا القول وحكم على الكتابين بهذا الحكم إلا بعد التفتيش والاختبار والتيقن لما حكم به عليهما.
ثم غاية ما يدعيه هذا القائل، أنه تتبع الأحاديث التي في الكتابين، فوجد فيهما أحاديث لم ترد على الشرط الذي ذكره الحاكم، وهذا منتهى ما يمكنه أن ينقض به، وليس ذلك ناقضًا، ولا يصلح أن يكون دافعًا لقول الحاكم، فإن الحاكم مثبت، وهذا ناف، والمثبت يقدم على النافي، وكيف يجوز له أن يقضي بانتفاء هذا الحكم بكونه لم يجده، ولعل
غيره قد وجده ولم يبلغه وبلغ سواه؟ وحسن الظن بالعلماء أحسن، والتوصل في تصديق أقوالهم أولى، على أن قول الحاكم له تأويلان:
أحدهما: أن يكون الحديث قد رواه عن الصحابي المشهور بالرواية راويان، ورواه عن ذينك الراويين أربعة، عن كل راو راويان، وكذلك إلى البخاري ومسلم.
التأويل الثاني: أن يكون للصحابي راويان ويروي الحديث عنه أحدهما، ثم يكون لهذا الراوي راويان، ويروي الحديث عنه أحدهما، وكذلك لكل واحد ممن يروي ذلك الحديث راويان، فيكون الغرض من هذا الشرط تزكية الرواة، واشتهار ذلك الحديث بصدوره عن قوم مشهورين بالحديث." (1)
(1) ابن الأثير، جامع الأصول، 1/ 162 - 163. تعقّب الحافظ ابن حجر ما ذكره الحاكم - من أقسام الصحيح في كتاب المدخل إلى الإكليل- وذكر ما يُنتقض به عليه في كل قسم فقال في النكت:"ولولا أن جماعة من المصنفين كالمجد بن الأثير في مقدمة جامع الأصول تلقوا كلامه فيها بالقبول، لقلة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن واسترواحهم إلى تقليد المتقدم دون البحث والنظر؛ لأعرضت عن تعقب كلامه في هذا؛ فإن حكايته خاصة تغني اللبيب الحاذق عن التعقب." ابن حجر، النكت، 1/ 367.
وجاء عن ابن حجر أيضاً استغرابه مما اُشتهر عن شرط الشيخين فقال في الفتح: "قال الكرماني: قالوا لم يرو عن المسيب بن حزن -وهو وأبوه صحابيان- إلا ابنه سعيد بن المسيب، وهذا خلاف المشهور من شرط البخاري أنه لم يرو عن واحد ليس له إلا راو واحد.
قلت- أي ابن حجر-: وهذا المشهور راجع إلى غرابته، وذلك أنه لم يدّعه إلا الحاكم ومن تلقى كلامه، وأما المحققون فلم يلتزموا ذلك، وحجتهم أن ذلك لم ينقل عن البخاري صريحا، وقد وجد عمله على خلافه في عدة مواضع منها:"هذا فلان يعتد به" وقد قررت ذلك في "النكت على علوم الحديث".
وعلى تقدير تسليم الشرط المذكور، فالجواب عن هذا الموضع أن الشرط المذكور إنما هو في غير الصحابة، وأما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول، وإن وقع ذلك في كلام بعضهم فهو مرجوح، ويحتاج من ادعى الشرط في بقية المواضع إلى الأجوبة". ابن حجر، فتح الباري، 10/ 575.
- وهناك من رجّح المذهب الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كابن حجر (ت 852 هـ)، وتلميذه السخاوي (ت 902 هـ)، فقد توسطوا، وجمعوا بين تأويل الشرط بالشهرة، وبيان عدم اطّراده في جميع ما أُخرِج في الصحيحين.
بينما رجّح السيوطي (ت 911 هـ) هذا المذهب، وأشار إلى أنه مطّرد فقال:"ولا ينتقض أيضاً ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم والبيهقي، ولله الحمد"(1).
قال ابن حجر: "والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان مُنتقِضًا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم، فإنه مُعتَبر في حق من بعدهم فليس في الكتاب حديث أصل (2) من رواية من ليس له إلا راو واحد قط"(3)، وفي كلام ابن حجر إشارة إلى أن هذا الشرط إنما اُنتقض في روايات بعض الصحابة ممن لا راوي عنه إلا واحد، أما من أخرج لهم البخاري في صحيحه ممن هم دون الصحابي - وكانت روايته في أصول الكتاب دون الشواهد والمتابعات- فهذا الشرط متحقق فيهم.
(1) السيوطي، البحر، 1/ 696.
(2)
حين يكون الحديث عن شرط الشيخين "ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار تقسيمهما لأحاديث الكتابين، لأن مما لا خلاف فيه أن أحاديث الكتابين على قسمين:
الأول: ما أخرجاه أصولاً للأبواب.
الثاني: ما كان من قبيل المتابعات والشواهد، فالأمر في هذا أخف، وقد يحصل فيه تساهل، لا يخرجه من دائرة الصحيح، على اختلاف مراتبه وأنواعه. ونحن إذ نتكلم على تحديد شرطهما، فالمراد القسم الأول من الأحاديث." السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين، 177.
(3)
ابن حجر، هدي الساري، 9. وإن كان السيوطي لا يرى في عدم اطراد الشرط اختلاله أو انتقاضه بل يصدق عليه حكم الأغلبية حيث قال:"ولا ينتقض أيضاً ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم، والبيهقي، ولله الحمد" السيوطي، البحر الذي زخر، 2/ 696.
"وكذا الحال في مسلم، فإن من طُعن فيه لأجل تفرد راوٍ واحد عنه، ماله في الأصول شيء. وقد يُخرج هو والبخاري في المتابعات أحرفاً يسيرة لبعض هؤلاء. وإنما شرطا ذلك في الراوي؛ لأن تفرد رجل واحد بالرواية عنه موجب لعدم شهرته بالطلب، ومعرفته بالعلم، وهذا أمر يحجم الاطمئنان إليه، والاعتماد عليه." السلوم، شرط الشيخين، 181.
وساق السخاوي من كلام الحاكم ما يدل على استثناء الصحابة من هذا الشرط فقال: "قد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه ; إذ هو صحيح على شرطهما جميعا"(1).
وقد لخَّص أحد الباحثين في رسالته (2) - والتي كانت عن الإمام الحاكم وكتابه المستدرك- ما توصّل إليه في بحث هذه الجزئية فقال:
"خلاصة الأمر: أن الحاكم يعلم أن الشيخين أخرجا لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلا راو واحد، وفي الوقت نفسه هو يذهب إلى أن الأصل الذي بنى الشيخان عليه كتابيهما الإخراج عن الصحابي الذي له أكثر من راو من التابعين - ثم أردف بقوله- والذي عندي في تفسير موقف الحاكم هذا بشعبتيه أمران، لكل شعبة منهما أمر:
- فأما أنه يعلم تخريج الشيخين لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلا راو واحد فحق؛ في علمه وفي واقع الأمر (3)، غير أنه يمكن أن يضاف إلى ذلك علمه- فيما أرى- أن هؤلاء الذين أخرج لهم الشيخان هم من الصحابة المعروفين، وإن لم يرو عنهم إلا تابعي واحد.
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 68. ينظر: الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (61) 1/ 74.
(2)
ينظر: عادل حسن علي، الإمام الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك، 228 - 229 باختصار.
(3)
مثال ذلك قول الحاكم بعد أن أخرج أحد الأحاديث في مستدركه: "هذا حديث صحيح قد اتفقا على الاحتجاج برواته، عن آخرهم إلى الصحابة، وعبد الرحمن بن قتادة من بني سلمة من الصحابة، وقد احتجا جميعا بزهير بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس له راو غير أبي عثمان النهدي، وكذلك احتج البخاري بحديث أبي سعيد بن المعلى، وليس له راو غير حفص بن عاصم" الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (84) 1/ 85.
وقال بعد أخرج حديثاً آخر: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعا على إخراج جماعة من الصحابة ليس لكل واحد منهم إلا راو واحد" الحاكم، المرجع السابق، كتاب الإيمان ح (126) 1/ 102.
والدليل على هذا من كلام الحاكم نفسه، فقد قال:"الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به، وصححنا حديثه إذ هو صحيح على شرطهما جميعا"(1)
- وأما أن القاعدة عند الشيخين كما يراها الحاكم: التخريج للصحابة الذين روى عن الواحد منهم أكثر من تابعي فكذلك، غاية الأمر أن تُحمَل على القاعدة المطردة أو الحكم الأغلبي، وما ورد في الصحيحين على خلافها فهو محمول على الاستثناء الذي لا ينفي
القاعدة، ولا يلغي الحكم الأغلبي، وقد صرح بمثل هذا أحد الأئمة المعاصرين للحاكم، وهو أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده، فقال:"من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد- وإن كان مشهوراً مثل الشعبي وسعيد بن المسيب- ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلا أحرفاً تبين أمرها."(2)
ثم أضاف الدكتور من ضمن ردوده في هذه المسألة قوله: "ولا يشغب على هذا قول الحاكم عن حديث الصحابة الذين ليس للواحد منهم إلا الراوي الواحد من التابعين: "ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح" (3)؛ ذلك أن تفسير هذه الجملة من كلام الحاكم هو أن المقصود بها استيعاب هذا النوع (4) من الحديث في الصحيحين، أو
(1) الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (61) 1/ 74.
(2)
المقدسي، شروط الأئمة، 23.
(3)
الحاكم، المدخل إلى الإكليل، 38
(4)
حيث نجد الحاكم قد صرّح في المستدرك باحتجاج البخاري ومسلم ببعض هذا النوع، ومن ذلك: قوله: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه وهي في جملة ما قلنا: إنهما أعرضا، عن الصحابي الذي لا يروي عنه غير الواحد، وقد احتجا جميعا ببعض هذا النوع." الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، ح (522) 1/ 247.
جعله في مكانة واحدة من حيث الاختيار منه عند الرواية، مع غيره من روايات الصحابة؛ ولا شك أن هذا وذلك غير الواقع في الصحيحين." (1)
نخلص مما سبق (2):
أن علماء الحديث اختلفوا في تأويل مراد الحاكم من شرط الشيخين، وهل مراده اشتراط العدد في كل طبقة من طبقات الإسناد، أو أن يكون الراوي مشهورًا زال عنه وصف الجهالة برواية راويين عنه فأكثر.
والمعنى الثاني أيّده الأكثر، ومنهم من كان معاصراً له كتلميذه البيهقي، بل إن أغلب من ذهب إلى تأويل مراده باشتراط الشهرة كانوا أقرب لعصره ممن اشترط العدد، ونلحظ أن من اشترط العدد قد زادوا على نص الحاكم ما لم يصرّح به من تعدد رواة الحديث من الصحابة، ولعله قد اُلبِس عليهم في ذلك.
إلا أن ما ذهب إليه الحاكم - عموما- لم يسلم من توجيه الانتقاد إليه في نسبة ذلك إلى الشيخين رغم إخراجهم لأحاديث رواة ليس لهم إلا راوٍ واحد، ووجه بعضهم ذلك بكونه شرطًا أغلبيًا، وذكروا أن ما أُخرِج في أصول الكتابين اُلتُزِم فيه بالشرط، وإنما الاعتراض بالنقد يتوجّه للرواة الذين أُخرج لهم في الشواهد والمتابعات، وهؤلاء ليسوا ضمن شرط الشيخين في الاحتجاج بهم.
ومن يتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتابه "معرفة علوم الحديث" فإنه جاء عاماً ولم يُقيد بما أخرجه الشيخان في صحيحهما، واقتصر فيه على اشتراط زوال الجهالة عن
(1) ينظر: علي، الإمام الحاكم، 228 - 229 باختصار.
(2)
إن اختلاف العلماء في فهم كلام الحاكم وتوجيهه والاستدلال بصنيعه، يجعل من الصعب أو العسير الحكم على مراده دون جمع لأقواله، ومعرفة المتقدم منها من المتأخر، وما نُقِّح من كتبه وما عاجلته المنية قبل أن يتيسّر له تنقيحه وتبيضه، هذا عدا استقراء كتبه ومنهجه بشكل عام ومستفيض؛ لاستخراج القاعدة الأغلبية التي يسير عليها، وفي هذا المبحث يطول الأمر ويصعُب استقصاء ذلك، فهو بحاجة إلى بحث مطوّل بل أبحاث؛ لذا ما ذُكر هنا من خلاصة هذا المبحث إنما هو مجرد اجتهاد في جمع الأقوال، وتأمل استنتاجات من سبق مع أدلتهم، والخروج بنتيجة وفق هذه المعطيات، والله أعلم بالصواب.