المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة - المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

[راوية بنت عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختياره:

- ‌مصطلحات البحث:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌حدود البحث:

- ‌مخطط البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌تمهيد

- ‌نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:

- ‌الفصل الأول: الحديث الصحيح

- ‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ قيود الصحيح عند ابن الصلاح

- ‌القيد الأول: اتصال السند:

- ‌القيد الثاني: العدالة:

- ‌القيد الثالث: الضبط:

- ‌القيد الرابع: السلامة من الشذوذ

- ‌القيد الخامس: السلامة من العلّة

- ‌القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً

- ‌الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد نفي التدليس:

- ‌قيد الشهرة في الطلب:

- ‌قيد اشتراط العدد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثاني: الحديث الحسن

- ‌المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة

- ‌القيد الثاني: قيد الستر للراوي:

- ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

- ‌القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة

- ‌القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:

- ‌من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثالث: الحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌أسباب ضعف الحديث:

- ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

- ‌السبب الخامس: الشذوذ المردود

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الرابع: الحديث الشاذ

- ‌المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الشاذ عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: المخالفة:

- ‌القيد الثاني: التفرد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل الخامس: الحديث المنكر

- ‌المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود المنكر عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: التفرد:

- ‌القيد الثاني: المخالفة:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل السادس: الأفراد

- ‌المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:

- ‌المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل السابع: زيادة الثقة

- ‌المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:

- ‌ القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:

- ‌ القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:

- ‌الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثامن: الحديث المعلل

- ‌المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة

- ‌القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل التاسع: الحديث المضطرب

- ‌المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:

- ‌القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:

- ‌مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:

- ‌مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:

- ‌حكم الحديث المضطرب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل العاشر: الحديث المدرج

- ‌المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المدرج:

- ‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

- ‌القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب

- ‌المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المقلوب:

- ‌قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:

- ‌أقسام الحديث المقلوب:

- ‌أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً

- ‌سبب يخص وقوع القلب في المتن:

- ‌حكم الحديث المقلوب:

- ‌طرق معرفة الحديث المقلوب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثاني عشر: الموضوع

- ‌المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الموضوع عند ابن الصلاح:

- ‌ قيد الاختلاق والصُنْع

- ‌طرق معرفة الموضوع:

- ‌أسباب الوضع في الحديث:

- ‌حكم الموضوع، وروايته:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الخاتمة

- ‌النتائج العامة لهذا البحث:

- ‌النتائج التفصيلية:

- ‌توصيات البحث:

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

بالمستور، حيث قال:"ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح."(1)، والله أعلم.

‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

(2)(يُروى من غير وجه):

جاء في تعريف الترمذي للحسن قوله: "ويُروى من غير وجه" وتبعه على ذلك ابن الصلاح (3)، وهذه العبارة تشير إلى بعض المصطلحات التي تتردد في كتب الحديث وعلومه للمرويات المعاضدة لبعضها، ومن ذلك مصطلح المتابعة، والشاهد، وطريقة التوصّل إليهما وهو ما يُسمى بالاعتبار (4).

قال ابن الصلاح - مُفسراً قول الترمذي "ويُروى من غير وجه"- بقوله: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِف بأن رُوِي مثلُه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد

بمتابعة من تابع راوِيه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا" (5)

(1) الزركشي، النكت، 3/ 379.

(2)

المعاضدة في اللغة: "المعاونة، واعتضد به: استعان." الرازي، المختار، 211.

(3)

وذلك في القسم الأول من الحسن، والذي هو عنده لا يخلو من رواية المستور الذي لم تتحقق أهليته، فاشترط لحسنه روايته من وجه آخر مثله أو نحوه. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 31.

(4)

الاعتبار لغة: من اعتبر الشيء اختبره وامتحنه، والاعتبار النظر في الأمور وتدبّرها؛ ليُستدل بها على غيرها. يُنظر: مادة (عبر) ابن فارس، مقاييس اللغة، 4/ 210، الرازي، مختار الصحاح، 198، ابن منظور، لسان العرب، 4/ 531، الزبيدي، تاج العروس، 12/ 511. والاعتبار عند المحدثين: سبر دواوين كتب الحديث، والنظر فيها، والبحث عن من شارك أحد رواة الإسناد في روايته لهذا الحديث، سواء اتفقا في لفظ الحديث أو معناه. فالاعتبار هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن الشاهد والمتابعة. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 82 - 84، ابن حجر، النزهة، 87 - 90، ابن حجر، النكت، 2/ 682، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 256 - 258، السيوطي، تدريب الراوي، 1/ 281 - 283، الدهلوي، أصول الحديث، 56 - 57.

(5)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 31.

ص: 183

ومن هذه المصطلحات التي وردت في كلام ابن الصلاح، مصطلح المتابعة والشاهد.

ومعنى المتابعة لغة:

مأخوذة من تابع، ويأتي بمعنى الموالاة، والموافقة، والإتقان والإحكام.

تابع عمله أو كلامه، أي: والاه وأتقنه وأحكمه وأحسنه. (1)

اصطلاحاً:

أن يشارك راوي الحديث في روايته أو يوافقه راوٍ آخر يصلح للاعتبار.

فإن كانت المشاركة في جميع الإسناد -أي: حصلت للراوي في شيخه- فهي متابعة تامة، وإن كانت في أثناء الإسناد -أي: حصلت لشيخه فمن فوقه- فهي قاصرة. (2)

"ولا اقتصار في هذه المتابعة - سواء كانت تامة أم قاصرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي"(3).

ومعنى الشاهد لغة:

اسم فاعل من (شهد)، وهو " أصل يدل على حضور وعلم وإعلام"(4)

(1) يُنظر مادة (تبع): الرازي، المختار، 44، الزبيدي، تاج العروس، 2/ 382، المعجم الوسيط، 1/ 81.

(2)

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 82 - 84، ابن حجر، النزهة، 87 - 90، ابن حجر، النكت، 2/ 682، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 256 - 258، السيوطي، تدريب الراوي، 1/ 281 - 283، الدهلوي، 56 - 57

(3)

ابن حجر، النزهة، 87 - 90، والمسألة خلافية، "وبالتأمل فيه نرى أن ابن الصلاح خص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد: خصه بما كان بالمعنى سواء أكان عن ذلك الصحابي أم لا، وقيل: الشاهد أعم من أن يكون باللفظ أو بالمعنى. وقد جاء الإمام الحافظ ابن حجر فخالف ابن الصلاح في هذا واعتبر المتابعة فيما إذا كانت عن ذلك الصحابي الذي روى الحديث المتابع -بفتح الباء الموحدة- سواء أكانت باللفظ أم بالمعنى، واعتبر الشاهد فيما إذا كان عن صحابي آخر سواء أكان باللفظ أم بالمعنى." أبو شُهبة، الوسيط، 366 - 367.

(4)

ابن فارس، المقاييس، 3/ 221. مادة (شهد).

ص: 184

والشاهد: الدليل، ومن يؤدي الشهادة. (1)

اصطلاحاً:

أن يُروى حديث آخر بلفظه أو معناه من حديث صحابي آخر. (2)

"وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل."(3)

والغرض من المتابعات والشواهد للحديث تقويته، ويُضاف لذلك أغراض أخرى " تكثير طرق الحديث، وبيان التواتر من الصحابة رضي الله عنهم، أو إثبات الزيادات في المتن، أو توضيح بعض غموضه، أو لبيان الزمان والمكان وغيرها."(4)

ومن الأمثلة التي ذُكِرت للمتابعة:

قول ابن الصلاح: "الاعتبار في الأخبار مثاله (5): أن يروي حماد بن سلمة (6) حديثا لم

(1) يُنظر: مادة (شهد) الرازي، المختار، 169، الفيروزآبادي، القاموس، 292، المعجم الوسيط، 1/ 497.

(2)

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 82 - 84، ابن الملقن، التذكرة، 20، ابن حجر، النزهة، 87 - 90، ابن حجر، النكت، 2/ 682، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 256 - 258، السيوطي، تدريب الراوي، 1/ 281 - 283.

(3)

ابن حجر، النزهة، 90. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 257، السيوطي، التدريب، 1/ 284.

(4)

ينظر: الزركشي، النكت، 2/ 171، الأعظمي، معجم مصطلحات الحديث، 200، الغوري، موسوعة علوم الحديث، 2/ 261.

(5)

قد يُوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد، وليس كذلك بل هو هيئة التوصِّل لهما. ينظر: ابن حجر، النزهة، 91، ابن حجر، النكت، 2/ 681، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 256، السيوطي، التدريب، 1/ 282.

(6)

حماد بن سلمة، مات سنة 167 هـ. يُنظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 349 (1220)، ابن حجر، التقريب، 178 (1499).

ص: 185

يتابع عليه، عن أيوب (1)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فينظر: هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا.

قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي

هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا.

فإن لم يُرو ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُوِي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة." (2)

(1) أيوب بن أبى تميمة، مات سنة 131 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 260 - 261 (511)، ابن حجر، التقريب، 117 (605).

(2)

ابن الصلاح، علوم الحديث، 83 - 84، وهذا المثال نقله ابن الصلاح من مقدمة ابن حبان لصحيحه، وقام بتوضيحه. ينظر: ابن حبان، صحيح ابن حبان، 1/ 155.

وقد ذكر ابن حجر مثالاً اجتمع فيه المتابعة التامة والناقصة، والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى فقال:"ما رواه الشافعي في "الأم" عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشهر تسع وعشرون فلا تصموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثي)) - كتاب الصيام الصغير 3/ 231 - 232 - فإن الحديث المذكور في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد بلفظ، "فإن غم عليكم فاقدروا له".

فأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه- كتاب الصوم 3/ 27 ح (1906) - فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهم فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي سواء فهذه متابعة تامة في غاية الصحة. لرواية الشافعي رضي الله عنه والعجب كيف خفيت عليه؟ ، ودل هذا على أن مالكا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معا.

وقد توبع عليه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر رضي الله عنهم:

أحدهما: أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر - فذكر الحديث وفي آخره:((فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين)). كتاب الصيام، باب وجوب صيام رمضان 2/ 759 ح (1080).

والثاني: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه -كتاب الصيام 3/ 202 ح (1909) - من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهم بلفظ: ((فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين)).

فهذه متابعة - أيضا - لكنها ناقصة.

وأما شاهده فله شاهدان: شاهد لحديث الشافعي: أحدهما: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه: ((فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).

وثانيهما: من حديث ابن عباس رضي الله عنهم أخرجه النسائي -في سننه كتاب الصيام 4/ 135 ح (2125) - من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس رضي الله عنهم بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهم.

فهذا مثال صحيح بطرق صحيحة للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة. والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى والله الموفق سبحانه". ابن حجر، النكت، 2/ 682 - 685، ينظر كذلك: ابن حجر، النزهة، 88 - 90، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 259 - 260، السيوطي، التدريب، 1/ 284 - 285.

ص: 186

ما سبق كان بياناً لمعنى المتابعة والشاهد، ومثال توضيحي ذكره ابن الصلاح أشار فيه إلى أن الشاهد قد يُطلق على المتابعة، وأيّده على ذلك ابن حجر فقال:"وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل."(1)، فالاختلاف بينهم دائر على راوي الحديث من الصحابة، هل رُوِي الحديث من طريقه أو من طريق صحابي آخر؟ ، وعلى متن الحديث، هل رُوِي بلفظه أو معناه؟ "ويستفاد من ذلك كله التقوية."(2)

وقد أشار ابن رجب (3) رحمه الله إلى أن المعاضدة لا تقتصر على الأحاديث المرفوعة بل يحتمل كلام الترمذي التقوية بالموقوف حيث قال: "وقول الترمذي رحمه الله يُروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن يكون مراده

عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يُروى من غير وجه، ولو موقوفاً، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به" (4).

(1) ابن حجر، النزهة، 90، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 257، السيوطي، التدريب، 1/ 284.

(2)

السخاوي، المرجع السابق.

(3)

عبدالرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقيّ. زين الدين، أبو الفرج، الشهير بابن رجب. محدث، حافظ، فقيه، أصولي، مؤرخ. من مصنفاته:(شرح صحيح الترمذي) و (شرح علل الترمذي) و (جامع العلوم والحكم) وغيرها. مات سنة 795 هـ. ينظر: ابن العماد، الشذرات، 8/ 580. الزركلي، الأعلام، 3/ 295. كحالة، المؤلفين ، 2/ 74 (6751).

(4)

ابن رجب، علل الترمذي، 1/ 387.

ص: 187

أي: أن المراد البحث عن ما يعضد الحديث ويقويه سواء كان حديثاً مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفاً على الصحابي رضي الله عنه. (1)

وقد شمل صنيع الترمذي في كتابه في بيان مراده من الرواية من غير وجه- المتابعات والشواهد، فقد أشار لورود أحاديث من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) - أي: الشواهد- وكذلك

ورودها من غير وجه عن أحد الصحابة (3) رضي الله عنهم أي: المتابعات.

(1) أشار الدكتور خالد الدريس في كتابه الحديث الحسن إلى أن ما ذكره ابن رجب فيه نظر، واستدل بعدد من الأمثلة

- منها: قول الترمذي: "هذا حديث غريب إنما نعرفه مرفوعا من حديث ابن لهيعة.

وقد رُوِي شيء من هذا عن عطية، عن أبي سعيد، موقوفا." أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب من سورة المدثر، 5/ 286 ح (3326). ففي هذا المثال لم يحسّن الترمذي هذا الحديث -رغم أنه حسّن أحاديث لابن لهيعة- ورغم وجود شاهد موقوف لا يُقال مثله بالرأي.

-

ومنها: قول الترمذي في أكثر من موضع "لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه" مما يدل على أن همه وموضوع كتابه هو الحديث المرفوع.

-

وقد استقرأ الدكتور -في بحثه- سنن الترمذي وقال: "لم أجد الترمذي مطلقاً ولا في موضع واحد نصّ على تحسين حديث بسبب شاهد موقوف، وهذا كافٍ في الرد على ما ذكره الحافظ ابن رجب من قولٍ لم يستدل هو على وقوعه في جامع الترمذي فعلياً، وإنما ذكره على سبيل الاحتمال". الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1144 - 1146. بتصرّف.

(2)

من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يلي:

-

ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت

" قال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا. 2/ 554 ح (1263).

-

وفي كتاب اللباس، باب ما جاء في الاكتحال، من حديث ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اكتحلوا بالإثمد

" قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن،

وقد روي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم. 3/ 287 ح (1757).

-

وفي كتاب الزهد، باب ما جاء أن المرء مع من أحب، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب

". قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث الحسن عن أنس بن مالك

، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم. 4/ 174 ح (2386).

(3)

من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن الصحابي رضي الله عنه ما يلي:

-

ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: "يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة،

"، قال الترمذي: هذا حديث حسن،

وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. 1/ 122 ح (66).

-

وفي كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل، من حديث رويفع ابن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت 2/ 428 ح (1131).

-

وفي كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قتل دون ماله فهو شهيد". قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وقد روي عنه من غير وجه. 3/ 81 ح (1419).

ص: 188

وقد يشير إلى الشواهد بنوعيها - شواهد باللفظ وشواهد بالمعنى- بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، قال العراقي:

"وهكذا يفعل الترمذي في الجامع حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان، فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين، وإنما يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في ذلك الباب، وإن كان حديثاً آخر غير الذي يرويه في أول الباب، وهو عمل صحيح إلا أن كثيراً من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه الذي رواه في أول الباب بعينه، وليس الأمر على ما فهموه بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب."(1)

وليس في تعريف الترمذي للحسن تحديد عدد معين للأوجه والطرق المطلوبة لتحسين الحديث؛ حيث "أطلق الترمذي كلامه ولم يحدد الحد الأدنى من تعدد الوجوه الأخرى التي تلزم لتحسين الحديث، ولكن يُفهم من ذلك أنه يتحقق عنده بأدنى شيء وأقله، وعلى هذا فيكون الحديث المراد تحسينه إذا شهد له حديث آخر نحوه تقوّى بذلك واستحق التحسين.

إلى هذا ذهب ابن الصلاح (2)، وابن تيمية (3)، والعراقي (4)، وابن حجر (5)، بأن الحديث إذا رُوي من وجهين كان حسنًا عند الترمذي." (6)

(1) العراقي، التقييد، 102.

(2)

حيث ذكر أن الضعف المُنجَبِر يزول بمجيء الحديث من وجه آخر، فقال: "ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:

فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له

إلخ" ابن الصلاح، علوم الحديث، 34.

(3)

"وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب، ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة". ابن تيمية، الفتاوى، 18/ 39.

(4)

"فمجيئه من وجهين كاف في حد الحديث الحسن" العراقي، التقييد، 48.

(5)

حيث ذكر من شروط الحديث الحسن عند الترمذي: "أن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا" ابن حجر، النكت، 1/ 387.

(6)

الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1139 - 1140.

ص: 189

والمتأمل لصنيع الترمذي في جامعه يجده لم يَقصُر تحسينه للأحاديث التي رُويت من غير وجه، بل أكثر ما اُنتقِد عليه - في تعريفه- تحسينه لأحاديث جاءت منفردة، وجمعه بين وصفيّ الحُسن والغرابة للحديث الواحد. (1)

وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه ذلك، ومنها:

- ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريباً في أصله ثم تتعدد الطرق عن التابعي، فيجمع بين غرابة الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك، فقال:

"وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما رُوِي من وجهين، وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. فهذه الشروط هي التي شرطها الترمذي في الحسن، لكن من الناس من يقول: قد سُمِّى حسنا ما ليس كذلك، مثل حديث يقول فيه: حسن غريب؛ فإنه لم يرو إلا من وجه واحد وقد سماه حسنا، وقد أجيب عنه بأنه قد يكون غريبا. لم يرو إلا عن تابعي واحد، لكن رُوِي عنه من وجهين فصار حسنا لتعدد طرقه عن ذلك الشخص وهو في أصله غريب."(2)

- وأجاب ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا نفس اللفظ، فقال:"لا يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولا قوله: "صحيح حسن غريب

لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه."(3)

(1) فممن أشار إلى هذا الإشكال ابن دقيق العيد، فقال:"وهذا يشكل عليه ما يقال فيه أنه حسن مع أنه ليس له مخرج إلا من وجه واحد". ابن دقيق العيد، الاقتراح، 8، وكذلك ابن جماعة، حيث قال في تعقّبه للقسم الأول من الحسن-والذي اشترط فيه ابن الصلاح مجيئه من طريق آخر-:"ويرد على الأول الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر" ابن جماعة، المنهل، 36.

(2)

ابن تيمية، الفتاوى، 18/ 39.

(3)

ثم أتبع كلامه بذكر مثال على ذلك فقال: "وهذا كما في حديث "الأعمال بالبينات" فإن شواهده كثيرة جداً في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مروياً من غير حديثه من وجه يصح." ابن رجب، علل الترمذي، 1/ 386، وقال الشيخ أحمد شاكر في حاشية كتاب الباعث الحثيث:"الذي يبدو لي في الجواب عن هذا: أن الترمذي لا يريد بقوله في بيان الحسن (ويُروى من غير وجه نحو ذاك) أن نفس الحديث عن الصحابي يُروى من طرق أخرى؛ لأنه لا يكون حينئذ غريبا، وإنما يريد أن لا يكون معناه غريبا: بأن يروى المعنى عن صحابي آخر، أو يعتضد بعمومات أحاديث أخر، أو بنحو ذلك، مما يخرج معناه عن أن يكون شاذا غريبا. فنأمل". شاكر، الباعث الحثيث، 39 - 40.

ص: 190

- وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع منه، حيث قال:

"فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يُروى من غير وجه؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"؟ . فالجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن مطلقا، وإنما عرَّف نوعا خاصا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه:"حسن"، من غير صفة أخرى" (1)

- ومن الأجوبة أيضاً: ما ذكره العراقي في شرحه لألفيته حيث قال:

" (قلتُ وقد حسَّن بعض ما انفرد). هذا من الزوائد على ابن الصلاح. وهو إيرادٌ على الترمذي، حيث اشترط في الحسن أن يُروى من غير وجه نحوه. ومع ذلك فقد حسَّن أحاديث لا تُروى إلا من وجه واحدٍ، كحديث إسرائيل (2)، عن يوسفَ بن أبي بردة (3)، عن أبيه (4)، عن عائشة، قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من

الخلاء قال:

(1) ابن حجر، النزهة، 80.

(2)

إسرائيل بن يونس مات سنة 160، وقيل: 162 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 241 (336)، ابن حجر، التقريب، 104 (401).

(3)

يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، روى له البخاري في الأدب المفرد، قال الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: مقبول. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 399 (6427)، ابن حجر، التقريب، 610 (7857).

(4)

أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر وقيل: الحارث، قاضي الكوفة، أخرج له البخاري ومسلم، قال الذهبي: كان من نبلاء العلماء، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة 104 هـ، وقيل غير ذلك. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 407 (6508)، ابن حجر، التقريب، 621 (7952).

ص: 191

غفرانك)). فإنَّه قال فيه: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة. قال: ولا يُعرفُ في هذا الباب إلا حديثُ عائشة. (1)

وأجاب أبو الفتح اليعمري عن هذا الحديث (2) بأنّ الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه

ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته" (3).

وقد توصّل الدكتور خالد الدريس إلى: "أنّ ما يقول الترمذي فيه: "حسن غريب" لا يخلو من حالتين:

1 -

ما توجد له متابعات أو شواهد، ولو بعموم المعنى.

(1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهرة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، 1/ 57 ح (7)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، 1/ 8 ح (30)، وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، 1/ 110 ح (300)، وأحمد في مسنده، 42/ 142 ح (25220)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الخروج من المتوضأ، 1/ 48 ح (90)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، 4/ 291 ح (1444).

قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا الباب- يعني: في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء -: حديث عائشة". عبد الرحمن بن محمد بن إدريس ابن أبي حاتم الرازي، العلل، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية سعد بن عبدالله الحميد، خالد بن عبدالرحمن الجريسي، (الرياض: مطابع الحميضي، 1427 هـ=2006 م) 1/ 540 - 541 ح (93).

(2)

وذلك في كتابه النفح الشذي، حيث قال:"وأما أنه لا يعرف في الباب إلا حديث عائشة، مع قوله في "الحسن": إنه يُروى مثل ذلك الحديث، أو نحوه، من وجه آخر، فهذا قد يوهم منافاة الحُسن الذي وصفه به، على شرطه، فيحتاج إلى الجواب عن ذلك، فنقول:

لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي يحتاج فيه إلى أن يُروى نحوه من وجه آخر، هو: ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته، ولا ارتقى إلى أن تدخل في "الصحيح" مع المتابعة، روايته. فهناك يحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد؛ ليصل بمجموع ذلك إلى تلك الدرجة. وأما هذا، فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح؛ فإن إسرائيل المنفرد به، متفق على إخراج حديثه عند الشيخين وقد تقدم في الكلام على الشذوذ، والمنفردات، ما يوضح أن ما انفرد به الثقة، ولم يتابَع عليه، لا يرتقي إلى درجة الصحيح، حتى يكون -مع الثقة- في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يتجاوز الثقة، فحديثه هناك حسن كما أن المستور، مع التفرد، لا يرتقي إلى درجة الحسن، بل تفرده مردود فكذلك هذا الحديث، لو وَجَد شاهدًا له، لما وقف [به] عند مرتبة الحسن، وربما لم يقف عندها فقد أخرجه أبو حاتم بن حبان، في صحيحه، كما يأتي بيانه.

وأكثر ما في الباب، أن الترمذي، في الموضع الذي شرط فيه، في الحسن، تقويته بالمتابعات، عرف بنوع منه، وهو أكثره وقوعًا عنده، لا بكل أنواعه." ابن سيد الناس، النفح الشذي، 1/ 423 - 424.

وفي كلام اليعمري بيان لاختلاف الحكم على الحديث الفرد، وذلك بحسب مرتبة الراوي في العدالة والضبط، وتفريقه بين وصف الراوي بالثقة المجردة، وبين وصفه بالحفظ والإتقان، وسيأتي -بإذن الله- بيان ذلك في فصل الأفراد.

(3)

العراقي، شرح التبصرة، 1/ 153.

ص: 192

2 -

ما لا توجد له متابعات وشواهد، ولكن السند قوي لذاته لا يحتاج لعاضد." (1)

وتوصّل كذلك إلى أن اشتراط تعدد الطرق - (يُروى من غير وجه) في الحديث الحسن عند الترمذي-: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز سوى رواة من أهل الصدق قد خفّ ضبطهم

، ومن ذلك مثلاً: أحاديث لبهز بن حكيم، وأحاديث لعمرو بن شعيب

إلخ. (2)

والحديث الحسن الذي لا يحتاج للمعاضدة هو ما أُطلِق عليه الحسن لذاته (3)؛ وما يحتاج للمعاضدة هو الحسن لغيره؛ لذا حين قسَّم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين نجده:

وافق الترمذي في اشتراط مجيء الحديث من وجه آخر- وذلك في أحد قسميّ الحسن، - حيث جعله قيداً لرواية المستور الذي لم تتحقق أهليته.

ولم يشترطه في القسم الآخر الذي هو من رواية المشهور بالصدق، وتبعه في ذلك ابن جماعة، وابن سيد الناس (4)، إلا أن الطّيّبي حين تعقّب من سبقه وعرّف الحسن اشترط المعاضدة للقسمين (5).

(1) ثم قال: "ويخلص إلى حمل الأمر على فهم الترمذي واجتهاده؛ لأن الأصل أنه لا يُخالِف ما اشترطه في تعريفه الذي حكاه بنفسه عن عمله في كتابه" ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1063 - 1064 باختصار.

(2)

ينظر: الدريس، المرجع السابق، 4/ 1643 - 1645 باختصار.

(3)

أطلقه ابن حجر، وذلك حين أردف تعريف الصحيح لذاته بالحسن لذاته بفارق خفة ضبط راوي الحسن. ينظر: ابن حجر، النزهة، 78.

ويرى الدكتور الدريس: أن تعريف ابن القطان يقرّبه من الحسن لذاته، ولا يدخل فيه حديث الضعيف المعتضد بمثله؛ لأن ابن القطان لا يحتجّ بمثله فضلاً عن أن يسميه حسناً. ينظر: الدريس، المرجع السابق، 4/ 1670.

(4)

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين، المعروف بابن سيّد الناس. مؤرخ، عالم بالأدب. من حفاظ الحديث، من مصنفاته:(عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) و (النفح الشذي في شرح جامع الترمذي) لم يكمله. مات سنة 734 هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات،1/ 219 (200)، ابن العماد، الشذرات، 8/ 189. الزركلي، الأعلام، 7/ 34.

(5)

"مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة". الطيبي، الخلاصة، 45.

بل إن الفرد عنده يأتي على أنواع، فرد مطلق ليس له معاضد لا في سنده ولا في متنه، وفرد حسن وهو ما كان فرد الإسناد ورُوي معناه بإسناد آخر حيث قال:"إن قولنا يروى من غير وجه يحتمل وجوها؛ أن يروى الحديث بعينه بإسناد آخر، وأن يروى معناه بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد بلفظ آخر، ولا يبعد تسمية القسم الأخير بالفرد الحسن، فهو بالنظر إلى أفراد الإسناد، فرد وبالنظر إلى تغيير اللفظ، حسن، إذ بهذا الاعتبار يغلب ظنا احتمال طريق آخر يتقوى به، بخلاف الفرد المطلق."

ثم ذكر وجهاً آخر للمعاضدة فقال: "وجه آخر، وهو أن يكون الحديث مشهورا عن صحابي، فيرويه تابعي عن صحابي آخر، ويكون له في الطريق رواة أفراد في جميع المراتب، فظهر من هذا أن الغرض من التقييد بقوله، ويروى من غير وجه واحد، اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة ما به من الوهم السابق والإرسال والانقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه، إلا على وجه يرفع به ذلك الضعف وإلا كان عبثا." الطيبي، المرجع السابق 41 - 42.

ويفهم مما قاله أن الحديث لا يُطلق عليه حسناً إلا إذا رُوي من وجه آخر، وعلل ذلك بكون الحسن من الحديث استحق ذلك الوصف لانجبار ضعفه بالمعاضد، والله أعلم.

ص: 193

وأمّا ابن حجر فقد وافق ابن الصلاح في تقسيم الحديث الحسن لقسمين، أطلق على أحدهما الحسن لذاته؛ لقوته وعدم احتياجه للمعاضدة، والآخر الذي اكتسب الحُسن بمعاضدة غيره له هو الحسن لغيره.

ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ الضعف يتفاوت في درجاته (1)، فليس كلُّ ضَعفٍ قابلاً للانجبار، قال ابن الصلاح:

"ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:

فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم

يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر (2).

(1) يأتي توضيح ذلك وتفصيله -بإذن الله- في الفصل الثالث: الحديث الضعيف.

(2)

تقوية المرسل بالمرسل لها ضوابط، إذ ما كل مرسل يجبر مثله. ينظر في حكم الاحتجاج بالمرسل: العلائي، جامع التحصيل، 33 - 50، ابن رجب، علل الترمذي، 1/ 546 - 547، الجديع، التحرير، 2/ 1096.

ص: 194

ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. (1) وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.

وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم." (2)

وعقّب ابن حجر على ذلك بقوله: "لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القَبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.

وأما إذا رجح جانب القَبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي، والله أعلم" (3).

فيُفهم من ذلك أن ما يصلح للاعتبار من الأحاديث يُشترط فيها:

- ألا يكون ضعفها شديداً بحيث لا ينجبر هذا الضعف بمجيئه من طرق أخرى.

- وألا يكون المتابِع منحطاً عن هذه الدرجة، بل لابد من أن يكون المتابَع والمتابِع مما يصلح كلاهما للاعتبار، ويجبر كلا منهما ضعف الآخر.

(1) وقد مثّل ابن الصلاح لذلك بحديث: ((الأذنان من الرأس)) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم 1/ 33 ح (134)، والترمذي في سننه كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الأذنين من الرأس 1/ 93 ح (37)، وابن ماجة في سننه كتاب الطهارة، باب الأذنان من الرأس.

وقال: "إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة." ابن الصلاح، علوم الحديث، 33.

وقد نُوزع رحمه الله في تمثيله بهذا، وتُعقّب عليه، ومن ذلك قول ابن حجر:

"إذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه - والله أعلم -"

ثم قال: "ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث ((من حفظ على أمتي أربعين حديثا)) - أخرجه ابن حبان في المجروحين من حديث ابن عباس 1/ 134، ومن حديث أبي الدرداء 2/ 133، وابن عدي في الكامل في الضعفاء من حديث ابن عباس 3/ 436، ومن حديث أبي هريرة 6/ 257، 7/ 454 -

فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه- والله أعلم -." ابن حجر، النكت، 1/ 415.

(2)

ابن الصلاح، المرجع السابق 34.

(3)

ابن حجر، النكت، 1/ 409.

ص: 195

وقد أوضح ابن حجر ذلك بذكر أمثلة للرواة التي تنجبر روايتهم، وترتقي للحسن بمجيئها من طريق آخر مثلها أو نحوها، فقال في كتابه النزهة:

"ومتى توبع السيِّئ الحفظ (1) بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز (2)، والمستور،

والإسناد المرسل (3)، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه (4) صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم

(1) استشهد ابن حجر لما ذكره بأمثلة لما حسّنه الترمذي في كتابه، فقال:

من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف السيئ الحفظ:

1 -

ما أخرجه في سننه كتاب النكاح، باب ما جاء في مهور النساء، من طريق شعبة عن عاصم ابن عبيدالله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ )). قال الترمذي: هذا حديث حسن. 2/ 411 ح (1113).

وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم، وذكر جماعة غيرهم. وعاصم بن عبيدالله ضعفه الجمهور ووصفوه بسوء الحفظ وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه، وقد حسن الترمذي حديثه هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط، والله أعلم.

2 -

ومن أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف الموصوف بالغلط والخطأ: ما أخرجه في سننه كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للملم أن يدفع إلى الذمي الخمر ليبيعها، من طريق عيسى بن يونس عن مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلمّا نزلت المائدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أهريقوه)). قال: هذا حديث حسن. 2/ 544 ح (1263).

قلت: ومجالد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس، وغيره رضي الله عنهم

وذكر ابن حجر غيرها من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي لرواة ضُعّفوا لسوء حفظهم وكثرة غلطهم، جاء ما يعضدها من المتابعات والشواهد. ينظر: ابن حجر، النكت، 1/ 388 - 392 بتصرف.

(2)

من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية من سمع من مختلط بعد اختلاطه:

- ما أخرجه في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيا، من طريق يزيد ابن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال:"صلى بنا المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم". وقال: "هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال الترمذي: هذا حديث حسن. 1/ 474 ح (365).

قلت: "والمسعودي اسمه: عبدالرحمن وهو ممن وصف بالاختلاط وكان سماع يزيد منه بعد أن اختلط. وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من أوجه أخر بعضها عند المصنف أيضا والله أعلم. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 1/ 393.

(3)

من أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الإسناد:

- ما أخرجه في سننه كتاب المناقب، باب مناقب أبي الفضل عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في العباس رضي الله عنه: ((إن عم الرجل صنو أبيه)). وكان عمر رضي الله عنه تكلم في صدقته. وقال: هذا حديث حسن.6/ 112 ح (3760).

قلت: "أبو البختري: اسمه سعيد بن فيروز ولم يسمع من علي رضي الله عنه ".

فالإسناد منقطع ووصفه بالحسن؛ لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة وغيره، وأمثلة ذلك عنده كثيرة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 1/ 396.

(4)

من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية مدلس قد عنعن:

- ما أخرجه في سننه كتاب الجنائز، باب ما جاء في أن المؤمن يموت بعرق الجبين، من طريق يحيى ابن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبدالله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المؤمن يموت بعرق الجبين". قال: "هذا حديث حسن". 2/ 301 ح (982).

وقد قال بعض أهل العلم: "لم يسمع قتادة من عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قلت: وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل البصرة ولو صح أنه سمع منه فقتادة مدلس معروف بالتدليس، وقد روى هذا بصيغة العنعنة، وإنما وصفه بالحسن؛ لأن له شواهد من حديث عبدالله بن مسعود وغيره رضي الله عنهم

- ومن ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الجمعة، باب في السواك والطيب يوم الجمعة، من طريق هشيم عن يزيد عن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب". قال: "هذا حديث حسن".1/ 662 ح (528).

قلت: "وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي".

وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره رضي الله عنهم ابن حجر، المرجع السابق، 1/ 394 - 395 بتصرف يسير.

ص: 196

احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه." (1)

ولعل ابن حجر رحمه الله يُشير بعبارته الأخيرة - والتي تفيد توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن على الحديث الضعيف المعتضد بغيره- إلى ما نقله الزركشي وعزاه لابن سيّد الناس، - من أن المتابِع إذا كان بمنزلة المتابَع في الضعف ومساوياً له، فإنه قد يقويه لكنها قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف- فقال:

"الحق في هذه المسألة أن يقال: إما أن يكون الراوي المتابِع مساويا للأول في ضعفه أو منحطا عنه أو أعلى منه، فأما مع الانحطاط فلا تفيد المتابعة شيئا وأما مع المساواة فقد

تقوي، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعيف، بل الضعيف يتفاوت فيكون الضعيف الفرد أضعف رتبة من الضعيف المتابَع، ولا يتوجه الاحتجاج بواحد منهما، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح، وأما إن كان المتابِع أقوى من الراوي الأول، إن أفادت

(1) ابن حجر، النزهة، 129 - 130.

ص: 197

متابعته ما دفع شبهة الضعيف عن الطريق الأول، فلا مانع من القول بأنه يصير حسناً". (1)

فالحديث الضعيف الصالح للاعتبار إذا توبع بما دونه لا يتقوّى، وإذا توبع بمثله يتقوى ويرتقي للحسن لغيره، وعند ابن سيد الناس - يتقوى قوة لا تخرجه عن وصف الضعف، بل يَشترط لوصفه بالحُسن أن يكون المتابِع أقوى منه.

أما البلقيني فكان رأيه معاكساً لرأي ابن سيد الناس، حيث أشار إلى أنه:"لا يقال: ينجبر بأن يُروى من وجه صحيح؛ لأن الكلامَ فيما إذا رُوِي بطرقٍ كلُّ منها مثلُ الأخرى في ذلك الضعف."(2) ومفهوم كلامه أن الضعيف ينجبر بما يماثله في الضعف، أما إن ورد من طريق صحيح، فلا يُقال أنه انجبر به؛ لأن الاعتماد حينئذ على الصحيح. (3)

وعليه فإن الضعيف الصالح للاعتبار: - إذا توبع بأقوى منه ارتقى إلى الحسن لغيره عند ابن سيد الناس وابن حجر، ومن وافقهم في ذلك، بينما رأى البلقيني أن الاعتماد في هذه الحالة يكون على الحديث القوي، ولا يُقال أن الضعيف انجبر به.

- أما إذا تُوبع بمثله فإنه ينجبر ويرتقي إلى الحسن لغيره، بينما عند ابن سيد الناس فإنه يتقوى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف.

- وإذا توبع الضعيف الصالح للاعتبار بما هو أدنى منه، فإنه لا يتقوى بذلك ولا ينجبر على ما سبق من كلام نقاد الحديث، .

(1) الزركشي، النكت، 1/ 322، قال الزركشي معقِّبا:"قلت: وهو تفصيل حسن، ولا يخفى أن هذا كله فيما إذا كان الحديث في الأحكام، فإن كان من الفضائل فالمتابعة فيه تقوم على كل تقدير لأنه عند انفراده مفيد".

(2)

البلقيني، محاسن الاصطلاح، 106.

(3)

ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1181. وقد ذكر المؤلف رأيه في ذلك فقال:"وفي نظري أن (الحسن لغيره) ينبغي أن يُقتصر استعماله على الضعيف المعتضد بمثله فقط".

ص: 198

- فإن جاء هذا الحديث شديد الضعف من طرق متعددة، فهناك من يرقّيه من كونه ضعيفاً منكراً لا يجوز العمل به بحال إلى الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، حيث قال ابن حجر:

"الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث رجح على حديث فرد، فكون الضعف الذي ضَعفُه ناشئٌ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحَسن، والذي ضَعفُه ناشئٌ عن تُهمة أو جهالة إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال."(1)

وقد تتابع بعض تلامذة ابن حجر رحمهم الله كالبقاعي (2) والسخاوي (3) وتبعهم السيوطي (4) في الإشارة إلى هذا الرأي في كتبهم، وصرّحوا فيه بارتقاء الحديث بمجموع ذلك إلى مرتبة الحسن.

دون أن يتعقّبوا هذا القول، بل أكّده السيوطي في ألفيته فقال:

.................. كما

يَرْقَى إِلى الحُسْنِ الذي قد وُسِمَا

ضَعفًا لِسُوءِ الحِفظِ أَو إِرسَالٍ أو

تَدليسٍ أو جَهالةٍ إِذا رَأَوا

مَجِيئَهُ من جِهةٍ أُخرى، وما

كان لِفِسقٍ او يُرَى مُتَّهَمَا

يَرْقَى عن الإنكار بالتَّعَدُّدِ

بل رُبَّما يَصيرُ كالذي بُدِي (5)

(1) ابن حجر، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، 70.

(2)

البقاعي، النكت الوفية، 1/ 248.

(3)

السخاوي، فتح المغيث، 1/ 97.

(4)

السيوطي، تدريب الراوي، 1/ 194، السيوطي، البحر الذي زخر، 3/ 1029.

(5)

السيوطي، ألفية السيوطي، 10، وقد تعقّب الشارح ما ذهب إليه السيوطي بقوله:"وأما اذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنه لا يرقى الى الحسن، بل يزداد ضعفاً إلى ضعف، إذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم يرجح عند الباحث المحقق التهمة، ويؤيد ضعف رواياتهم. وبذلك يتبين خطأ المؤلف وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي الى الحسن مع هذه العلة القوية". السيوطي، المرجع السابق، 10. ينظر كذلك: شاكر، الباعث الحثيث، 40. وهناك من أيّد هذا التعقيب فقال:"وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فإن الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض ويشتهر عندهم فقط، ولا نجده في روايات الثقات الأثبات مما لا يزيد الضعيف إلا ضعفا على ضعف." فحل، أثر علل الحديث، 36 - 37. وسيأتي مزيد توضيح لمسألة تعدد طرق الحديث الضعيف في الفصل الثالث بإذن الله.

ص: 199

بينما أقوال من سبقه تنفي تقوية الحديث الواهي بكثرة الطرق، منها:

قول ابن جماعة في المنهل الروي: "وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه فلا ينجبر بتعدد طرقه"(1)، وكذلك قول ابن رجب في شرحه للعلل: "وتسمية الحديث الواهي التي تعددت

طرقه حسناً، لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه" (2).

وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في الفصل الخاص بالحديث الضعيف بإذن الله.

نخلص مما سبق:

أنَّ قيد (يُروى من غير وجه) في تعريف الترمذي للحسن عنده، هو ما يُفسّر باشتراط المعاضدة للحديث، وتتنوع هذه المعاضدة بين المتابعات والشواهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها.

ولا يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر.

وإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والاعتضاد، وضابط ذلك يرجع كما ذكر ابن حجر رحمه الله: "إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي

(1) ابن جماعة، المنهل الروي، 37 - 38.

(2)

ابن رجب، شرح العلل، 1/ 394.

ص: 200

يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. وأما إذا رجح جانب القبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي." (1)

فما أُطلِق عليه الحسن لذاته ترجّح فيه جانب القَبول، وإن وُجد عاضد له زادت قوته والتحق بالصحيح لغيره. بينما الضعيف ضعفاً يسيراً - حيث يستوي فيه الاحتمال بين القبول والرد- هو الذي يحتاج المعاضَدة؛ لترجيح جانب القبول، وهو الذي يَصلُح للانجبار بعكس الضعيف ضعفاً شديداً حيث ترجّح فيه جانب الرد.

واختلفوا - في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسناً لغيره- هل يُشترط فيه أن يكون مساوياً لمرتبة المتابَع أو أعلى منه أو أدنى؟

- أما في حال كونه أعلى منه وأقوى فهناك من جعله جابراً للمتابَع وعاضداً له فيُرقِّيه للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لا يَجبُر ضعفه، ولا يُصبِح بمجموعهما حسناً؛ لأن الاعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف.

- وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسناً لغيره.

- وأما إن كان المتابِع مُنحَطاً عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولا يُلتفَت إليه، وهناك رأي لابن حجر - وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو:

في حال كثرت طرق المتابِع الضعيف ضعفاً شديداً، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكراً أو لا أصل له، وأضافوا: "بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور والسيئ الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف

(1) ابن حجر، النكت، 1/ 409.

ص: 201

قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن" (1)، وفيما قاله رحمه الله نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لا تزيد الحديث إلا وهناً وضعفاً، وكذلك يخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. (2) والله تعالى أعلم.

وكان من أكثر ما اُنتقد على الترمذي في تعريفه، اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن، بينما جمع في أحكامه على بعض الأحاديث بين وصفيّ الحسن والغرابة للحديث الواحد، وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه صنيعه رحمه الله، من ذلك:

- جواب شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريباً في أصله، ثم تتعدد الطرق

عن التابعي، فيجمع بين الغرابة في الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك.

- وكان جواب ابن رجب بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا بنفس اللفظ، فهذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد بغير لفظه.

- وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع خاص، وهو ما يقول فيه (حسن) من غير صفة أخرى.

- وأجاب أبو الفتح اليعمري بأنّه لا يُشترط في كل حديث يصفه الترمذي بالحسن مجيئه من غير وجه، إنما الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته.

- وتوصّل بعض الباحثين إلى أن اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن عند الترمذي: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز

(1) ينظر: البقاعي، النكت، 1/ 248، السخاوي، فتح المغيث، 1/ 97، السيوطي، التدريب، 1/ 194، السيوطي، البحر الذي زخر، 3/ 1029.

(2)

ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 5/ 2183.

ص: 202