الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلى كل حال: "فوجود العلة في الحديث تعني أنه وقع فيه خلل في الاتصال، أو في عدالة الرواة أو ضبطهم، فعاد الأمر إلى (ما اتصل سنده بنقل الثقة) "(1).
القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً
(2):
المُسنَد بفتح النون في اللغة: مأخوذ من السَّند، وهو "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا". (3)
و"السَّنَدُ: ما ارتَفَعَ من الارض
…
، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مسند" (4).
وللمسند ثلاثة تعريفات:
1 -
تعريف الحاكم: "ما اتصل سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ".
2 -
تعريف ابن عبدالبر: "كل حديث مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم متصلاً كان أو غير متصل".
3 -
تعريف الخطيب: "ما اتصل سنده على أي وجه كان".
نقلها ابن الصلاح (5)، ولم يرجّح بينها هذه التعريفات، وحين عرّف الحديث الصحيح ذكر لفظ المُسند في حدّه، فقال:"الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده"، ورجّح ابن حجر أنه يقصد بالمُسند الحديث المرفوع، فقال: "اُعترض عليه بأنه لو قال: المسند المتصل لاستغنى عن تكرار لفظ الإسناد.
(1) هذه العبارة من إضافات فضيلة المناقش أ. د. سعد بن عبدالله الحُميّد.
(2)
رأيت تأخير هذا القيد- رغم ابتداء تعريف ابن الصلاح به-؛ لكونه غير متفق عليه كقيد مستقل إنما يندرج في أحد معانيه تحت اتصال السند، وقدّمت القيود الأخرى عليه؛ لبروزها في إيضاح حدّ الصحيح.
(3)
ابن فارس، المقاييس، 3/ 105.
(4)
الفراهيدي، العين، 7/ 228.
(5)
أعقبها بقوله: "فهذه أقوال ثلاثة مختلفة، والله أعلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، 42 - 43.
والجواب عن ذلك: أنه إنما أراد وصف الحديث المرفوع؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه، والمختار في وصف المسند على ما سنذكره أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي مع ظهور الاتصال في باقي الإسناد، فعلى هذا لا بد من التعرض لاتصال الإسناد في شرط الصحيح، والله أعلم" (1).
وبتأمل تعريف الصحيح عند من سبق ابن الصلاح نجد أن الشافعي لم يشترط في الصحيح أن يكون من قبيل المرفوع فقال: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهي به إليه دونه".
أما الحميدي فقد كان جوابه وفق ما وُجِّه إليه من سؤال، فإنه سُئِل عن الحديث المرفوع، فأكّد على اتصال السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونصه: "فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟
…
" إلى أن قال: " حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم "، فقد أجاب وفق منطوق السؤال، ولا يُفهم من ذلك حصره لشروط الصحيح في الحديث
المرفوع فقط، وقد ضمّ مسنده نسبة قليلة جداً من الأحاديث الموقوفة، وكان ينبّه إلى أن شيخه ابن عيينة لم يرفعها. (2)
(1) ابن حجر، النكت، 1/ 234.
(2)
كان الحميدي حريصاً في تمييز الطرق التي أوقفها شيخه عن المرفوعة رغم قلتها، وكان يسأل شيخه عن بعضها، ومن أمثلة ذلك في مسنده:
- بعد أن أخرج قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خطبة العيد: ((لا يأكلن أحدكم من لحم نسكه فوق ثلاث)). 1/ 152 ح (8).
- وأخرج عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: ((من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر)). 1/ 370 - 371 ح (384).
- وأخرج حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه مرفوعا ((الربا في النسيئة)) .. 1/ 469 ح (555). وتدل الأمثلة على حرصه في تبيين وتمييز الموقوف من المرفوع في مسنده.
وأما ابن خزيمة فقد وصف أحاديث كتابه الصحيح، بقوله: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه صلى الله عليه وسلم
…
"، مما يدل على أن شروط الصحة في كتابه إنما تنطبق على الأحاديث المسندة والمرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ينبّه في حال صحّ الإسناد عنده موقوفاً ولم يصح مرفوعا. (1)
وعلى نهج شيخه سار ابن حبان، فقد أشار إلى اعتماده للروايات المسندة المرفوعة في صحيحه بقوله في مقدمته: "كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس؛
فيرويه عن مثله سماعا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " (2)، بل جعل وصف المسند المرفوع من صفات الخبر المحتجّ به، فقال: "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه،
…
عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعاً متصلاً." (3)، فالمسند المرفوع مقدّم عنده على المرسل والموقوف (4).
(1) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة:
- فقد أخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الهرة لا تقطع الصلاة، إنها من متاع البيت)) 2/ 20 ح (828 - 829).
- وأخرج حديثاً لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان إذا رأى النساء قال: أخروهن حيث جعلهن الله
…
، وذلك تحت "باب ذكر بعض أحداث نساء بني إسرائيل الذي من أجله منعن المساجد" ثم قال:"الخبر موقوف غير مسند" 3/ 99 ح (1700).
- وعقّب بعد أن أخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: 3/ 299 ح (2120).
(2)
ابن حبان، الصحيح، 1/ 113.
(3)
ينظر: ابن حبان، المجروحين، 1/ 8.
(4)
من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج ابن حبان حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت 7/ 420 ح (5162). فالرفع مقدم على الوقف، وإن كان كلاهما صحيحا؛ بل أن ذلك لا يمنع من أن يصحح غير المسند المرفوع، فبعد أن أخرج ابن حبان في صحيحه حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي)). 6/ 202 ح (4071).
وأيضاً نجد الحاكم يصف الحديث الصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث بأنه ما رفعه الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة
…
"، ومفهوم تعريفه اشتراطه للرفع في صفة الحديث الصحيح، إلا أنه قد ذكر في كتابه المدخل إلى الإكليل ضمن أقسام الحديث الصحيح المختلف فيه المراسيل، وقد اقتصر في تعريفه للمُسند على ما جمع بين صفتي الرفع والوصل (1)، ولعل الجمع بين أقواله بأن حدّ الصحيح المتفق عليه أن يكون مُسنداً، وما فقد
(1) تعريف المسند عند الحاكم: المسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه (لسنٍ يحتمله (، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحاكم، علوم الحديث، 17، ولقد اُختلف في عبارة (لسنٍ يحتمله (هكذا وجدتها في طبعتي المعرفة للحاكم ط (دار الكتب العلمية)، وط (دار ابن حزم)، وكذلك في كتاب النكت لابن حجر، ط (الجامعة الإسلامية) 1/ 508، ووجه ابن حجر تعريف الحاكم بقوله:"فلم يشترط حقيقة الاتصال، بل اكتفى بظهور ذلك كما قلته تفقها".
وفي طبعتي فتح المغيث ط (مكتبة السنة) 1/ 135، وط (دار المنهاج) 1/ 184 (ليس يحتمله (حيث قال السخاوي:"فالظاهر أن قوله: (ليس يحتمله) يخرج عنعنة المدلس، خصوصا وقد صرح الحاكم بعدُ باشتراط عدم التدليس في رواته." ورجحها الدكتور ماهر الفحل في تحقيقه لنكت ابن حجر ط (الميمان)310.
بينما علّق محقق المعرفة ط (دار ابن حزم)، د. أحمد السلوم على تعريف الحاكم للمسند بما يأتي: يؤخذ من كلام الحاكم ما يلي:
1 -
…
المسندلا يقع إلا على ما أضافه الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيخرج بذلك المرسل وما شابهه.
2 -
…
الحاكم يقصر المسند على المتصل المرفوع.
3 -
…
رجّح رواية (لسنٍ يحتمله)، وعليه فالمعنى أن المسند ما يرويه المحدّث عن شيخه، وسماع المحدّث من شيخه ظاهر لا يدفعه شيء؛ إذ سنهما محتملة لذلك. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ط ابن حزم 137 - 141 الحاشية باختصار.
أحد شرطي المُسند من الرفع أو الوصل فمُختلف في صحته، والله أعلم. (1)
أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم يذكروا هذا القيد في حدّ الصحيح، بل هناك من اتّبع الشافعي في تصريحه بأن الحديث متى ما استوفى شروط الصحة فهو صحيح سواء رُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من دونه، كابن كثير حيث قال: "فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل
سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه،
…
" (2)
وقد ضمّت كثير من مصادر كتب السنة الأحاديث والآثار الموقوفة والمقطوعة (3)، مثل موطأ مالك، ومصنف عبدالرزاق (4) وابن أبي شيبة (5)، بل نجد أن ابن حجر ألّف كتاباً
(1) وفي مسألة الاحتجاج بالأحاديث الموقوفة والمقطوعة، وما شابهها قال الخطيب في كتابه الكفاية في علم الرواية - فيما يخص الأحاديث المُسندة-:"فأما الأحاديث المسندات إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهي أصل الشريعة ومنها تستفاد الأحكام وما اتصل منها سنده وثبتت عدالة رجاله فلا خلاف بين العلماء أن قبوله واجب والعمل به لازم والراد له آثم".
وقال في الموقوفات على الصحابة: "جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم العمل بها، وتقديمها على القياس وإلحاقها بالسنن
…
وأما الأحاديث المرسلات عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي أيضا عند خلق من العلماء بمنزلة المسندات المتصلة في تقبلها والعمل بمتضمنها، ومن لم يرها كذلك من نقاد الآثار وحفاظ الأخبار، فإنه يكتبها للاعتبار بها ولن يجعلها علة لغيرها
…
وأما المقاطيع: فهي الموقوفات على التابعين فيلزم كتبها والنظر فيها؛ لتتخير من أقوالهم ولا تشذ عن مذاهبهم". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، 2/ 189 - 191. وكلامه رحمه الله يدل على وجود الخلاف بين العلماء في الاحتجاج بغير المُسند من الحديث.
(2)
ابن كثير، الاختصار، 28.
(3)
ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي تحت نوع المقطوع فائدة فقال: "جمع أبو حفص ابن بدر الموصلي كتابا سماه: " معرفة الوقوف على الموقوف " أورد فيه ما أورده أصحاب الموضوعات في مؤلفاتهم فيها، وهو صحيح عن غير النبي صلى الله عليه وسلم إما عن صحابي أو تابعي فمن بعده. وقال إن إيراده في الموضوعات غلط، فبين الموضوع والموقوف فرق.
ومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم." السيوطي، التدريب، 1/ 101.
(4)
عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني. من حفاظ الحديث الثقات. من مصنفاته:(الجامع الكبير) و (المصنَّف). مات سنة 220 هـ. ينظر: الذهبي، السير، 8/ 222، الصفدي، الوافي بالوفيات، 18/ 244 (6968)، الزركلي، الأعلام، 3/ 353.
(5)
عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفيّ، أبو بكر. حافظ للحديث، وله مصنفات منها:(المسند) و (المصنف في الأحاديث والآثار) و (الإيمان). مات سنة 235 هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 192. الزركلي، الأعلام، 4/ 117.
سماه "الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم" وقال في مقدمته: "هذه أحاديث موقوفة ومقطوعة تتبعتها من صحيح مسلم، وقد وقع أكثرها في ضمن أحاديث مرفوعة
…
" (1)
ثم ذكر سبب تأليفه لهذا الجزء بقوله:
"وكان الحامل على جمع هذه الأحاديث أنه يقع في بعض مجالس الحديث قول أبي عمرو بن الصلاح في " علوم الحديث " أنه ليس في صحيح مسلم بعد الخطبة والمقدمة إلا الحديث المرفوع الصرف غير ممزوج بالموقوفات، واستدرك من تأخر عن عصر ابن الصلاح عليه أنه وقع في مسلم شيء من الموقوفات على بعض التابعين، وهو:
قول يحيى بن أبي كثير (2): (لا يستطاع العلم براحة الجسد)(3)." (4)
وقد ذكر أنه تتبع أمثال هذا القول، وجمعه في هذا الكتاب. (5)
نخلص مما سبق:
أن الراجح في معنى المسند هو المرفوع المتّصل، وأن المسند المرفوع مقدم في الاحتجاج على المرسل والموقوف؛ لذا غلب في مصنفات المتقدمين اهتمامهم بجمع
(1) ابن حجر، الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم، 25.
(2)
يحيى بن أبي كثير، الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، قال الذهبي: الإمام، أحد الأعلام، كان من العباد العلماء الأثبات. وقال ابن حجر:"ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل"، وجعله ضمن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين ممن احتمل الأئمة تدليسهم لإمامتهم، مات سنة 129 وقيل: 132 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 373 - 374 (6235)، ابن حجر، التقريب، 596 (7632)، ابن حجر، طبقات المدلسين، 36 (63).
(3)
في صحيح مسلم "براحة الجسم"، وقد أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، 1/ 428 ح (612).
(4)
ابن حجر، الوقوف على الموقوف، 27.
(5)
الوقف قد يكون الوجه الأصوب للرواية، ويكون مُعللاً للرفع، كما أشار لذلك الأستاذ محمد عوّامة في كتابه (من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه) فذكر أنه في حال وقع الاختلاف في رفع الحديث ووقفه-وهو اختلاف في أمر إسنادي- فطريقة الإمام مسلم أنه يُقدّم الإسناد الصحيح، ويؤخر المعلل، وذكر أمثلة على ذلك. ينظر: عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، 64 - 65.