الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نخلص مما سبق:
أن التداخل بين مصطلح الفرد والغريب تداخل كبير، وقد تعددت مذاهب العلماء في بيان العلاقة بينهما، ما بين علاقة عموم أحدهما وخصوص الآخر، وما بين علاقة الترادف واعتبارهما نوعاً واحداً، والإشارة إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة استعمال أحدهما أو كثرتها في موطن دون آخر.
قال الدكتور نور الدين عتر: "ومن هذا يظهر تقارب هذين النوعين: الغريب والفرد من بعضها، حتى اختلف فيهما المحدثون هل هما نوع واحد أو نوعان مفترقان. والأولى جعلهما نوعين لما عرفت من عدم دخول بعض الأفراد في الحديث الغريب، مثل أفراد البلدان وأفراد القبائل."(1)
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف
.
- يُفهم من تعريف ابن الصلاح أن الأفراد أو التفرّد حالة من الحالات التي تعرض للحديث (2)، وأنها على قسمين تفرد مطلق، أو تفرّد نسبي.
(1) عتر، منهج النقد، 401.
(2)
الحديث الفرد فيه شيء من التعميم، فهو من حيث التعريف شامل لكل ما يتفرد به الراوي،
…
ومصطلح الفرد يمكن أن يتداخل مع المصطلحات الأخرى، فالفرد حالة عامة، يمكن أن يكون فرداً خالف فيه الثقة الثقات فيدخل في نوع الشاذ،
…
ويمكن أن يكون فرداً خالف فيه الضعيف من هو أرجح منه، ويمكن أن يكون فرداً زاد فيه راويه الثقة شيئاً على غيره من الرواة فيكون من قيبل زيادة الثقة، وهكذا.
فالحديث الفرد إنما يدل على وقوع حالة تفرد مجردة، بغض النظر عن أي اعتبار آخر، أما الأنواع الأخرى ففيها دلالة واضحة على التفرد مع معنى زائد عليه، كالمخالفة، أو الزيادة، أو الرد، ونحو ذلك .. ". ينظر: حمام، المرجع السابق، 219 - 220 باختصار.
وقد علّق الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ألفية السيوطي بقوله: "هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرّد الراوي بما روى - يقصد: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمتروك- وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب
…
" ينظر: السيوطي، الألفية، 23.
حيث "لم يتصدّ كثيرٌ من المحدثين الذين دونوا في علوم الحديث لتعريف (الحديث الفرد) بصورته العامة، بل كانوا يبوبون له في مصنفاتهم، ثم يَلِجون مباشرة في تقسيمه، والكلام على نوعيه المطلق والنسبي، والتمثيل له، والحكم عليه، كما فعل الحاكم، وابن الصلاح، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم
…
وقد عرّف بعضهم -وإن كان قليلاً- (الحديث الفرد) منهم الميانشي
…
" (1)
- ونجد أغلب من ذكر نوع الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث ضمّنها أقساماً تدور حول الإطلاق والنسبية، وإن لم يصرّح البعض بذلك، ولعل أبرز ما تطرّقوا إليه هو بيان العلاقة بين الأفراد والغريب، حيث يتميز مصطلح الأفراد بتداخله مع مصطلح الغريب، وقد تعددت مذاهب أهل الاصطلاح بين اعتبارهما نوعاً واحداً أو التفريق بينهما:
- فهناك من ذكرهما كنوعين متتاليين وذكر لكل منهما أقسامه التي لا تخلو من التداخل بينها وبين أقسام النوع الآخر كصنيع الحاكم.
- وهناك من فرّق بينهما بذكر تعريف مستقل لكل نوع كالميانشي، وابن الملقن، ويُشبه ما ذهب إليه ابن الملقن ما نُقل عن مذهب ابن منده في التفريق بين الغريب والفرد.
- وهناك من ذكرهما كنوعين فيهما تداخل كبير بين أقسامهما وأشار إلى موطن الافتراق كابن الصلاح، وكثير ممن تبعه في تلخيص كتابه دون تعقيب.
(1) ينظر: حمام، المرجع السابق، 217 باختصار.
- وهناك من اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر كالخليلي حين ذكر أنواع الأفراد، وابن دقيق العيد الذي اقتصر على ذكر الغريب بعد نوعيّ الشاذ والمنكر، ولم يُذكر الأفراد وتبعه الذهبي.
- وهناك من جعلهما نوعاً واحداً وصرّح بذلك كالمقدسي، وابن حجر، ومن وافقه من تلاميذه كالسخاوي.
إن العلاقة بين الفرد والغريب علاقة عموم وخصوص مطلق، فالفرد نوع عام، يشمل كل ما وقع فيه التفرّد، بغض النظر عن قبول هذا التفرد أو رده، وعن درجة الراوي المتفرد وحاله، وبغض النظر هل يستغرب الحفاظ هذا التفرّد، ويتحفّظون عليه، أم أنه سائغ مقبول لديهم لا غبار عليه، وبغض النظر هل كانت فيه مخالفة أم لا، كل هذا داخل في حقيقة الحديث الفرد.
أما الغريب؛ فلا يُسمّى به إلا ما كان تفردا مستغرباً، أو استقلالاً بالرواية تثير عند الحفاظ شيئاً من الاستغراب
…
إذاً: الحديث الفرد أعم من الحديث الغريب، فبينهما عموم وخصوص مطلق، وكل غريب يسمّى فرداً، وليس كل فرد يسمى غريباً، هذا من حيث الماهية والجوهر، فماهية الفرد أعم وأشمل من ماهية الغريب، وليست هي ذاتها، (1) والله أعلم.
إلى هنا انتهى تحرير مصطلح الأفراد، ولأن زيادة الثقة صورة من صور التفرّد؛ رأيت من المناسب أن يتبعها في ترتيب فصول البحث، فإلى الفصل السابع، وتحرير مصطلح زيادة الثقة.
(1) حمام، التفرد، 312 - 313. باختصار.