الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
نشأ علم مصطلح الحديث تبعاً للسُّنّة الشريفة، وخدمةً لها، يجلو عنها الدخيل، ويميز الصحيح من السقيم، ومرّ خلال نشوئه إلى يومنا هذا بمراحل وأطوار يجدر التعريج عليها، وذكر نبذة مختصرة عنها، والإشارة إلى أبرز المصنفات فيها؛ تمهيداً للولوج في فصول البحث، وتحرير مصطلحاته، وبعون الله وتيسيره أبدأ في الشروع بذلك.
نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:
يُعدُّ علم مصطلح الحديث من العلوم التي أولاها علماء المسلمين عنايةً واهتماماً؛ لشرفه المُستمدِّ من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وارتباط نشأته بها، فقد جاءت أسسه في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حيث أمر الله عزّوجلّ عباده المؤمنين في كتابه الكريم بالتثبت عند تلقّي الأخبار ونقلها، والتدقيق في عدالة ناقليها، فقال جل جلاله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (1)، وجاءت السنة المطهّرة مُؤكِّدة على استيعاب الخبر وضبطه عند نقله للآخرين،
حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((نضَّر الله امرأً سمع منا شيئا فبلَّغه كما سمع، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع)) (2).
(1) سورة الحجرات، الآية:6.
(2)
أخرجه الترمذي في سننه كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، 4/ 331 ح (2657)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه كتاب الإيمان والعلم، باب من بلّغ علماً، 1/ 85 ح (232)، كلاهما من حديث ابن مسعود، واللفظ للترمذي.
وقد امتثل الصحابة الكرام رضي الله عنهم لما جاء في الكتاب والسنة من الأمر بالتثبت في نقل الأخبار، والتدقيق فيها، والسؤال عن إسناد الخبر ونقلته، واسّتنَّ بهم من جاء بعدهم من السلف الصالح خاصةً بعد وقوع الفتن بين المسلمين، وظهور أهل الأهواء والبدع- فكانوا لا يأخذون الحديث إلا من أهل الحق والصدق.
فقد أسند الإمام مسلم إلى التابعي الجليل محمد بن سيرين (1) قوله: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)(2)، وأسند عنه أيضاً قوله:(لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)(3)، "فقوله رحمه الله:(سمّوا لنا رجالكم) قاعدة أصيلة في طلب الإسناد والتفتيش عن الرواة، وقوله (فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ
حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) قاعدة تؤسس لعلم الجرح والتعديل ودراسة الأسانيد." (4)
"ومن أعظم القواعد التي يقوم عليها علم الحديث، قول الإمام ابن المبارك (5) رحمه الله:
(1) محمد بن سيرين مات سنة: 110 هـ. المراجع: ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 178 (4898)، ابن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب، 483 (5947).
(2)
أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. 1/ 14.
(3)
أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، 1/ 15، والترمذي في آخر السنن (ويسمّى بالعلل الصغير)، 6/ 234 ح (4052).
(4)
آل عجين، المفيد في تقعيد علوم الحديث، 28.
(5)
عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلى التميمى مولاهم، أبو عبدالرحمن المروزي، قال الذهبي:"شيخ خراسان"، وقال ابن حجر:"ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير"، مات سنة: 181 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 591 (2935)، ابن حجر، التقريب، 320 (3570).
(الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)(1) " (2).
ومن فضل الله على هذه الأمّة أن هيّأ لها من يقوم بواجب الدفاع عن الدين، والذَّبِّ عن سنة المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم من العلماء الجهابذة النقّاد، والذين تصدّوا لأهل الأهواء، وميّزوا بين صحيح المرويات وسقيمها، ووضعوا لذلك ضوابط وشروطاً، يتذاكرونها ويتناقلونها مشافهةً فيما بينهم، وتحفظها صدورهم، وكان منهم من سجّل شيئاً من هذه القواعد ممزوجاً بغيره من علوم الشريعة، "فبدأ تدوين مبادئ هذا العلم، وتسجيل مسائله:
ببدء تدوين التاريخ للرجال والتصنيف للحديث في الكتب، وكان قبل ذلك محفوظاً في الصدور متردداً على الألسنة" (3).
فكان ما كتبه الشافعي (ت 204 هـ) في (الرسالة)(4) - من مباحث تتضمن شروط الحديث الصحيح، وشروط الراوي العدل، وحجية خبر الآحاد، ونحو ذلك- "أول ما بلغنا من علوم الحديث مدوناً في كتاب (5)، و"خلال القرن الثالث اتضحت معالم هذا العلم، بما ذُكِر من مسائله في كتب الرجال، أو في كتب الحديث، أو في كتب مستقلّة ذات موضوع واحد،
(1) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، 1/ 15، والترمذي في آخر السنن، 6/ 235 ح (4053).
(2)
آل عجين، المرجع السابق، 29.
"الإسناد، وتاريخ الرواة والرجال، ونقد الرواة وبيان حالهم من تزكية وجرح، وسبر متن الحديث ومعناه، وعلم الجرح والتعديل، هي شعب كبرى من (علم مصطلح الحديث) فهو المَقسِم العام، وتلك أقسام منه." أبو غدّة، 100 - 101.
(3)
أبو غدّة، المرجع السابق، 101.
(4)
ينظر: الشافعي، الرسالة، 370 - 380، 401، 461 - 464، "ولعل تأليف الإمام الشافعي رحمه الله لكتاب (الرسالة) كان نقطة تحوّل في التقعيد الحديثي حيث أنه أول من دوّن تلك القواعد". آل عجين، المفيد في التقعيد، 30.
(5)
عتر، منهج النقد، 61، ينظر: أبو غدّة، تاريخ السنة، 106.
مثل كتب الإمام علي بن المديني (1)(ت 234 هـ) " (2)؛ إذ كان أول من ألّف في بعض بحوثه بشكل مستقل (3)، وقد ذكر الإمام الحاكم
علم: الحاكم" (4) في كتابه (معرفة علوم الحديث) جملة من تلك الكتب، ليستدلّ بها على مكانة هذا الإمام وتقدّمه في هذا العلم (5)،
وذكر الخطيب البغدادي (6) في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي) أن جميع هذه الكتب قد انقرضت، ولم يقف إلا على أربعة أو خمسة منها فحسب (7).
(1) على بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي، مولاهم، أبو الحسن ابن المديني البصري ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي، وقال شيخه ابن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 42 (3937)، ابن حجر، التقريب، 403 (4760).
(2)
أبو غدّة، المرجع السابق، 107.
(3)
ينظر: السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، 128.
(4)
محمد بن عبدالله بن حمدويه بن نعيم الضبي، الطّهماني النيسابورىّ، الشهير بالحاكم، من أكابر حفاظ الحديث، صنف كتبا كثيرة جدا منها:(المستدرك علي الصحيحين) و (المدخل إلى علم الصحيح) و (معرفة علوم الحديث) وغيرها. مات سنة 405 هـ. ينظر: الذهبي، السير، 17/ 162، ابن العماد، الشذرات، 5/ 33، الزركلي، الأعلام، 6/ 227
(5)
قال الحاكم: "هذه أسامي مصنفات علي بن المديني، كتاب الأسامي والكنى، ثمانية أجزاء، كتاب الضعفاء عشرة أجزاء، كتاب المدلسين خمسة أجزاء، كتاب أول من نظر في الرجال وفحص عنهم جزء، كتاب الطبقات عشرة أجزاء، كتاب من روى عن رجل لم يره جزء، كتاب علل المسند ثلاثون جزءا، كتاب العلل لإسماعيل القاضي أربعة عشر جزءا، كتاب علل حديث ابن عيينة ثلاثة عشر جزءا، كتاب من لا يحتج بحديثه ولا يسقط جزءان، كتاب الكنى خمسة أجزاء، كتاب الوهم والخطأ خمسة أجزاء، كتاب قبائل العرب عشرة أجزاء، كتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان خمسة أجزاء، كتاب التاريخ عشرة أجزاء، كتاب العرض على المحدث جزءان، كتاب من حدث ثم رجع عنه جزءان، كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال خمسة أجزاء، كتاب سؤالاته يحيى جزءان، كتاب الثقات والمثبتين عشرة أجزاء، كتاب اختلاف الحديث خمسة أجزاء كتاب الأسامي الشاذة ثلاثة أجزاء، كتاب الأشربة ثلاثة أجزاء، كتاب تفسير غريب الحديث خمسة أجزاء، كتاب الإخوة والأخوات ثلاثة أجزاء، كتاب من تعرف باسم دون اسم أبيه جزءان، كتاب من يعرف باللقب جزء، وكتاب العلل المتفرقة ثلاثون جزءا، وكتاب مذاهب المحدثين جزءان قال الحاكم: إنما اقتصرنا على فهرست مصنفاته في هذا الموضع ليستدل به على تبحره وتقدمه، وكماله." الحاكم، معرفة علوم الحديث، 71 - 72.
(6)
أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر، الخطيب الحافظ، كان من أكثر أهل عصره معرفة، وإثباتا، وضبطا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفننا في علله وأسانيده ، من مصنفاته:(الكفاية في علم الرواية)، و (شرف أصحاب الحديث)، و (اقتضاء العلم العمل)، وغير ذلك من المصنفات. مات سنة 463 هـ. ينظر: الذهبي، السير، 18/ 270، ابن العماد، الشذرات، ، 1/ 38، الزركلي، الأعلام، ، 1/ 172.
(7)
ينظر: الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 2/ 301.
وكثُر المدونون لمسائل علم الحديث، منهم: الإمام مسلم (ت 261 هـ) حيث تكلّم في مقدمة صحيحه عن تقسيم الأخبار، وتقسيم طبقات الرواة من حيث الحفظ والإتقان، وتكلم عن الحديث المنكر، وعن تفرد الرواة، وغيرها من مباحث متنوعة في علوم الحديث (1)، ومثله
الإمام الترمذي (ت 297 هـ) حيث ضمّن آخر كتابه الجامع (2) - وهو الجزء المسّمى (بالعلل الصغير) - قواعد مهمة في علوم الحديث، فنقل اختلاف العلماء في جواز الجرح والتعديل، ورجّح وجوب نقد الرجال، وقسّم أجناس الرواة من حيث الضبط وعدمه، وتكلم عن تفاوت الرواة في ذلك، وتكلم عن مفهوم الحديث الحسن عنده، وغير ذلك (3).
وكذلك ذكر الحافظ ابن حبان (4)(ت 354 هـ) بعضاً من مسائل مصطلح الحديث في عدد من مقدمات كتبه منها: كتاب (الثقات)(5)، وكتاب (المجروحين)(6)، ثم كان هناك عدد من العلماء أكبّوا على تصانيف من سبقهم، فجمعوا ما تفرّق في مؤلفات الفن الواحد، واستدركوا عليها - وامتدّ ذلك من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع (7) - وكان "أول من صنف في هذا الفن تصنيفا علمياً بحيث جمع كل أبوابه وبحوثه في مصنف
(1) ينظر: مسلم، صحيح مسلم، 1/ 5 - 7، أبو غدّة، تاريخ السنة، 107.
(2)
"يسمى: بالسنن أيضا خلافاً لمن ظن أنهما كتابان". الكتاني، الرسالة المستطرفة 11.
(3)
ينظر: الترمذي، سنن الترمذي، 6/ 230 - 259.
(4)
محمد بن حبان بن أحمد التميمي البُستي، أبو حاتم، ويقال له ابن حبان: شيخ خراسان، كان عالماً في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، وهو أحد المكثرين من التصنيف، من كتبه:(الأنواع والتقاسيم المعروف بالصحيح) و (الثقات) و (كتاب المجروحين) وغيرها. مات سنة 354 هـ ينظر: الذهبي، السير، ، 16/ 92. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 3/ 131. الزركلي، الأعلام، ، 6/ 78.
(5)
ينظر: ابن حبان، الثقات، 1/ 10 - 13.
(6)
ينظر: ابن حبان، المجروحين 1، /62 - 95.
(7)
عتر، منهج النقد، 63.
واحد هو القاضي أبو محمد، الحسن بن عبدالرحمن
الرامهرمزي (1)(ت 360 هـ)، في كتابه (المُحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي) " (2).
قال محقق الكتاب في مقدمة تحقيقه: "حفظ لنا الرامهرمزي في كتابه كثيراً من أقوال أهل العلم في بعض الأمور الحديثية ما لم يتيسر لغيره نقلها إلينا، فكان المصدر الوحيد لها، كما نقل عن آثار بعض الأئمة في الحديث وعلومه، تلك الآثار التي لم يكتب لأكثرها البقاء، فكان كتاب المحدث الفاصل خير دليل عليها، وحافظاً أميناً لبعضها
…
" (3) كما يُعتبر كتابه المادة الأولية لكتاب الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، المسمّى (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)، والذي صنّفه الخطيب بعد مئة عام من كتاب الرامهرمزي (4).
ومن المآخذ على كتاب الرامهرمزي أنه لم يستوعب أنواع علوم الحديث (5).
- ثم برز كتاب (معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه) للإمام أبي عبدالله، محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ)، وكان أول من نصّ على التأليف بمسمّى (علوم الحديث)(6)، وتضمن كتابه منها اثنين وخمسين نوعاً، حيث قال في مقدمة كتابه:
" أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثُرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة [طالبيها] على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى
(1) الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزيّ الفارسيّ، أبو محمد: محدث حافظ متقن، من أدباء القضاة له كتاب (المحدث الفاصل بين الراويّ والواعي). ينظر: الذهبي، السير، 16/ 73 السيوطي، طبقات الحفاظ، 370. كحالة، المؤلفين، 1/ 557 (4179).
(2)
السباعي، السنة ومكانتها، 128، ينظر: أبو غدة، تاريخ السنة، 109.
(3)
محمد الخطيب، من مقدمة تحقيقه لكتاب المحدث الفاصل، للرامهرمزي، 34 - 35.
(4)
المرجع السابق.
(5)
ينظر: ابن حجر، النزهة، 29، المناوي، اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، 1/ 208.
(6)
ينظر: أحمد فارس السلوم، "الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه، 11.
تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث، مما يحتاج إليه طلبة الأخبار، المواظبون على كتابة الآثار، و [أعمد] في ذلك سلوك الاختصار، دون الإطناب في الإكثار، والله الموفق لما قصدته، والمانُّ في بيان ما أردته، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم." (1) ومن المآخذ على كتابه، ما ذكره ابن حجر بقوله: وكتابه لم يهذب، ولم يُرتب. (2)
- ثم جاء الإمام أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، فصنف في قوانين الرواية كتابا سماه:(الكفاية في علم الرواية)، قال في مقدمته: "وأنا أذكر بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من بيان أصول علم الحديث وشرائطه،
…
" (3)، وصنّف كذلك في آداب الرواية كتابا سماه: (الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع)، وكان للخطيب البغدادي دور واسع في مصطلح الحديث، وألف كتباً مستقلةً في أغلب فنون هذا العلم، مما حذا بابن حجر أن يقول عنه: "وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا؛ فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة (4): كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه." (5)
ثم جاء بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب:
(1) الحاكم، علوم الحديث، 1 - 2، وما بين المعقوفتين من ط ابن حزم، 106 - 107.
(2)
ينظر: ابن حجر، المرجع السابق.
(3)
الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، 7.
(4)
محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع البغدادي الحنبلي، أبو بكر، المعروف بابن نقطة. أحد أئمة الحديث، من مصنفاته:(التقييد بمعرفة رواة السنن والمسانيد) و (تكملة الإكمال) وله غير ذلك. مات سنة 629 هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات، 3/ 219 (1310)، ابن العماد، الشذرات، 7/ 234، كحالة، المؤلفين، 3/ 417 (14103).
(5)
ابن حجر، النزهة، 32 - 33.
فجمع القاضي عياض بن موسى اليحصبي (1)(ت 544 هـ) كتاباً لطيفاً سماه: (الإلماع في أصول الرواية والسماع)، ذكر في مقدمته أنه عمد إلى "تلخيص فصول في معرفة الضبط وتقييد السماع والرواية، وتبيين أنواعها عند أهل التحصيل والدراية، وما يصحُّ منها وما يَتزيَّف، وما يتفق فيه من وجوهها ويختلف."(2)
وألَّف أبو حفص عمر بن عبدالمجيد الميانشي (3)(ت 580 هـ) جزءاً مختصراً سماه: (ما لا يسع المحدث جهله)، أشار في مقدمته أنه ذكر من علوم الحديث زُبداً تفتح باب الطلب لهذا العلم، وختمه بقوله:"وإنما قصدنا التنبيه على علوم الحديث؛ لتلتفت الهمم إلى ذلك فتطلب مظانّه من الموضوعات فيه". (4)
واستمر الحال في التصنيف على هذا المنوال إلى أن جاء الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح (ت 643 هـ)، فألّف كتابه المشهور (معرفة أنواع علم الحديث) أو ما يسمّى بـ (مقدمة ابن الصلاح)، وأصل كتابه
دروسٌ كان يمليها على طلابه شيئاً بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب. (5) وامتاز كتابه بما يلي:
"1 - بالاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء وقواعدهم من أقوالهم المأثورة عنهم.
(1) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي القاضي، أبو الفضل السّبْتيّ، كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، من تصانيفه: كتاب (الإكمال في شرح كتاب مسلم)، و (مشارق الأنوار). ينظر: ابن خلكان، الوفيات، 3/ 483 (511)، الذهبي، السير، 20/ 212، الذهبي، تاريخ الإسلام، 11/ 860.
(2)
عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية، 3.
(3)
عمر بن عبدالمجيد بن عمر بن حسين القرشي، أبو حفص الميانشي: شيخ الحرم بمكة. من مصنفاته: (مالا يسع المحدث جهله) و (تعليقات على الفردوس). ينظر: ابن العماد، الشذرات، 6/ 447. الزركلي، الأعلام، 5/ 53.
(4)
الميانشي، إيضاح ما لا يسع المحدث جهله، 30.
(5)
ابن حجر، النزهة، 32 - 33.
2 -
أنه ضبط التعاريف التي سُبِق بها وحرَّرها، وأوضح تعاريف لم يُصرِّح بها من قَبله.
3 -
أنه عقّب على أقوال العلماء بتحقيقاته واجتهاداته." (1)، "فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر." (2)
ويُعتبر كتاب ابن الصلاح واسطة العقد بين من سبقه، ومن لحقه، فكل من جاء بعده دار في فلكه، إما مختصراً، أو شارحاً، أو منكتاً أو متعقباً ومستدركاً، ومن أهم وأبرز هذه الكتب:
- كتاب (إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق) للإمام محيي الدين، يحيى ابن شرف بن حسن النّوويّ (3)(ت 676 هـ)، وقد اختصره من كتاب ابن الصلاح، ثم اختصر هذا المختصر وسمّاه (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير)، وقد بالغ في اختصاره حيث قال في مقدمته: "وهذا كتاب اختصرته من كتاب (الإرشاد) الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق أبي عمرو عثمان
ابن عبدالرحمن المعروف بابن الصلاح رضي الله عنه، أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير إخلال بالمقصود، وأحرص على إيضاح العبارة." (4)
(1) عتر، منهج النقد، 66.
(2)
ابن حجر، المرجع السابق، 34.
(3)
يحيى بن شرف بن مرِي النوويّ، محي الدين، أبو زكريا، علامة في الفقه والحديث، صاحب المؤلفات الكثيرة ومنها:(رياض الصالحين) و (شرح صحيح مسلم) و (اختصار علوم الحديث) وغيرها. ينظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، 4/ 174. ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 8/ 395. ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، 2/ 153 - 157
(4)
النووي، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، 23.
وكتاب التقريب شرحه جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (1)(ت 911 هـ) في كتابه المشهور والموسوم بـ (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)(2)، وهو من الشروح النفيسة في هذا الفن.
- وللإمام تقي الدين محمد بن عليّ بن دقيق العيد (3)(ت 702 هـ) كتاب (الاقتراح في بيان الاصطلاح) قال في مقدمته: "هذه نُبذٌ من فنونٍ مهمةٍ في علوم الحديث، يستعان بها على فهم مصطلحات أهله ومقاصدهم ومراتبهم على سبيل الاختصار والإيجاز، لتكون كالمدخل إلى التوسع في هذا الفن إن شاء الله تعالى"(4)، "وقد تضمن كتابه مادة مختصرة في علوم أصول الحديث في تسعة أبواب، وأودع فيه مؤلِّفه
آراء وملاحظات على ابن الصلاح وغيره، أحلَّها علماء مصطلح الحديث الذين جاءوا بعده محل الاعتبار" (5)،
(1) عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، أبو بكر جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. وكان أعلم زمانه بعلم الحديث وفنونه. له مصنفات كثيرة منها: (تدريب الراوي) و (تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك) و (الجامع الصغير) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، 10/ 74، الزركلي، الأعلام، 3/ 301، كحالة، المؤلفين، 2/ 82 (6792).
(2)
قال في مقدمته: "وقد طالما قيّدت في هذا الفن فوائد وزوائد، وعلقت فيه نوادر وشوارد، وكان يخطر ببالي جمعها في كتاب، ونظمها في عقد لينتفع بها الطلاب، فرأيت كتاب (التقريب والتيسير) لشيخ الإسلام الحافظ،
…
أبي زكريا النواوي، كتابا جل نفعه، وعلا قدره، وكثرت فوائده، وهو مع جلالته لم يتصدّ أحد إلى وضع شرح عليه،
…
، فقوي العزم على كتابة شرح عليه كافل بإيضاح معانيه، وتحرير ألفاظه ومبانيه، مع ذكر ما بينه وبين أصله من التفاوت في زيادة أو نقص، أو إيراد أو اعتراض، مع الجواب عنه إن كان مضيفا إليه زوائد علية، وفوائد جلية، لا توجد مجموعة في غيره،
…
وسميته: (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)، وجعلته شرحا لهذا الكتاب خصوصاً، ثم لمختصر ابن الصلاح ولسائر كتب الفن عموماً
…
".ينظر: السيوطي، تدريب الراوي، 1/ 24 - 25 باختصار يسير.
(3)
محمد بن علي بن وهب، تقيّ الدين القشيري، أبو الفتح، المعروف بابن دقيق العيد، برع في علوم كثيرة ولاسيما في علم الحديث الذي فاق فيه أهل زمانه. له تصانيف منها:(إحكام الأحكام) و (الإلمام) و (الاقتراح) وغيرها. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 561، ابن العماد، الشذرات، 8/ 11. الزركلي، الأعلام 6/ 283
(4)
ابن دقيق العيد، الاقتراح في بيان الاصطلاح، 4.
(5)
قحطان الدوري، من مقدمة تحقيقه لكتاب الاقتراح في بيان الاصطلاح، لابن دقيق العيد، 10.
ويُرجّح أن كتاب الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (1)(ت 748 هـ) الموسوم بـ (الموقظة) هو مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد، وإن لم يُصرّح الذهبي بذلك. (2)
- ويُعدّ كتاب (المنهل الرّوي في مختصر علوم الحديث النبوي) للإمام بدر الدين، أبى عبدالله، محمد بن إبراهيم بن جماعة (3)(ت 733 هـ)، من أفضل المختصرات لكتاب ابن الصلاح ترتيباً وتبويباً، فقد قام بترتيبه على مقدمة وأربعة أطراف فجاء مشتملاً على خمسة أمور وهي: التعريفات وأقسام المتن، والسند، وأسماء الرجال وكيفية تحمل الحديث. (4)
- وجاء الإمام الحسين بن محمد بن عبدالله الطِّيبي (5)(ت 743 هـ) فجمع بين المقدمة لابن الصلاح، ومختصرها للنووي، والمنهل الروي لابن جماعة، واختصرهم في كتاب سمّاه
(الخلاصة في معرفة الحديث). "فجاء بمصنف رائع، ليس بالمختصر المُخلِّ، ولا
(1) الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، أبو عبد الله، المؤرخ، المحدّث، النقاد، له مصنفات عديدة، منها:(المستدرك على مستدرك للحاكم) و (معجم المحدثين) و (السير) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، 8/ 264. الزركلي، الأعلام، 5/ 326.
(2)
ينظر: عبدالفتاح أبو غدة، من مقدمة تحقيقه لكتاب الموقظة، للذهبي، 5 - 6.
(3)
محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، بدر الدين أبو عبدالله الكناني الحموي الشافعيّ، قاضي القضاة، من العلماء بالحديث وسائر علوم الدين، وله تواليف في الفقه والحديث والأصول والتاريخ وغير ذلك، منها (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم) و (مختصر في السرة النبويّة) ينظر: الذهبي، معجم الشيوخ الكبير 2/ 130، الزركلي، الأعلام، 5/ 297 - 298.
(4)
ينظر: محيي الدين رمضان، (المنهل الروي وأهميته) من مقدمة تحقيقه لكتاب المنهل الروي لابن جماعة، 17 - 18، وينظر كذلك: جاسم بن محمد الفجي من مقدمة تحقيقه للكتاب 30 - 31.
(5)
الحسين - وقيل: الحسن- بن محمد بن عبدالله، شرف الدين الطِّيبي: من علماء الحديث والتفسير والبيان. كان آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، من تصانيفه:(الخلاصة في معرفة الحديث) و (شرح مشكاة المصابيح). يُنظر: الأدنه وي، طبقات المفسرين، 277، الزركلي، الأعلام، 2/ 256، كحالة، المؤلفين، 4/ 53.
بالمسهب المُمِلِّ، وهو مناسب جدا لجمهرة طلبة هذا العلم الشريف، على اختلاف طبقاتهم ومراحلهم العلمية" (1).
- ومن المختصرات المشهورة لكتاب ابن الصلاح (اختصار علوم الحديث)، للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774 هـ)، حيث قال في مقدمته:
ولما كان من أهم العلوم وأنفعها أحببت أن أعلق فيه مختصراً نافعاً
…
، وكان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخ الإمام العلامة، أبو عمر بن الصلاح تغمده الله برحمته - من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن،
…
اختصرت ما بسطه، ونظمت ما فرطه. وقد ذكر من أنواع الحديث خمسة وستين، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري شيخ المحدثين. وأنا - بعون الله - أذكر جميع ذلك، مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي (2)، المسمى (بالمدخل إلى كتاب السنن)، وقد اختصرته أيضاً بنحو من هذا النمط، من غير وكس ولا شطط، والله المستعان، وعليه الاتكال (3).
- وممن اعتنى بكتاب ابن الصلاح الإمام سراج الدين، أبي حفص، عمر بن علي الأنصاري، المعروف بابن الملقن (4)(ت 804 هـ)، - وهو من شيوخ ابن
حجر العسقلاني- حيث صنّف كتابه (المقنع في علوم الحديث) وهو مختصر من كتاب ابن الصلاح، وقال في مقدمته: "ومن أجمعها كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح - سقى
(1) ينظر: أبو عاصم الشوامي الأثري من مقدمة تحقيقه لكتاب الخلاصة، للطيبي، 7.
(2)
أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، أبو بكر، محدث فقيه من أئمة الحديث. له تصانيف عديدة، منها:(السنن الكبرى) و (السنن الصغرى) و (شعب الإيمان) وغيرها. ينظر: الذهبي، السير، 13/ 363. الصفدي، الوافي بالوفيات، 6/ 219 (503)، كحالة، المؤلفين، 1/ 129.
(3)
ابن كثير، الاختصار، 24 - 25 باختصار يسير.
(4)
عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص ابن النحوي، المعروف بابن الملقن: من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال. له مصنفات عديدة، منها (شرح البخاري) و (التذكرة في علوم الحديث). ينظر: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، 4/ 43. السيوطي، طبقات الحفاظ،542. الزركلي، الأعلام، 5/ 57.
الله ثراه، وجعل الجنة مأواه- فإنه جامع لعيونها، ومستوعب لفنونها. وجعل أنواعه زائدة على الستين، وأنها تزيد على ذلك.
وقد وقع الاختيار- بفضل الله وقوته- على تلخيصه وتقريبه، وتنقيحه، وتهذيبه، مع زيادات عليه مهمة، وفوائد جمة، لا تُلفى مسطورة، ولا تكاد توجد في الكتب المشهورة" (1) ثم عاد واختصره اختصاراً موجزاً جداً في كتاب سمّاه (التذكرة في علوم الحديث).
- ومن المختصرات كذلك: كتاب (محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح) للإمام سراج الدين، أبي حفص، عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني (2)(ت 805 هـ).
- وكان من عناية الحافظ أبي الفضل، زين الدين عبدالرّحيم بن الحسين العراقي (3)(ت 806 هـ) بكتاب ابن الصلاح أن صنّف كتاباً سمّاه (التقييد والإيضاح)، وهو عبارة عن شرح وتنكيت على كتاب ابن الصلاح، ولم يكتفِ بذلك بل نظم كتاب ابن
الصلاح في منظومة اُشتهِرت بـ (ألفية العراقي)، وقد شرحها بنفسه أيضًا، وسمّى الشرح (التبصرة والتذكرة)(4)، وقد تعددت شروح الألفية، ومن أشهرها:
(1) ابن الملقن، المقنع في علوم الحديث، 39 - 40.
(2)
عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني الشافعي. سراج الدين أبو حفص، عالم في الفقه والحديث والتفسير. من مصنفاته:(محاسن الإصلاح وتضمين ابن الصلاح) و (شرح صحيح البخاري) و (شرح الترمذي). ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 542. الأدنه وي، طبقات المفسرين، 308. الزركلي، الأعلام، 5/ 46.
(3)
عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، من كبار حفاظ الحديث. ومن مصنفاته العديدة:(المغني عن حمل الأسفار في الإسفار) و (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) و (نكت ابن الصلاح) و (تخريج أحاديث الإحياء) وغيرها. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 543. ابن العماد، الشذرات،9/ 87. الزركلي، الأعلام، 3/ 344.
(4)
على اختلاف في اسم الشرح بين (شرح التبصرة والتذكرة) والذي رجّحه محققا الكتاب، وبين (شرح ألفية العراقي) و (فتح المغيث). ينظر: عبداللطيف الهميم، ماهر ياسين فحل، المبحث الثاني من فصل التعريف بالكتاب، في مقدمة تحقيقهما لكتاب شرح التبصرة والتذكرة، لزين الدين العراقي، 1/ 74.
- (النكت الوفية بما في شرح الألفية) للإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (1)(ت 885 هـ)، ويستشهد فيها كثيراً بكلام شيخه ابن حجر، حيث قال: "قيدت فيها ما استفدته من تحقيق تلميذه شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر، أبي الفضل شهاب الدين، أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني، ثم المصري الشافعي، قاضي القضاة بالديار المصرية أيام سماعي لبحثها عليه
…
" (2).
- ومن شروح الألفية أيضاً: (فتح المغيث شرح ألفية الحديث) للإمام أبي الخير، محمد بن عبدالرحمن بن محمد السخاوي (3)(ت 902 هـ)، وهو أطول شروح الألفية، وأوفاها بالغرض. (4)
- وللحافظ شهاب الدين، أبي الفضل، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) مؤلفات مشهورة في هذا الفن منها:(نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)، وهو
المختصرات المبتكرة في تصنيف علوم الحديث، وشرحه في (نزهة النظر بشرح نخبة الفكر في مصطلح حديث أهل الأثر)، وقال في مقدمته - مُبيّناً سبب تأليفه للمختصر وشرحه-:
" سألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك، فلخصته في أوراق لطيفة، سميتها: "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته،
(1) برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُبَاط البقاعي الشافعي، أبو الحسن. المحدّث المفسّر الإمام العلّامة المؤرّخ. من مصنفاته:(عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران). ينظر: ابن العماد، الشذرات، ، 9/ 509. الأدنه، طبقات المفسرين، ، 347. الزركلي، الأعلام، ، 1/ 56.
(2)
البقاعي، النكت الوفية بما في شرح الألفية، 1/ 53.
(3)
محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، شمس الدين السخاوي، مؤرخ حجة، وعالم بالحديث والتفسير والأدب. من تآليفه الكثيرة:(المقاصد الحسنة) و (شرح ألفية العراقي). ينظر: الزركلي، الأعلام، 6/ 194، كحالة، المؤلفين، 3/ 399 (13996).
(4)
ينظر: عبدالكريم الخضير ومحمد آل فهيد، الفصل الرابع (المقارنة بينه وبين الشروح الأخرى) من مقدمة تحقيقهما لكتاب فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للسخاوي، 1/ 177.
مع ما ضممت إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد. فرغب إلي، ثانيا، أن أضع عليها شرحا يحل رموزها، ويفتح كنوزها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك، فأجبته إلى سؤاله؛ رجاء الاندراج في تلك المسالك، فبالغت في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خفايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه
…
" (1)
ولابن حجر كذلك (النكت على كتاب ابن الصلاح ونكت العراقي) قال في مقدمته:
"كنت قد بحثت على شيخي العلامة حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين الفوائد التي جمعها على مصنف الشيخ الإمام الأوحد الأستاذ أبي عمرو بن الصلاح، وكنت في أثناء ذلك وبعده إذا وقعت لي النكتة الغريبة، والنادرة العجيبة، والاعتراض القوي طورا، والضعيف مع الجواب عنه أخرى، ربما علّقت بعض ذلك على هامش الأصل، وربما أغفلته.
فرأيت الآن أن الصواب الاجتهاد في جمع ذلك، وضم ما يليق به ويلتحق بهذا الغرض وهو تتمة التنكيت على كتاب ابن الصلاح، فجمعت ما وقع لي من ذلك في هذه الأوراق." (2)
وغير ذلك من التآليف التي جاءت بعد ابن الصلاح حيث النضج والاكتمال في تدوين علوم الحديث، وذلك خلال القرن السابع الهجري إلى العاشر، ثم عقبه نوع من الركود
وتوقف الاجتهاد في مسائل العلم والابتكار في التصنيف، وامتدّ ذلك الركود من القرن العاشر إلى مطلع القرن الرابع عشر الهجري (3).
(1) ابن حجر، النزهة، 35.
(2)
ابن حجر، النكت، 1/ 222.
(3)
ينظر: عتر، منهج النقد، 69.
ومع مطلع القرن الرابع عشر الهجري أخرجت المطابع الكثير من المؤلفات المبتكرة النافعة، وتصدّى عدد منهم للرد على شبهات المستشرقين (1) المثارة حول السنة وثبوتها وحجيّتها، فكان من أبرز هذه المصنفات (2):
كتاب (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) لمحمد جمال الدين بن محمد القاسمي (3)(ت 1332 هـ)، وكتاب (توجيه النظر إلى أصول الأثر) لطاهر بن صالح الجزائري الدمشقيّ (4)(ت 1338 هـ)، وكتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) لمصطفى بن حسني السباعي (5)(ت 1384 هـ).
واستمر العلماء في التصنيف والتأليف في مصطلح الحديث إلى يومنا هذا، اهتماماً بهذا العلم، وتبسيطاً له وتقريباً لطلابه.
(1) الاستشراق: "تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل من يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم. ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي تشمل حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته." الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، 2/ 687.
(2)
ينظر: عتر، منهج النقد، 69 - 72، خلدون الأحدب، التصنيف في السنة النبوية وعلومها، 1/ 12.
(3)
جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، إمام الشام في عصره، علما بالدين، وتضلعا من فنون الأدب. فانقطع في منزله للتصنيف وإلقاء الدروس الخاصة والعامة، في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب، ومن مصنفاته:(تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب)، و (إصلاح المساجد من البدع والعوائد)، ينظر: الزركلي، الأعلام، 2/ 135. كحالة، المؤلفين، 1/ 504 (3783)
(4)
طاهر بن صالح بن أحمد السمعوني الجزائري، ثم الدمشقيّ. أديب، باحث، لغوي. له كتاب:(الإلمام في السيرة النبوية) وغيره. ينظر: الزركلي، الأعلام،3/ 221. كحالة، المؤلفين، 2/ 11 (6287).
(5)
مصطفى بن حسني، أبو حسان السباعي: عالم إسلامي، مجاهد، من مصنفاته:(الدين والدولة في الإسلام) و (المرأة بين الفقه والقانون). ينظر: الزركلي، الأعلام،7/ 231. كحالة، المؤلفين، 3/ 859 (16931).
وأرجو من الله بمنه وكرمه أن يكون هذا البحث مقتفياً لآثار من سبق، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
وبعد هذه الجولة المختصرة في بيان نشأة علم مصطلح الحديث، والإشارة إلى أبرز مصنفاته، نشرع بحول من الله وقوة في الفصل الأوّل من هذا البحث، ونبدأ بما بدأ به ابن الصلاح وهو الحديث الصحيح.