الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القيد الرابع: السلامة من الشذوذ
(نفي الشذوذ)(1):
الشذوذ في اللغة: يأتي بمعنى: الانفراد والمفارقة. (2)
وقد اُختلف في تعريف الشاذ في الاصطلاح إلى ثلاث معانٍ رئيسية حسب ما ذكرها ابن الصلاح في مقدمته فنقل عن الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس"(3).
ثم نقل تعريف الخليلي (4) للشاذ بأن "الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به"(5).
وأتبعه بقول الحاكم: "أن الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة"(6). وعقّب بتوضيح أكثر لمراد الحاكم بمعنى الشذوذ، والفرق بين الشاذ والمعلل فقال:"وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك"(7).
(1) سيأتي التفصيل في بيان معنى الحديث الشاذ بشكل أوسع وذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.
(2)
ينظر مادة (شذّ): الفراهيدي، العين، 6/ 215، ابن فارس، المقاييس، 3/ 180.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: ابن أبي حاتم، آداب الشافعي ومناقبه، 233، الخطيب البغدادي، الكفاية، 141.
(4)
الخليل بن عبدالله بن أحمد القزويني الحافظ، أبو يعلى الخليلي. قاض من أئمة وحفاظ الحديث العارفين بعلله وبرجاله. له كتاب:(الإرشاد في معرفة المحدّثين). مات سنة 446 هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ،340. ابن العماد، الشذرات، ، 5/ 199. الزركلي، الأعلام، ،2/ 319.
(5)
ينظر: الخليلي، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، 1/ 176 - 177.
(6)
ينظر: الحاكم، علوم الحديث، 119.
(7)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 76 - 77.
وبعد أن ذكر ابن الصلاح مذاهب العلماء في الحديث الشاذ- وتعقّب واستدرك-؛ خلص رحمه الله إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (1)
وقد سبق في تحرير قيد ضبط الرواة في الصحيح تضمّن تعريفات الأئمة لاشتراط الضبط في الراوي سواء: بالتنصيص على ذلك، أو بصنيعهم في تعليل الحديث أو تضعيفه أو نزوله عن رتبة الصحيح؛ لانخرام شرط ضبط راويه؛ وعليه فيخرج من حدّ الصحيح القسم الثاني الذي ذكره ابن الصلاح لنوعيّ الشذوذ وهو: - (الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط) - باشتراط ضبط الرواة أو تمامه (2)، ويقتصر معنى الشذوذ المنفي في الصحيح على القسم الأول وهو: الفرد المخالف.
(1) المرجع السابق.
(2)
قال الزركشي في النكت: "هلا اكتفى بقوله: (الضابط) عن قوله: (ولا يكون شاذا)، لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه، فإن خالفهم لم يكن ضابطا، وهذا معنى الشاذ؟
فالجواب عن ذلك: أن مخالفة الثقات على قسمين: غالبة، ونادرة. فمتى خالف الثقات فيما رواه غالبا لم يكن حافظاً، ومتى خالفهم نادراً ولو في حديث واحد كانت مخالفته شذوذا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ وكون الراوي ضابطا".
وقال نور الدين عتر: "والحقيقة أن نفي الشذوذ يتحقق بالشروط السابقة، لكنهم صرحوا بانتفائه؛ لأن الضبط ملكة عامة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وهم في حديث ما، دون أن يفقد صفة الضبط لسائر حديثه، فهذا يخل بصحة الحديث الذي وهم فيه فقط، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ." المراجع: الزركشي، النكت، 1/ 102، عتر، منهج النقد، 243.
وهذا ما أكده كلٌ من الزركشي وابن حجر - في تنكيتهما على كتاب ابن الصلاح- حين شرحا قيد نفي الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، فذكرا أن المراد بالشذوذ المنفي في حدّ الصحيح هو: المخالفة (1).
ورجحه السيوطي أيضاً فقال: "قيل: لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال؛ أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقاً. والثالث: تفرد الراوي مطلقاً. ورد الأخيرين؛ فالظاهر أنه أراد هنا الأول."(2)
وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، وما وضعوه من شروط في الراوي والمروي، نجد أن قيد نفي الشذوذ قد ذكره الشافعي حين نفى عن الراوي للصحيح وصف التدليس وعطف عليه نفي المخالفة بقوله:"برياً من أن يكون مدلساً، يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث الثقات خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أي: وبريّاً من المخالفة كذلك، وتحديث الثقة بما يخالف رواية الثقات هو ما اختاره الشافعي تعريفاً للشذوذ.
أما الحميدي فقد عدد ما قد يُردّ به حديث الراوي من: الوهم، والكذب، والنسيان، وغير ذلك إلى أن قال:"وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال"، وفي موضع آخر نجده يتحدث عن ضبط الراوي وحفظه لكتابه، وصيانة مروياته عن المخالفة، وذلك لما للمخافة من أثر في ردّ الحديث وطرحه، فقال:
(1) قال الزركشي في النكت: "من شرط الحكم على الحديث بالصحة ألا يكون شاذاً والشاذ أن يروي الثقة حديثاً مخالفاً لرواية من هو أحفظ منه [وأضبط] "، وقال ابن حجر في النكت:"مراده بالشاذ هنا ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسره الشافعي. لا مطلق تفرد الثقة كما فسره به الخليلي. فافهم ذلك. وللمخالفة شرط يأتي في نوع زيادة الثقة." ينظر: الزركشي، النكت، 1/ 101 - 102، ابن حجر، النكت، 1/ 236 - 237.
(2)
السيوطي، التدريب، 1/ 64.
"من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه ولا يكون ضارا ذلك له في حديثه؛ إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره إذا اقتصر على كتابه، ولم يقبل التلقين (1)."(2)
فما ذكره الحميدي يتضمن اشتراطه خلو حديث الراوي من المخالفة في المتن والإسناد لكيلا يُردّ، وإن لم يُسمّ ذلك شذوذاً.
أما مسلم فلم ينص على نفي الشذوذ - في مقدمة صحيحه- في حين أن ابن الصلاح قال: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر"(3)، ولعله استنتج ذلك من صنيع الإمام مسلم في كتابه الصحيح، أو فهمه من مقدمته لكتاب التمييز؛ حيث أوضح الإمام مسلم أن المخالفة من الراوي- وإن كان حافظاً- لغيره من الرواة الحفّاظ؛ تنفي الصحة عن الحديث - وإن لم يسمّه شذوذاً- فقال:"فيُعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً."(4)
(1) التلقين في اللغة: التفهيم، والمتلقن المتفهم، وهو يقبل على ما يُفهِّمه من غير منازعة، ولا توقف.
وفي العرف: إلقاء كلام إلى الغير ابتداء، أو يكون ذلك عند غياب شيء مما يحدث به عنه فيتوقف، يدعي من يلقنه أن ذلك الذي لقنه له هو الذي غاب عنه، والتلقين في الحديث: وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه.
فقبول كل ما يلقى من ذلك قادح في الراوي. ينظر: المراجع: العراقي، شرح التبصرة، 1/ 366، البقاعي، النكت، 1/ 583، 2/ 17، السيوطي، التدريب، 1/ 401.
(2)
ابن أبي حاتم، الجرح، 2/ 27.
(3)
ابن الصلاح، صيانة مسلم، 72.
(4)
ثم قال: "على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم". مسلم، التمييز، 172.وكتابه مليء بذكر أمثلة على مخالفة الراوي (ثقة أو صدوق أو ضعيف) لغيره من الحفاظ في سند الحديث ومثنه، ومن أمثلة ذلك: =
وقد نقل السيوطي تعقيب ابن حجر - لما ذكره ابن الصلاح، وتخريجه له- بقوله: "ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مسلم، فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحه فذاك،
…
قال: ثم ظهر لي مأخذ ابن الصلاح، وهو أنه يرى أن الشاذ والمنكر اسمان لمسمى واحد. وقد صرح مسلم بأن علامة المنكر أن يروي الراوي عن شيخ كثير الحديث والرواة شيئا ينفرد به عنهم، فيكون الشاذ كذلك فيشترط انتفاؤه." (1)
وكذلك لم ينص ابن خزيمة على اشتراط نفي الشذوذ في حدّ الصحيح، ولكن قد يدخل ذلك ضمناً في نفيه تجريح الراوي بشكل عام -كما سبق في قيد الضبط- وقد يدخل ضمناً
= - ما أخرجه في كتابه التمييز وعنون له بقوله "ومن الاخبار المنقولة على الوهم في الاسناد والمتن جميعا" وذكر تحته خطأ أيمن بن نابل في حديث التشهد، فقال: "حدثنا أبو بكر، ثنا أبو خالد، عن أيمن عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كان يقول بسم الله وبالله والتحيات لله)).
سمعت مسلما يقول: فقد اتفق الليث وعبدالرحمن بن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير عن طاووس.
وروى الليث، فقال: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وكل واحد من هذين -عند أهل الحديث- أثبت في الرواية من أيمن.
ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: بسم الله وبالله.
فلما بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث، بخلاف الليث وعبدالرحمن إياه دخل الوهم أيضا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه.
وقد روي التشهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوجه عدة صحاح. فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: بسم الله وبالله. ولا ما زاد في آخره من قوله: أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار.
والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم. المرجع السابق، 188 - 189 ح (58 - 59).
- من الأمثلة كذلك حديث الاستسعاء، حيث عنون له بقوله:"ومن الحديث الذي في متنه وهم" فقال:
حدثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من أعتق نصيباً له في عبد، ضمن لأصحابه في ماله، ثم ذكر الطرق الأخرى الصحيحة. ينظر: المرجع السابق، 190 - 191 ح (61 - 62).
(1)
السيوطي، التدريب، 68.
كذلك في شرط انتفاء العلة - كما سيأتي في قيد نفي العلة- بل إن صنيعه في صحيحه وتعليله لأحاديث بسبب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل يشهد لذلك. (1)
أما تلميذه ابن حبّان فله نقول كثيرة في كتابيه (الثقات) و (المجروحين) يُبيّن فيها أثر مخالفة الراوي للثقات في ردّ ذلك الحديث الذي وقعت فيه المخالفة (2)، وأثر كثرة مخالفة
(1) من أمثلة ذلك: في صحيح ابن خزيمة وتعليله لبعض الأحاديث بسب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل:
- ما أخرجه في صحيحه كتاب الصلاة، باب كراهة تسمية صلاة العشاء عتمة، فقال: " نا عمار ابن خالد الواسطي، نا محمد وهو ابن يزيد وهو الواسطي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وقت الظهر إلى العصر، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس 1/ 182 ح (354).
ومحمد بن يزيد الواسطي، قال عنه ابن حجر:"ثقة ثبت عابد"، إلا أنه روى لفظة عن شعبة مخالفة لما رواه أصحاب شعبة عنه. ينظر: ابن حجر، التقريب، 514 (6403).
- وأخرج كذلك في صحيحه كتاب الصلاة باب إجازة الصلاة في الثوب الذي يخالطه الحرير فقال: "نا عمر بن حفص الشيباني، حدثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله، عن عقبة بن عامر، عن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ((صلى في فروج من حرير، ثم لم يلبث أن نزعه)) وحدثنا به بندار، وأبو موسى قالا:(ثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله اليزني، - إتحاف المهرة (13886)(عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكرا عمر هذا هو الصحيح، وذكر عمر في هذا الخبر وهم، وإنما الصحيح عن عقبة بن عامر: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم. 1/ 379 ح (773 - 774).
- وأخرج أيضاً في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر الدليل على أن قيام شهر رمضان سنة النبي صلى الله عليه وسلم خلاف زعم الروافض الذين يزعمون أن قيام شهر رمضان بدعة لا سنة، فقال: "حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدثنا نوح بن قيس الخزاعي (صوابه: الحُدّاني كما في إتحاف المهرة (13516) وهو على الصواب في طبعة ماهر الفحل (2201)، وكذا في الطبعة الثانية عند العظمي (، حدثنا نصر بن علي، عن النضر بن شيبان، عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن قال: قلت لأبي سلمة: ألا تحدثنا حديثا سمعته من أبيك، سمعه أبوك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: بلى، أقبل رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن رمضان شهر افترض الله صيامه، .3/ 335 ح (2201).
والنضر بن شيبان الحدّاني ممن لا يُحتمل تفرّده، قال عنه ابن حجر:"لين الحديث". ينظر: ابن حجر، التقريب، 562 (7136). للاستزادة من الأمثلة ينظر: بلعمري، الحديث الشاذ عند المحدثين 35 - 39. عوّامة، مصطلح ابن خزيمة في إعلال الحديث،
(2)
من أمثلة ذلك: أنه قال - في كتابه الثقات- في ترجمة: معقل بن عبيدالله الجزري، =
الراوي للثقات في ترك الاحتجاج بخبره، ومتى يُحتمل تفرّد الراوي؟ ومتى لا يُحتمل منه ذلك؟ . (1)
أما الشذوذ عند الحاكم فهو في الغالب إذا أطلقه على الحديث أُريد به التفرّد الذي يُستغرب ويُستنكَر لغموضٍ في علته، وكان شذوذاً مردوداً، وإن قُرن وصف الشذوذ بالصحة أُريد
= "وكان يخطئ، لم يفحش خطؤه فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك منه البشر،
…
بل يحتج بخبر من يخطئ ما لم يفحش ذلك منه، فإذا فحش حتى غلب على صوابه ترك حينئذ.
ومتى ما علم الخطأ بعينه وأنه خالف فيه الثقات ترك ذلك الحديث بعينه واحتج بما سواه هذا حكم المحدثين الذين كانوا يخطؤن ولم يفحش ذلك منهم" ابن حبان، الثقات، 7/ 491 - 492 باختصار.
- وقال - في كتابه المجروحين-: "والذي عندي في سويد بن عبدالعزيز تنكب ما خالف الثقات من حديثه والاعتبار بما روى مما لم يخالف الأثبات والاحتجاج بما وافق الثقات وهو ممن أستخير الله عز وجل فيه لأنه يقرب من الثقات." 1/ 351.
وقال كذلك في ترجمة عبدالله بن عبدالله بن أويس بن أبي عامر الأصبحي: "كان ممن يخطئ كثيراً لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا هو ممن سلك سَنَن الثقات فيسلك مسلكهم.
والذي أرى في أمره تنكب ما خالف الثقات من أخباره والاحتجاج بما وافق الأثبات منها. وكان يحيى ابن معين يوثقه مرة ويضعفه أخرى." ابن حبان، المجروحين، 2/ 24.
(1)
من أمثلة ذلك: ما فصّله في ترجمة يحيى بن عبد الله بن الضحاك البَابلُتِّيُّ في كتابه المجروحين، حيث قال: "فهو عندي فيما انفرد به ساقط الاحتجاج وفيما لم يخالف الثقات معتبر به، وفيما وافق الثقات محتج به، ولا يَتوهمن مُتوهِّم أن ما لم يخالف الأثبات هو ما وافق الثقات؛ لأن ما لم يُخالف الأثبات هو ما رَوَى من الروايات التي لها أصول من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أتى بزيادة اسم في الإسناد أو إسقاط مثله مما هو محتمل في الإسناد.
وأما ما وافق الثقات فهو ما يروي عن شيخ سَمِع منه جماعة من الثقات، وأتى بالشيء على حسب ما أَتوْا به عن شيخه، وما انفرد من الروايات هو زيادة ألفاظ يرويها عن الثقات، أو إتيان أصل بطريق صحيح، فهذا غير مقبول منه، لما ذكرنا من سوء حفظه وكثرة خطئه، وأنه ليس بالمحل الذي تُقبل مفاريده، وإنما تقبل المفاريد إذا كان رواتها عدولٌ عاقلون، يعقلون ما يحدثون عالمون بما يحيلون من معاني الأخبار وألفاظها، فأما الثقة الصدوق إذا لم يكن يعلم ما يحيل من معاني الأخبار، وحدث من حفظه ثم انفرد بألفاظ عن الثقات لم يستحق قبولها منه؛ لأنه ليس يعقل ذلك، ولعله أحاله متوهما أنه جائز، فمن أجل ما ذكرنا لم تقبل الزيادة في الأخبار إلا عمن سمينا من العدول على الشرط الذي وضعنا." ملاحظة: علماً أنني اعتمدت في نقل هذا النص على طبعة دار الصميعي، وذلك لأن المعنى لم يستقم عندي وشككت بوجود سقط وتحريف في النصّ في طبعة حلب 3/ 127 - 128، وبالفعل وجدته كذلك، فاستدركته من الطبعة الأخرى. ينظر: ابن حبان، كتاب المجروحين من المحدثين، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، 2/ 479 - 480 (1220).
به المعنى اللغوي للشذوذ، وهو: التفرّد والانفراد، يدل على ذلك الأحاديث التي وصفها بالشذوذ في كتبه. (1)
أما بالنسبة لمخالفة الراوي لغيره من الثقات، فإنه وإن لم يُسمّه شذوذاً، فإنه قد صرّح بأن المخالفة من الراوي سبب لردّ حديثه، حيث قال في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الثامن عشر بيان معرفة الجرح والتعديل:
"وأصل عدالة المحدث أن يكون مسلماً لا يدعو إلى بدعة، ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته، فإن كان مع ذلك حافظا لحديثه، فهي أرفع درجات المحدثين، وإن كان صاحب كتاب فلا ينبغي أن يحدث إلا من أصوله، وأقل ما يلزمه أن يحسن قراءة كتابه على ما ذكرته في أول هذا الكتاب من علامات الصدق على الأصول، وإن كان المحدث غريباً لا يقدر على إخراج أصوله فلا يكتب عنه إلا ما يحفظه إذا لم يخالف الثقات في حديثه، فإن حدث من حفظه بالمناكير التي لا يتابع عليها لم يؤخذ عنه"(2)
(1) قال ابن حجر في النكت- مُعلّقاً على الحديث الثالث الذي ذكره الحاكم كمثال على الشذوذ-: "وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذاً، ولا مشاحة في التسمية"، وجمع الباحث بلعمري في كتابه (الحديث الشاذ)، ثلاثة عشر مثالاً للأحاديث التي أطلق عليه الحاكم وصف الشذوذ -من كتب الحاكم كالمستدرك والمعرفة والمدخل، وبعض الأمثلة نُقلت عنه- وخَلُص الباحث بعد دراسته للأمثلة إلى أن الحاكم حين أطلق وصف الشذوذ على بعض الأحاديث أراد بذلك غالباً: المعنى الاصطلاحي من إطلاق الشذوذ على التفرّد غير المحتمل من الراوي إما لضعف الراوي أو كونه ممن يُحتمل تفرّده لكنه يخالف فيما يرويه، بينما أطلق في بعض الأمثلة لفظ الشذوذ مقروناً بالصحة، وأراد به المعنى اللغوي للشذوذ أي: كونه حديثاً فرداً. ينظر المراجع: ابن حجر، النكت، 2/ 270 - 671، بلعمري، الحديث الشاذ، 190 - 205 باختصار. ينظر كذلك: اللحياني، الحديث الشاذ عند المحدثين، 16 - 17.
(2)
الحاكم، علوم الحديث، 53.
وقال السخاوي فيما يخص اشتراط نفي الشذوذ والعلة من حدّ الصحيح: "وهذان: الرابع والخامس من الشروط،
…
وهما سلبيان بمعنى اشتراط نفيهما، ولا يخدش في ذلك عدم ذكر الخطابي لهما; إذ لم يخالف أحد فيه." (1)
ويشير كلامه إلى أن عدم ذكر الخطابي لهما في تعريفه للصحيح لا يدل على عدم اشتراط نفيهما لصحة الحديث؛ بل إن تعليله أحاديث في كتابه معالم السنن للتفرّد غير المحتمل من الراوي أو مخالفته يدل على اعتباره لذلك (2).
أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد تابعه معظمهم في ذكر هذا القيد في حدّ الصحيح، ونصّوا عليه سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن في السند والمتن بشكل عام- وقد يدخل نفي الشذوذ في ذلك ضمناً- كابن الملقّن (3) في التذكرة، بينما نصّ على ذلك في كتابه المقنع.
نخلص مما سبق:
أن ابن الصلاح أشار إلى أن أبرز تعريفات الحديث الشاذ عند العلماء تدور حول معانٍ ثلاثة:
(1) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 30.
(2)
من ذلك: في سنن أبي داود كتاب البيوع، باب في الشفعة، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، أخبرنا عبدالملك، عن عطاء، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا)). 3/ 286 ح (3518). قال الخطابي في معالم السنن: "عبدالملك بن أبي سليمان: لين الحديث، وقد تكلم الناس في هذا الحديث. وقال الشافعي: نخاف أن لا يكون محفوظاً وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير ولا يعارض حديثهما بحديث عبدالملك.
وحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث وقال إن روى عبدالملك حديثا آخر مثل هذا تركت حديثه. وجعله بعضهم رأياً لعطاء أدرجه عبدالملك في الحديث، وقال أبو عيسى الترمذي: قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا، فقال: تفرد به عبدالملك، وروي عن جابر خلاف هذا." 3/ 155.
(3)
والجعبري في رسوم التحديث حيث اختصر ذلك بالسلامة من القادح في الحديث الصحيح بشكل عام، فقال معرفا للصحيح:"ما نقله العدل الضابط عن مثله من أوله إلى آخره، سالما من قادح". ينظر: الجعبري، الرسوم، 54.
1 -
مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
2 -
تفرد الثقة بما لا أصل له ولا متابع.
3 -
تفرد الشيخ (وهو ما دون مرتبة الثقة) بما لا متابع له.
وبالرغم مما قد يظهر من اختلاف في تعريف الأئمة للشذوذ والحديث الشاذ؛ إلا أنهم شبه مجمعين على أن مخالفة الراوي للثقات - وإن لم يُطلق عليها بعضهم وصف الشذوذ- فهي مؤثرة وقادحة في صحة الحديث؛ لذا فإن أغلب من سبق ابن الصلاح اشترط لثبوت الرواية: ضبط الراوي، وعدالته، وعدم وقوع الوهم منه، وعدم مخالفته للثقات، وغير ذلك من الشروط والصفات التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وإن لم ينصّوا على نفي الشذوذ بلفظه.
بينما غالب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تضمنت نفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وأشاروا إلى أن المراد بالشذوذ هنا هو المخالفة؛ حيث رجّح ابن القيم (1) تعريف الشافعي للشاذ فقال:"إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفرداً به- لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يُسمّى شاذاً، وإن اصْطُلِح على تسميته شاذاً بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغاً له."(2) يُشير بذلك: إلى أن إطلاق وصف الشذوذ على تفرّد بعض الثقات برواية
ما لا يُتابع عليه لا يؤثر على صحة الرواية، إنما يؤثر عليها فيما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئاً، فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عدداً، أو أكثر ملازمة منه. قال السخاوي: "والمحدثون
(1) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزّرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي، شمس الدّين أبو عبدالله، المجتهد المطلق، المفسّر النّحويّ الأصولي، المتكلم، الشهير بابن قيم الجوزية. ألّف تصانيف كثيرة منها:(إعلام الموقعين) و (زاد المعاد) و (مدارج السالكين) وغيرها. مات سنة 751. ينظر: ابن العماد، الشذرات، 8/ 287. الزركلي، الأعلام، 6/ 56.
(2)
ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، 1/ 522.
يسمونه شاذاً; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرَدُّ قول الجماعة بقول الواحد بعيد" (1)، فمخالفة الثقة لغيره من الثقات في الغالب تكون قرينة الغلط والوهم إلا إن دلت القرائن على قبولها (2)،
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 30.
(2)
حالات يقبل فيها العلماء رواية الثقة، وإن خالف من هو أوثق منه:(لكنها ليست مطّردة دائماً)
1 -
…
أن يكون الراوي من أثبت الناس في الشيخ المختلف عليه، فتُقبل روايته - في الجملة- وإن خالف أكثر منه عدداً أو وصفاً.
2 -
…
أن يكون المخالِف من الأئمة المشاهير.
3 -
…
أن يأتي راوٍ آخر-غير الثقة المخالِف، وغير الجماعة الذين خالفوه- فيروي الحديث على الوجهين.
4 -
…
أن يكون الشيخ المختلف عليه مُكثراً واسع الرواية، فيمكن أن يُحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة.
5 -
…
أن يكون لهذا المخالِف رواية أخرى يوافق فيها رواية الجماعة الذين خالفهم، فيدل على أنه عنده ما عندهم، بل عنده زيادة علم ليست عندهم.
6 -
…
أن يكون المخالِف من الصحابة، فإن زيادة الصحابة على غيره من الصحابة مقبولة باتفاق المحدثين.
7 -
…
أن يكون المخالِف صاحب كتاب، وحدّث من كتابه، ومن خالفه ليس كذلك.
8 -
…
إذا احتفّ حديث المخالِف بقرائن خارجية تدل على أن الحديث محفوظ، كأن يروي مع الحديث قصة.
9 -
…
إذا روى الجماعة عن مدلِّس بالعنعنة، ورواه عنه واحد فصرّح في رواية المدلس بالسماع من واسطة عن شيخه في رواية الجماعة أو الأوثق، قُبلت رواية الواحد.
10 -
…
إذا كان الإسناد يدور على راوٍ، وقد عُرف بأن هذا الراوي إذا شك في الحديث نقص منه، وروى عنه جماعة أو الأحفظ الحديث ناقصاً، ورواه واحد عنه تاماً، فقد يُحمل الحديث على الوجهين. ينظر: السليماني، الجواهر السليمانية، 304 - 306 باختصار. مع تأكيد المؤلف إلى أن: كون معظم هذه الحالات غير مطردة بل تخضع لنظر نقاد الحديث حسب القرائن المحتفة بالرواية،
وينظر كذلك: رد الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله بخصوص قرائن الترجيح -ضمن إجابته على سبب اختلاف مذاهب العلماء في زيادة الثقة - فقال: "وهكذا إذا وجدت زيادة ثقة ولم تجد للعلماء المتقدمين فيها كلامًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا ترجع إلى تعريف الإمام الشافعي في الشاذ، أن الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وتقارن بين الصفات وبين العدد، فربّ شخص يعدل خمسة، فلا تقارن بين العدد فقط.
مثل يحيى بن سعيد القطان، أو سفيان بن سعيد الثوري لو خالفه اثنان أو ثلاثة ممكن أن تجعل الحديث مرويًّا على الوجهين، وقد قال الدارقطني في "التتبع" بعد أن ذكر جماعةً خالفوا يحيى بن سعيد القطان يرويه عن عبيدالله عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وجماعة يروونه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة.
فيحيى بن سعيد تفرد بزيادة عن أبيه. ثم بعد أن ذكر الدارقطني الجمع الكثير الذين يخالفون يحيى ابن سعيد قال: ولعل الحديث روي على الوجهين، فقد هاب الدارقطني أن يقول: إن يحيى بن سعيد شاذ.
إذا تساوت الصفتان يحمل على أن الحديث روي على الوجهين وأنصح أن يرجع إلى ما ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه "علل الحديث للترمذي" و"توضيح الأفكار" للصنعاني وما كتبته في "الإلزامات والتتبع". الوادعي، المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح، 150 - 151.
بينما الحال في تفرّد الثقة على العكس ففي الغالب مقبول ما لم تدل قرينة على خطئه أو وهمه.
و"بعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة"(1) وإطلاق الشذوذ على الحديث الصحيح أو الجمع بين وصفيّ الصحة والشذوذ يُحمَل على المعنى اللغوي كما ذكر ابن القيم (2)، وهو الانفراد أو التفرّد.
ونقل الزركشي عمن سبقه ما يفيد بانقسام الشذوذ إلى محتجٍ به وغير محتجّ، فقال:
"كلام الشافعي محمول على حكم الشاذ الذي لا يحتج به، وهو الذي انفرد به ثقة عن غيره مخالف لما رواه الناس
…
ثم قال: "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف."(3)
وأشار السخاوي إلى موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ، فقال: "على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح،
فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه. ولا
(1) الدهلوي، أصول الحديث، 77
(2)
ابن القيم، المرجع السابق.
(3)
الزركشي، المرجع السابق، 2/ 139 - 140.