المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌قيد الشهرة في الطلب: - المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

[راوية بنت عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختياره:

- ‌مصطلحات البحث:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌حدود البحث:

- ‌مخطط البحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌تمهيد

- ‌نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:

- ‌الفصل الأول: الحديث الصحيح

- ‌المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ قيود الصحيح عند ابن الصلاح

- ‌القيد الأول: اتصال السند:

- ‌القيد الثاني: العدالة:

- ‌القيد الثالث: الضبط:

- ‌القيد الرابع: السلامة من الشذوذ

- ‌القيد الخامس: السلامة من العلّة

- ‌القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً

- ‌الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد نفي التدليس:

- ‌قيد الشهرة في الطلب:

- ‌قيد اشتراط العدد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثاني: الحديث الحسن

- ‌المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة

- ‌القيد الثاني: قيد الستر للراوي:

- ‌القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة

- ‌القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة

- ‌القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:

- ‌من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:

- ‌قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:

- ‌الفصل الثالث: الحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌أسباب ضعف الحديث:

- ‌السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال

- ‌السبب الخامس: الشذوذ المردود

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الرابع: الحديث الشاذ

- ‌المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الشاذ عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: المخالفة:

- ‌القيد الثاني: التفرد:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل الخامس: الحديث المنكر

- ‌المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود المنكر عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: التفرد:

- ‌القيد الثاني: المخالفة:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات

- ‌الفصل السادس: الأفراد

- ‌المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:

- ‌المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل السابع: زيادة الثقة

- ‌المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌ القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:

- ‌ القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:

- ‌ القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:

- ‌الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثامن: الحديث المعلل

- ‌المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة

- ‌القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل التاسع: الحديث المضطرب

- ‌المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:

- ‌القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:

- ‌القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:

- ‌مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:

- ‌مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:

- ‌حكم الحديث المضطرب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل العاشر: الحديث المدرج

- ‌المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المدرج:

- ‌القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه

- ‌القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب

- ‌المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الحديث المقلوب:

- ‌قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:

- ‌أقسام الحديث المقلوب:

- ‌أسباب القلب في الحديث سنداً أو متناً

- ‌سبب يخص وقوع القلب في المتن:

- ‌حكم الحديث المقلوب:

- ‌طرق معرفة الحديث المقلوب:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الفصل الثاني عشر: الموضوع

- ‌المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحاً:

- ‌المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:

- ‌قيود الموضوع عند ابن الصلاح:

- ‌ قيد الاختلاق والصُنْع

- ‌طرق معرفة الموضوع:

- ‌أسباب الوضع في الحديث:

- ‌حكم الموضوع، وروايته:

- ‌المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف

- ‌الخاتمة

- ‌النتائج العامة لهذا البحث:

- ‌النتائج التفصيلية:

- ‌توصيات البحث:

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌قيد الشهرة في الطلب:

قوله: "وإنما اختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع؛ لكونها على شرطه دون تلك."(1)

نخلص مما سبق:

أن زيادة قيد نفي التدليس في حدّ الصحيح زيادة من باب التأكيد على اتصال السند، وعدم انقطاعه، سواءً كان الانقطاع جليّاً فيخرج باشتراط اتصال السند، أو كان خفيّاً فيخرج باشتراط نفي العلّة، فقد تضمّن كل من: شرطيّ اتصال السند ونفي العلة - للحديث الصحيح- هذا القيد؛ لذا لم ينشط لذكره كل من جاء بعد ابن الصلاح سوى الذهبي رحمهم الله جميعاً.

‌قيد الشهرة في الطلب:

من القيود التي زيدت في شرط الصحيح، قال الحافظ ابن حجر: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب،

" (2)

ومعنى الشهرة في اللغة: الوضوح والبيان والانتشار والذيوع. (3)

وفي الاصطلاح: شهرة الراوي تعني خروجه عن حد الجهالة. (4)

(1) السيوطي، التدريب، 1/ 264.

(2)

ابن حجر، النكت، 1/ 238.

(3)

ينظر: الرازي، مختار الصحاح، 170، ابن منظور، اللسان، 4/ 432. الفيروزآبادي، القاموس، 421، المعجم الوسيط، 1/ 498.

(4)

قال البقاعي في النكت: "والمشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تصيره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين، ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم:(وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية) وإلا فهو مجهول الحال،

". قال ابن حجر: "والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح معين."

وقال الخطيب البغدادي في الكفاية: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد".

وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور. وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعداً ولم يُوثّق.

وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعداً عنه، قال الخطيب البغدادي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك

إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه".ا. هـ. أي أنه يصبح من طبقة "مجهول الحال" وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة، أو "المستور" وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم". ينظر: المراجع: البقاعي، النكت الوفية، 1/ 626، ابن حجر، النزهة، 107، 126، الخطيب البغدادي، الكفاية، 88 - 89، ابن الصلاح، علوم الحديث، 111 - 112، عتر، منهج النقد، 90.

ص: 110

والشهرة بشكل عام شيوع أمر الراوي وانتشاره بين نقاد الحديث، فإن كان هذا الشيوع ثناءً ومدحاً كان إثباتاً لعدالته، وإن كان ذماً وقدحاً كان نفياً لها. (1)

قال ابن الصلاح: "فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا."(2)

والمراد بالشهرة بالطلب -في هذا القيد-: أن يكون للراوي "مزيد اعتناء بالرواية؛ لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى"(3)، أي شهرة بالطلب مقيّدة بالضبط والإتقان،

(1) من الرواة من اُشتهِر بالعدالة والحفظ بل وبالإمامة فيهما، وشاع أمره بين نقاد الحديث، كمالك وأحمد بن حنبل وغيرهم، ومنهم على النقيض من ذلك من شاع أمره بالكذب والوضع في الحديث كنوح ابن أبي مريم، وأبان بن جعفر النجيرمي، وأحمد بن الصلت الحماني، وغيرهم.

(2)

ثم قال: "وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي رضي الله عنه، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك، وشعبة، والسفيانين، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين". ابن الصلاح، علوم الحديث، 105، يُنظر أيضاً: النووي، التقريب، 48، السيوطي، التدريب، 1/ 353.

نكتة في الفرق بين التزكية والتعديل: حمام، جهالة الرواة، 1/ 404.

(3)

السيوطي، تدريب، 1/ 68.

ص: 111

تجمع بين عدالة الراوي وضبطه وإتقانه والشهرة فيهما، وهي شهرة تزيد على ما ذهب إليه ابن عبدالبر (1) في تعديله للرواة ممن عُرف بحمل العلم ومجالسة العلماء، ولم يُجرّح (2)، فمن اشترط في رواة الصحيح شهرتهم بالطلب إنما قيّدها بالضبط

والإتقان، بينما من عدّلهم ابن عبدالبر لشهرتهم بالطلب، تُوقِّف في أمر ضبطهم إلى أن يتبيّن حالهم بعد اختبار مروياتهم.

ويشير إلى قيد الإتقان مع الشهرة الخطيب البغدادي حين ذكر تفاوت الرواة في العلم، وحثّه طالب الحديث أن يتخيّر من شيوخه من اتصف بالشهرة في طلب الحديث المُشار إليه بالإتقان، فقال: "درجات الرواة لا تتساوى في العلم، فيقدم السماع ممن علا إسناده على ما ذكرنا، فإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو، وأراد الطالب أن يقتصر على السماع من بعضهم، فينبغي أن يتخيّر المشهور منهم بطلب الحديث، المشار إليه

(1) يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر النمري القرطبي، أبو عمر. من كبار حفاظ الحديث، ومؤرخ وفقيه، وأديب. من مصنفاته:(التمهيد شرح الموطأ) و (الاستذكار) و (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) وغيرها. مات سنة 463 هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، 431. الزركلي، الأعلام، 8/ 240. كحالة، المؤلفين، 4/ 170 (18455).

(2)

قال ابن عبدالبر: "كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الشهادات، باب: الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث 10/ 353 ح (20911) ". قال السخاوي: "ونحوه قول ابن الموَّاق من المتأخرين: أهل العلم محمولون على العدالة، حتى يظهر منهم خلاف ذلك. وقال ابن الجزري: إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب وإن رده بعضهم، وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضي، بل ربما يتعين.

ونحوه قول ابن سيد الناس: لست أراه إلا مرضيا، وكذا قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور ; فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح".

أضاف فضيلة المناقش استدراكاً: "لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة".

المراجع: ابن عبدالبر، التمهيد، 1/ 28، البيهقي، السنن الكبرى، 10/ 353، السخاوي، فتح المغيث، 2/ 20.

ص: 112

بالإتقان له والمعرفة به" (1). فأشار إلى أن العلو في مراتب الشيوخ وطلبة العلم يجمع بين الشهرة بالطلب والإتقان والمعرفة.

وكذلك حين ذكر الحاكم أقسام الحديث الصحيح، فإنه وصف رواة القسم الأول - المخرّج في الصحيحين- فيما هم دون الصحابي بالشهرة بالثقة والإتقان، بينما اكتفى في الصحابي بالشهرة بالرواية، فقال:

"القسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور (2) بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح" (3)

هذه الشهرة التي ذكرها الحاكم، فسّرها ابن حجر مُعلِّقاً وموضحاً فقال:

" زاد الحاكم في علوم الحديث (4) في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة. واستدل الحاكم

(1) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، 1/ 126.

(2)

جاء في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث "أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وسبق تفصيل مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي- في حاشية تعريفه في بداية هذا الفصل. " وبيان أن المراد بنفي الجهالة هنا هي المتعلّقة بشهرة الرواة لا بعدالتهم.

وقد توسع الدكتور عبدالجواد حمام في عرض هذه المسألة في كتابه جهالة الرواة، وأرجع ما يقع من بعض الأئمة في وصف بعض الصحابة بالجهالة إلى ثلاث حالات هي:

1 -

من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). 2 - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.

3 -

جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصاً بالجهالة وهو قلّة الرواية. ينظر: حمام، جهالة الرواة، 2/ 911 - 937، 2/ 1137.

(3)

الحاكم، المدخل إلى الإكليل، 33.

(4)

ملاحظة: لفظ الشهرة لم يأت في كتاب "معرفة علوم الحديث" - كما في المطبوع- إنما جاء في كتاب "المدخل إلى الإكليل" في الدرجة العليا من الصحيح فقط.

ص: 113

على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده (1) عن عبدالله بن عون (2) قال: (لا يؤخذ العلم إلا ممن شُهِد له عندنا بالطلب)(3). والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك.

إلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك - والله أعلم" (4).

وكلام ابن حجر يدل على أن الشيخين اعتبرا هذا الشرط - وهو: الشهرة بالطلب مع الثقة والإتقان- في روايات دون أخرى، فحيث كثرت طرق الحديث الموافقة لرواية الراوي دل على ضبطه وعنايته بالراوية، فيكون في غنىً عن هذا الشرط (5).

(1) اطّلعت على طبعتين لتحقيق كتاب النكت للحافظ ابن حجر، وقد أشار كلا المحققين إلى أنهما لم يجدا هذا النص في طبعات كتاب علوم الحديث للحاكم. ينظر: ابن حجر، النكت، ط (الجامعة الإسلامية)، تحقيق: ربيع المدخلي، 1/ 238، وط (الميمان) بتحقيق: ماهر الفحل، 88.

(2)

أبو عون عبدالله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم البصري، الإمام الحافظ، شيخ أهل البصرة، قال الذهبي في التذكرة: لابن عون جلالة عجيبة ووقع في النفوس؛ لأنه كان إماما في العلم رأسا في التأله -أي: التعبد- والعبادة حافظا لأنفاسه. كبير الشأن. وقال ابن حجر: ثقة ثبت فاضل. مات سنة 151 هـ. ينظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، 1/ 118، ابن حجر، التقريب، 317.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. قال أبو زرعة: فسمعت أبا مسهر يقول: "إلا جليس العالم فإن ذلك طلبه". قال الخطيب: أراد أبو مسهر بهذا القول أن من عرفت مجالسته للعلماء وأخذه عنهم، أغنى ظهور ذلك من أمره أن يسأل عن حاله ، والله أعلم. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 2/ 28، الخطيب البغدادي، الكفاية، 87.

(4)

ابن حجر، النكت، 1/ 238 - 239.

(5)

وليس كل رواة الصحيحين قد اشتهروا بالطلب، بل تتفاوت درجاتهم في الضبط والإتقان. يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان، مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم

".

ونقل الترمذي في كتابه العلل الكبير قول البخاري: "كل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه، لا أروي عنه ولا أكتب حديثه". ومعنى كلامه: أنه يروي عن الرجل الذي في حديثه الصحيح والسقيم، لكنه ينتقي منه الصحيح ويَدَع السقيم، هذا حال الإمام مسلم كذلك. المراجع: ينظر: الترمذي، العلل، 394، ابن حجر، هدي الساري، 384، عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، 66 - 67.

وقد سرد ابن حجر في هذه مقدمة فتح الباري أسماء من طُعن فيه من رواة الصحيح، وأجاب عن ذلك، وميّز من أخرج له البخاري في الأصول ممن أخرج له في المتابعات، ومن أمثلة من أخرج لهم في المتابعات:

"أحمد بن بشير الكوفي أبو بكر مولى عمرو بن حريث المخزومي، قال النسائي: ليس بذلك القوي، وقال عثمان الدارمي متروك وقواه بن معين وأبو زرعة وغيرهما أخرج له البخاري حديثا واحدا تابعه عليه مروان بن معاوية وأبو أسامة وهو في كتاب الطب، فأما تضعيف النسائي له فمشعر بأنه غير حافظ

" 384 - 385.

- أحمد بن عاصم البلخي معروف بالزهد والعبادة له ترجمة في حلية الأولياء وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال روى عنه أهل بلده وقال أبو حاتم الرازي مجهول قلت روى عنه البخاري حديثا واحدا في كتاب الرقاق" 386.

- أحمد بن يزيد بن إبراهيم الحراني أبو الحسن المعروف بالورتنيس قال أبو حاتم ضعيف الحديث أدركته ولم أكتب عنه قلت روى له البخاري حديثا واحدا في علامات النبوة متابعة" 387،

وغيرهم. ينظر: ابن حجر، هدي الساري، 384 - 456.

ص: 114

إذ كثرة الطرق الموافقة لرواية الراوي تدل على ضبطه تلك الرواية، وقد أوضح السيوطي- نقلاً عن شيخه ابن حجر- سبب اشتراط الشهرة بالطلب في الراوي (1)، وهو التأكد من ضبط الراوي لما رواه، فقال: "يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام.

قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال: اشتراط الضبط يغني عن ذلك، إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى." (2)

فإذا كان الراوي موصوفاً بجودة حفظه وضبطه، فهذا دليل عنايته بالرواية، وشهرته في طلبها، وإنّ اتصاف راوي الصحيح بالضبط أو بتمامه يُغني عن وصفه بالشهرة في الطلب.

وبتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتاب "معرفة علوم الحديث"، فإنه عرّف الصحيح بوجه عام، ولم يقيّد ذلك بما أخرجه الشيخان، واقتصر في تعريفه على اشتراط زوال وصف الجهالة من الصحابي راوي الحديث؛ وذلك بأن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول-أي: وفق شروطهم للصحيح أو المقبول بوجه عام- ولم يَرِد التنصيص بذكر نوع الشهرة - والتي هي قدر زائد عن مطلق الشهرة المخرجة عن الجهالة- في هذا التعريف، فقد اقتصر بقوله "صحابي زائل عنه اسم الجهالة" واكتفى

(1) ذكر ابن حجر في كتابه النكت أن من ضمن الشروط - التي تعارف عليها المحدثون- لإطلاق لقب الحافظ على الراوي، شهرته بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. ينظر: ابن حجر، النكت، 1/ 268.

(2)

السيوطي، التدريب، 1/ 68.

ص: 115

بوصف الرواة عنه بالعدالة؛ بينما ابن حجر فسّرها بقوله: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة"(1)، ولعله فهم ذلك من مجموع كلام الحاكم في كتبه؛ لأن وصف الشهرة بالإتقان لم يأت في كتاب المعرفة (2)؛ إنما ذكره الحاكم في كتابه "المدخل

إلى الإكليل" - وهو سابق في التأليف عن المعرفة (3) - حيث قسّم الصحيح إلى أقسام، وجعله على درجات أوّلها وأعلاها ما أخرجه الشيخان، وقد ذكر من أوصافهم الشهرة بالرواية فيما يخص الصحابي، والشهرة بالإتقان والثقة لمن هم دونه، بينما لم يأت ذكر الشهرة في الأقسام الأربعة التي تليها من المتفق على صحته، ولعل وصف الشهرة إنما كان للتأكيد على إتقان وتمام ضبط رواة الصحيحين مقارنة بغيرهم، والله أعلم.

وبتأمل ما سبق نستنتج أن للشهرة درجات:

فقد عقد الخطيب باباً -في كتابه الكفاية - في أن المحدث المشهور بالإمامة والعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المُعِّدل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك وأحمد بن حنبل وغيرهم فهؤلاء كما قال:"لا يُسأَل عن عدالتهم، وإنما يُسأَل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين"(4)، وهذه منزلة عالية من الشهرة في ميزان نقّاد الحديث، وتليها منازل أخرى كالشهرة بالطلب، والشهرة

(1) ابن حجر، النكت، 1/ 238 - 239.

(2)

لفظ الشهرة لم يأت في كتاب "معرفة علوم الحديث" - كما في المطبوع- إنما جاء في كتاب "المدخل إلى الإكليل" في الدرجة العليا من الصحيح فقط.

(3)

أشار إلى ذلك محقق طبعة دار ابن حزم، ويُضاف إلى ذلك أن الحاكم أحال في أكثر من موضع في كتابه معرفة علوم الحديث على ما ذكره في كتاب الإكليل. ينظر: أحمد بن فارس السلوم، مقدمة تحقيقه لكتاب المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، 7، 32.

(4)

الخطيب البغدادي، الكفاية، 87.

ص: 116

بالصدق، وهناك من يوصف بمطلق الشهرة دون تقييد لنوع هذه الشهرة حيث "يطلق بعض النقاد على الراوي وصف (مشهور) (1)، وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنفع في تقوية أمره بقدرٍ ما، إذا سَلِم الراوي من قادح"(2).

فوصف الراوي بأنه (مشهور): تقتضي عدم جهالة عينه، ولعل هذا الوصف هو مراد ابن حجر من قوله "مطلق الشهرة".

و"ينبغي أن يُفرَّق بينها وبين كلمة أخرى هي: مشهور الحديث، فشهرة الحديث غير شهرة الرجل، فقد يكون حديثه مشهورا بين الرواة - أو الناس -من غير طريقه، أما هو فمجهول، ولا يضره أن يكون حديثه غير مشهور إذا كان هو مشهوراً بين علماء الحديث"(3).

ويُفهم من ذلك أن وصف الشهرة مُجرّداً ينفي عن الراوي جهالة العين، فإن قُيّد هذا الوصف بالعدالة أو الصدق أو الطلب أفاد عدالة الراوي - بدرجات مختلفة حسب مرتبة

(1) أي بمفردها مجرّدة عن التعديل أو التجريح.

(2)

الجديع، التحرير، 1/ 250. يُنظر أيضاً: الحمش، الإمام الترمذي ومنهجه في كتابه الجامع دراسة نقدية تطبيقية 2/ 765. من أمثلة ذلك: من كتاب بيان الوهم والإيهام للقطان:

فقد نقل ابن القطان قول ابن معين في أحد الرواة فقال: "حرب بن عبيد الله بن عمير، سئل عنه ابن معين، فقال: مشهور." ثم عقّب على ذلك بقوله: "وهذا غير كاف في تثبيت روايته، فكم من مشهور لا تقبل روايته".3/ 494.

- وقال عن أخر: "عبدالرحمن بن أبي شميلة وهو أيضا لا تعرف حاله.

وإن كان قال فيه ابن معين وأبو حاتم: مشهور، فإنما يعنيان برواية حماد ابن زيد عنه، وكم من مشهور لا تقبل روايته." 3/ 605 - 606. المرجع: ابن القطان، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام.

(3)

قاله محمد عوامة في دراساته على الكاشف، ثم استدل على ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة حفص بن حسان حيث قال: أن النسائي قال فيه: (مشهور الحديث)، وهي عبارة لا تشعر بشهرة حال هذا الرجل، لا سيما ولم يرو عنه إلا جعفر بن سليمان، ففيه جهالة ". ثم عقّب الدكتور محمد عوامة بقوله:"فأفادنا هذا القول التفرقة بين هاتين الكلمتين، وأن (مشهور) فقط تدل على رفع جهالة عين الرجل. والله أعلم".

وجاء أيضاً في التقريب قول ابن حجر: "عمرو ابن حَريش الزُبيدي، له حديث مشهور، وهو مجهول الحال". ينظر: المراجع: ابن حجر، تهذيب التهذيب، 1/ 450، ابن حجر، التقريب، 420 (5010). محمد عوامة، دراسات الكاشف للإمام الذهبي، 1/ 75.

ص: 117

الوصف عند علماء الجرح والتعديل-؛ لأن من الرواة من يشتهر بين نقاد الحديث بالكذب أو التهمة به، فوصف الراوي مجرداً بكونه مشهوراً أو معروفاً خروج له عن حيّز الجهالة إلى معرفة عينه، أمّا المعرفة بحاله فتختلف من راوٍ لآخر، حسب الحال التي اُشتهر أو عُرف بها، "فإن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه

جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم:"وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية" وإلا فهو مجهول الحال." (1)

نخلص مما سبق:

أن الشهرة بشكل عام خروج الراوي عن حدّ الجهالة، سواء باشتهار شخصه فيخرج عن جهالة العين، أو باشتهار حاله فيخرج عن جهالة الحال.

والشهرة درجات:

أعلاها: شهرة الراوي بالإمامة والحفظ شهرة تغنيه عن تزكية المعدِّلين (2).

ثم تليها شهرة بطلب الحديث وإتقانه والعناية به والتي تدل على عدالته وتمام ضبطه، ثم شهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان (3)، ثم شهرة بحمل العلم والعناية به -وهو مذهب ابن عبدالبر والذي عدّه تعديلاً للراوي (4) - ويليها مُطلق الشهرة دون قيد أو وصف، وهي التي ترفع عن الراوي جهالة عينه ولا تدل على تعديله.

(1) البقاعي، النكت، 1/ 626.

(2)

إذ الشهرة والاستفاضة أحد طرق إثبات العدالة.

(3)

سيأتي بيانها في مبحث الشهرة بالصدق ضمن قيود الحديث الحسن.

(4)

"قد انتقده ابن الصلاح فقال: "وفيما قاله اتساع غير مرضي"، وكأن ابن الصلاح لحظ في ذلك إلى الشبه بالمستور. لكن صوَّب هذا القول المحققون من أهل الحديث كالجزري، والمزي، والذهبي، والسخاوي، وصوروه بما لا يشابه مجهول الحال".

فهو أرفع حالاً من المستور ومجهول الحال، فحاله في العلم والعناية به معروفة. قال الذهبي:"ولا يدخل في ذلك المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا ولا اتفق لهم على علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ وأنه يكون مقبول الحديث، إلى أن يلوح فيه جرح" ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 2/ 20، عتر، منهج النقد، 103. أضاف فضيلة المناقش استدراكاً:"لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة".

ص: 118

وما ذكره الحاكم في الصحيح من كون رواته مشهورين بالطلب يغني عنه -كما ذكر ابن حجر- اشتراط تمام الضبط في الراوي؛ لأن ضبطه دليل عنايته بالرواية مُضافاً إليه تأكيده انتفاء الجهالة من رواة الصحيح، وخروجهم عن حدّ الجهالة بنوعيها حيث قال:

"فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة، فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته؛ لما مع المثبت من زيادة العلم ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحداً ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا."(1)

وتجدر الإشارة إلى أن وصف الحاكم لرواة الصحيح بالشهرة بالرواية أو بالطلب-المقيّدة بالثقة والإتقان (2) - إنما كان خاصاً بما أخرجه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما، إذ عدّه القسم الأول من الصحيح المتفق على صحته، وجعله في الدرجة الأولى منه، ولم يشترط ذلك في الأقسام الأخرى من الصحيح المتفق عليه والذي أخرجه غيرهما، وبذلك يكون ما نُسِب إليه من اشتراط الشهرة بالطلب كشرط للصحيح مقيّداً بما أخرجه الشيخان

(1) ابن حجر، هدي الساري، 384. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 2/ 55 - 56.

(2)

ملاحظة: إنما وصف الصحابي بالشهرة بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد على الشهرة وصف الثقة والإتقان فيمن هو دون الصحابي؛ ولعل ذلك إشارة منه رحمه الله لعدالة الصحابة وعدم الحاجة إلى البحث عن عدالتهم، والله أعلم.

ص: 119