الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القيد الثاني: قيد الستر للراوي:
المستور:
لغة: اسم مفعول من (ستر)، أي أخفى وغطّى.
ورجل (مستور) و (ستير) أي: عفيف. (1)
وقيل: " (المستور) العفيف، ومن لا يُدرَى حاله"(2).
وفي الاصطلاح (3):
المستور عند ابن الصلاح: هو "الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر"(4)
وعند ابن حجر المستور هو مجهول الحال، وهو:"من روى عنه اثنان فصاعداً، ولم يُوثق"(5)، وهذا التعريف موافق لتعريف المستور عند ابن القطان، إلا أن المستور عنده
(1) يُنظر: مادة (س ت ر) الرازي، المختار، 142. ابن منظور، اللسان، 4/ 343 - 344.
(2)
المعجم الوسيط، 1/ 416.
(3)
تتبّع الدكتور عبدالجواد حمام - في رسالته (جهالة الرواة - استعمال أئمة الحديث ونقادهم لوصف (مستور)، تتبّعاً تاريخياً، وتوصّل إلى ما يلي:
- مصطلح (مستور) مستعمل عند متقدّمي المحدثين والنقاد؛ كالإمام أحمد، ومسلم، والبزار، وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين، وغيرهم، كما أكثر منه الحفاظ المتأخرون خاصة في كتب التراجم.
- جُلّ المواضع التي اُستعمل فيها هذا الوصف -عند المتقدمين- جاء في سياق التعديل والمدح، لكنه في الغالب وصف لمن لم يشتهر بالحديث والرواية، بأن كان متوسطاً في الضبط أو كان مُقلّاً.
- مما يؤكد إرادة كثير منهم بوصف المستور أنه التعديل، إردافهم إياه بوصف صريح في التوثيق أو العدالة كقولهم:(مستور ثقة)، (مستور صالح).
- لم يجد الباحث فيما استقرأه ربطهم وصف الراوي بالستر بتعدد الرواة عنه.
- وجد الباحث في حالات قليلة وصف (مستور) على من لم يُعلم حاله، ولم تُعرف عدالته كما في استعمال البزار، أو من كان خفي الحال كما في بعض استعمالات أبي حاتم. ينظر: حمام، جهالة الرواة، 1/ 126 - 127 بتصرف.
(4)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 111. والعدالة الظاهرة: ما يُعلم من ظاهر حاله، أو هي العلم بعدم الفسق، وأما الباطنة: فهي التي يُرجع فيها إلى أقوال المزكِّين، أوهي العلم بما في نفس الأمر. "وليست العدالة الباطنة هي العدالة التي لا يعلمها إلا الله تعالى! إنما المراد بها حال الرجل الخاصة في بيته ومعاملته وسفره، وأما الظاهرة: فهي حاله الظاهرة، بأن تُرى عليه علائم التديُّن والاستقامة، دون أن يُعرف شيء عن حاله الخاصة." المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، 3/ 378، القاري، شرح نخبة الفكر، 518، عوامة، دراسات الكاشف، 1/ 91.
(5)
ابن حجر، النزهة، 126.
غير مجهول الحال، فمجهول الحال عند ابن القطان من لم يروِ عنه غير راوٍ واحد، وهو ما يسميه ابن حجر مجهول العين. (1)
قال الزركشي: " المستور وهو غير المشتهر"(2)، وقد أشار الذهبي إلى أن من صفات المستور عدم اشتهاره بين نقاد الحديث بالعناية بعلم الحديث. (3)
وما سبق من تعريفات المستور تدور حول جهالة حاله أو جهالة عدالته الباطنة، إلا أن ابن الوزير (4) حين عرّف المستور قال:
" المستور في عرف المحدثين من قصر عن المتواترة عدالتهم أو المشهور شهرة تقرب من التواتر، أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم"(5)، ونجده قد
(1) يُنظر: ابن القطان، بيان الوهم، 4/ 20. ابن حجر، المرجع السابق، 125.
(2)
الزركشي، النكت، 1/ 314.
(3)
نقل السخاوي ذلك عنه في معرض الحديث عن العدل عند ابن عبدالبر، وتصويب الذهبي لمذهبه في تعديل من عُرف بالعناية بحمل العلم، حيث قال السخاوي:"وكذا قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور; فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح." السخاوي، فتح المغيث، 2/ 16.
(4)
محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني الصنعاني، أبو عبد الله، عز الدين. مجتهد، متكلم، باحث، ناظم. له كتب نفيسة، منها:(تنقيح الأنظار في علوم الآثار) و (الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم)، وغيرها. مات سنة 840 هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، 5/ 300. كحالة، المؤلفين، 3/ 35 (11503).
(5)
ذكر ذلك بعد قوله: "فأما المستور فهو المظنون العدالة، ولو لم يكن كذلك، لم يتميز من المجهول لكنه غير مخبور بخبر يوجب سكون النفس الذي يسميه كثير من المحدثين علماً". ابن الوزير، تنقيح الأنظار، 73.
نسب هذا التعريف لعرف المحدثين (1)، ولعله استقى ذلك من وصف الإمام مسلم لطبقة من الرواة وصفهم بالستر- وذلك في مقدمة صحيحه- فقال:
"فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس (2)، أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطي العلم يشملهم كعطاء ابن السائب (3)، ويزيد بن أبي زياد (4)، وليث بن أبي سُليم (5)، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من
العلم، والستر عند أهل العلم معروفين،
(1) اعترض الصنعاني على هذا التعريف واستشكله، فقال:"فعلى كلامه لا بد أن تكون عدالته أمراً بين الأمرين، وهذا غير كلام ابن الصلاح ومن تبعه ومن تقدمه في تفسير المستور، وتقدم أن الحافظ ابن حجر قال: "إن المستور من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق". فلا أدري من أين جاء هذا التفسير الذي أتى به المصنف للمستور، وزعم أنه اصطلاح المحدثين؟ ! ثم هذه الرتبة التي ذكرها رتبة مجهولة.
فهذا كلامه في عدالة المستور - أي من حيث العدالة، - وأما من حيث حفظه، فقال "أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم" يريد: أن المستور إما مستور العدالة: فهو الذي فسره قريباً، أو مستور الحفظ: وهو الذي لا يبلغ رتبة الإتقان والضبط، وهو الذي خف ضبطه المذكور في تعريف الحسن لذاته.
قلت: ولا خفاء أن هذا خلط لشرائط الحسن لذاته والحسن لغيره" الصنعاني، توضيح الأفكار، 1/ 490 - 491.
(2)
يعني بهم أهل الحفظ والإتقان، وقد سبق ذكر وصفهم في فصل الحديث الصحيح ضمن تعريف الإمام مسلم له.
(3)
عطاء بن السائب مات سنة 136 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 22 (3798)، ابن حجر، اللسان، 9/ 371 (1875)، ابن حجر، التقريب، 391 (4592).
(4)
يزيد بن أبى زياد القرشي الهاشمي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المتابعات، قال الذهبي في السيّر:"كان من أوعية العلم، وليس هو بالمتقن؛ فلذا لم يحتج به الشيخان" وقال: "شيعيٌّ عالم فَهِمٌ صدوق ردئ الحفظ لم يترك" قال ابن حجر: "ضعيف كبر فتغير وصار يتلقّن وكان شيعيا." مات سنة 136، وقيل: 137 هـ. ينظر: الذهبي، السير، 6/ 129، الذهبي، الكاشف، 2/ 382 (6305)، ابن حجر، التقريب، 601 (7717).
(5)
الليث بن أبي سُليم ابن زُنيم الأموي، مولاهم، اسم أبيه أيمن وقيل: أنس وقيل: غير ذلك، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المتابعات. قال الذهبي في السيّر:"محدث الكوفة، وأحد علمائها الأعيان، على لين في حديثه؛ لنقص حفظه"، وقال: "فيه ضعف يسير من سوء حفظه
…
وبعضهم احتج به". قال ابن حجر: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فتُرك". اُختلف في سنة وفاته فقيل: 138، وقيل: 142، وقيل: 143، وقيل: 148 هـ. ينظر: الذهبي، السير، 6/ 179، الذهبي، الكاشف، 2/ 151 (4686)، ابن حجر، التقريب، 464 (5685).
فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان، والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة." (1)
فمسلم رحمه الله جمع في وصفه للقسم الثاني من الرواة بين الستر والصدق وتعاطي العلم، ونبّه إلى كونهم أدنى منزلة من المرتبة الأولى، وهم أهل الحفظ والإتقان، وهو بذلك قد جمع بين وصف الستر والشهرة (2) حين قال:"تعاطي العلم يشملهم" وقال: "وإن كانوا بما وصفنا من العلم، والستر عند أهل العلم معروفين"، وتبعه ابن الصلاح حين شرح كتابه فوصف هؤلاء الرواة بالستر والتوسط في الحفظ والإتقان، فقال:
" ذكر مسلم رحمه الله أولاً: أنه يقسم الأخبار ثلاثة أقسام:
الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون.
والثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.
والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون" (3)
وقد يُستشكل صنيع ابن الصلاح ومتابعته للإمام مسلم في وصفه لطبقة الرواة الثانية وجمعه بين الستر والتوسط في الحفظ والإتقان، رغم أن اصطلاحه في المستور هو:
(1) مسلم، صحيح مسلم، 1/ 5 - 6.
(2)
في هذا إشارة إلى تداخل بين مصطلحي الستر والشهرة، وسيأتي تحريره بإذن الله في هذا المبحث.
(3)
شرح ذلك بقوله " فإذا فرغ من القسم الأول اتبعه بذكر القسم الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه، فذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ وصاحبه أبو بكر البيهقي: أن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وذكر القاضي الحافظ عياض بن موسى من المغاربة: أن ذلك مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم وتابعوه عليه، وأن الأمر ليس على ذلك، فإنه ذكر في كتابه هذا أحاديث الطبقة الأولى وجعلها أصولا، ثم أتبعها بأحاديث الطبقة الثانية على سبيل المتابعة والاستشهاد، وليس مراد مسلم بذلك إيراد الطبقة الثانية مفردة، وكذلك ما أشار إليه مسلم من أنه يذكر علل الأحاديث قد وفى به في هذا الكتاب في ضمن ما أتى به فيه من جمع الطرق والأسانيد والاختلاف." ثم علّق على ما نقله بقوله: " قلت: كلام مسلم محتمل لما قاله عياض، ولما قاله غيره. نعم روي بالصريح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال: أخرج مسلم ثلاثة كتب من المسندات، واحد الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وضرباؤهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء، وهذا مخالف لما قاله الحاكم، والله أعلم." ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، 90 - 91.
"الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر"(1)، ولعل في صنيعه إشارة إلى تعدد معاني الستر والوصف بالمستور بين اللغة والاصطلاح، والإطلاق والتقييد.
والمتأمل لحال الرواة الذين وصفهم مسلم بالستر يجدهم ليسوا ممن جُهلت عدالتهم وضبطهم؛ بل توافرت أقوال نقّاد الحديث في بيان حالهم من الجرح والتعديل، وعدّهم مسلم في المرتبة الثانية بعد رواة الصحيح من الحفاظ المتقنين، ووصفهم ابن الصلاح بالتوسّط في الحفظ والإتقان.
ونجد ابن الصلاح كذلك حين عرّف أحد أقسام الحسن قال: "الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق
…
" (2).
فقد وصف المستور بأنه لا يكون مغفلاً ولا كثير الخطأ، ولم يظهر منه تعمّد الكذب، ولا سبب آخر مفسّق، فالمستور بهذا الوصف قد ظهر جانب من عدالته وكذلك ضبطه، فهذا أحد معاني الستر المقيّدة بنفي بعض الأوصاف المُؤثرة في ضبط الرواة.
وقد يُقصد بوصف الستر كذلك: "الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات"(3)، وقد جاء ذلك في بعض كتب التراجم، وهذا من استعمالهم الكلمة
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 111.
(2)
المرجع السابق، 31. وقد لخّص ذلك السخاوي بقوله:"أن يكون في الإسناد مستور لم تتحقق أهليته [ولكنه بالنظر إلى ما ظهر]، غير مغفل، ولا كثير الخطأ في روايته، ولا يتهم بتعمد الكذب فيها، ولا ينسب إلى مفسق آخر، واعتضد بمتابع أو شاهد" السخاوي، فتح المغيث، 1/ 91 ط مكتبة السنة، وما بين المعقوفتين من ط دار المنهاج 1/ 123، بينما اكتفت الطبعة الأولى بذكرها في الهامش.
(3)
ينظر: عوامة، دراسات الكاشف، 1/ 75 بتصرف.
وقد استدل المؤلف على ذلك بعشرة نصوص تؤيد ما توصّل له فقال: "ثم وقفت على نصوص كثيرة تدل على المعنى الذي قدمته، وعدد منها جاء في تراجم الأندلسيين، مما صحح ظني السابق أنها كلمة محلية (بغدادية) ". 1/ 75 - 79.
استعمالاً لغوياً، أي بمعنى: "لم يظهر منه ما يُعاب عليه، ولم يريدوا المعنى الاصطلاحي الذي وُصف بنوع من أنواع الجهالة
…
وفي تاريخ بغداد أمثلة كثيرة جداً يوصف فيها الثقة بالمستور (1).
فكل ذلك استعمال للكلمة استعمالاً لُغوياً لا اصطلاحياً، ومن ذلك أيضاً: قول مسلم في مقدمة صحيحه أن عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من الموصوفين بعدم الحفظ: إن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم" (2)
وبالنظر إلى ما سبق من معاني تعددت للموصوفين بالستر نجد وصف المستور يتّسع ليشمل طبقات من مراتب الرواة تبدأ بأدناها وهو مجهول الحال - وهو الذي عُرفت عينه وجُهلت عدالته (3) - وهذا في حال إرادة المعنى الاصطلاحي من الستر، وإذا أُريد المعنى اللغوي فيراد به الرجل الفاضل الثقة، والذي لم يظهر منه ما يُعاب، وإذا جُمع مع الستر أوصاف تدل على الصدق والإتقان، فيراد به الدرجة المتوسطة من الرواة في الحفظ والإتقان، والله أعلم.
وإطلاق لفظ الستر على الراوي - دون تقييد بأوصاف أخرى- يتداخل إلى حد كبير مع ما ذكرنا سابقاً من وصف الشهرة مُطلقاً - دون تقيد بالعدالة أو الطلب أو الصدق- فمطلق الستر، ومطلق الشهرة أفادا رفع جهالة العين عن الراوي ولم يفيدا تعديله؛ إلا أن أحدهما
(1) من أمثلة ذلك في تاريخ بغداد ما جاء في: ترجمة محمد بن أحمد بن روح الحريري، قيل فيه:"مستور ثقة"، وفي ترجمة: حامد بن سعدان بن يزيد الفارسي "مستور صالح ثقة" ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 2/ 162 (121)، 9/ 37 (4232).
(2)
يُنظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1075 - 1076 باختصار.
(3)
سبق معنا الإشارة إلى أن هذا المعنى يُطلق على وصف (مشهور) بغير أن يقيّد بنوع الشهرة، إنما هو مطلق الشهرة، وهذا يتداخل مع معنى المستور.
وهو المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عدداً يشهرون به أمره (1) بينما "المشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُصيّره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين"(2).
ومما يدلل على أثر قلة حديث الراوي، أو قلة من يرون عنه في شهرته ومعرفته، قول ابن حبان في ترجمة (عبدالله بن المؤمل المخزومي) (3):"كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل اعتماداً منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب"(4).
(1) يؤيد ذلك ما جاء عن الخطيب البغدادي في وصفه للمجهول حيث قال: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" الخطيب البغدادي، الكفاية، 88.
فكلّما قلّ عدد الرواة عن الراوي، كلما اقترب من الجهالة خاصة إذا لم يُعرف بجرح ولا تعديل.
(2)
"ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: "وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية" وإلا فهو مجهول الحال، وسيأتي
…
ما يؤيد هذا من أن الشهرة تزيل الجهالة". البقاعي، النكت الوفية، 1/ 626.
(3)
عبدالله بن المؤمل بن وهب الله المخزومي، قال ابن حجر:"ضعيف الحديث"، وقال الذهبي:"قال أبو داود: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوى" مات سنة 160 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 601 (3009)، ابن حجر، التقريب، 325 (3648).
(4)
ابن حبان، المجروحين، 2/ 28.
و"لذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيراً على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الاعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته."(1)
فاسم الستر عام يشمل مطلق المستور -من عُرفت عينه ولم يوثق- وأهل الفضل والنبل والعفة، ومن عُرفت عدالته الظاهرة وجُهلت عدالته الباطنة، ومن اُختلف فيه ولم يترجّح أمره فتوقّف فيه. ومن ارتفعت عنه الجهالة ولم يُجرّح، قال الذهبي:
"وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين (2) إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ) ". (3)
ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام بالمستور، حيث قال:"ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح"(4) فبالرغم من تقسيم المتأخرين الحسن لقسمين-قسم لرواية المشهور بالصدق، وقسم لرواية المستور- إلا أنه لم يُشر لذلك، بل اكتفى بالتعبير عن الحديث الحسن برواية المستور؛ لشمولها درجات رواة الحسن لذاته ولغيره، وذلك حسب السياق والقرينة التي تقترن بهذا الوصف. (5)
(1) الجديع، التحرير، 2/ 781.
(2)
"الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلثمائة." الذهبي، الميزان، 1/ 4.
(3)
الذهبي، الموقظة، 78.
(4)
الزركشي، النكت، 3/ 379.
(5)
خلص الدكتور عبدالجواد حمام إلى أن المحدثين استخدموا مصطلح (مستور) على ثلاثة معانٍ:
1 -
لغرض التوثيق والمدح، 2 - من كان عدل الظاهر مجهول عدالة الباطن، 3 - من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثّق. ثم أشار إلى حكم رواية المستور حسب كل معنى:
فعلى المعنى الأول: فهذا الوصف يفيد صلاحية حديث الراوي للقبول، وإن لم يكن بتلك المرتبة من التوثيق والتعديل.
وعلى المعنى الثالث: فحكمه حكم مجهول الحال، والجمهور على ردّه، واختار ابن حجر وغيره التوقّف فيه.
وأطال في بيان الحكم على المعنى الثاني، وتوصّل إلى أن كثيراً من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجّح لكفّة العدالة على كفّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولا ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلا بدليل؛ إلا أن حديث المستور لا يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولا يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال. ينظر: حمام، الجهالة، 2/ 838 - 848 باختصار.، وينظر في حكم رواية المستور كذلك: ابن الصلاح، علوم الحديث، 111 - 112، النووي، شرح مسلم، 1/ 28، العراقي، التقييد، 145، ابن حجر، النزهة، 126، السخاوي، فتح المغيث، 2/ 57، السيوطي، التدريب، 1/ 371 - 372.
أمثلة لهؤلاء الرواة:
بعد أن ذكر الذهبي أمثلة للرواة في أعلى مراتب الحديث الحسن، وأقربها للصحة، أتبعها بذكر أمثلة لرواة تتردد أحاديثهم بين الحسن والضعف فقال:
"ثم بعد ذلك، أمثلة كثيرة يتنازع فيها: بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها. كحديث الحارث بن عبدالله (1)، وعاصم بن ضمرة (2)، وحجاج بن أرطاة (3)، وخصيف (4)، ودراج
(1) الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني الحوتي الخارفي، أبو زهير الكوفي، قال ابن أبي حاتم:"سألت أبي عن الحارث الأعور فقال: ضعيف الحديث ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه". قال الذهبي: "شيعي لين، قال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال ابن أبي داود: كان أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس." قال ابن حجر: " كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف". مات في خلافة ابن الزبير سنة 65 هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 3/ 78 (363)، ابن حبان، المجروحين، 1/ 222، الذهبي، الكاشف، 1/ 303 (859)، ابن حجر، التقريب، 146 (1029).
(2)
عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، قال ابن حبان:" كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، يرفع عن علي قوله كثيراً، فلما فحش ذلك في روايته استحق الترك، على أنه أحسن حالا من الحارث -أي: الأعور-". قال الذهبي: "وثقه ابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي بتليينه، وهو وسط". قال ابن حجر: صدوق. مات سنة 74 هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 6/ 345 (1910)، ابن حبان، المجروحين، 2/ 125، الذهبي، الكاشف، 1/ 519 (2504)، ابن حجر، التقريب، 285 (3063).
(3)
حجاج بن أَرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي، أبو أرطاة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، قال ابن أبي حاتم:"سمعت أبي يقول: حجاج بن أرطأة صدوق يدلس عن الضعفاء يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه". قال ابن حجر: صدوق كثير الخطأ والتدليس، وذكره في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين وقال:"أخرج له مسلم مقرونا، وصفه النسائي وغيره بالتدليس عن الضعفاء". مات سنة: 145 هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 3/ 154 (673)، ابن حبان، المجروحين، 1/ 225، الذهبي، الكاشف، 1/ 311 (928)، ابن حجر، المدلسين، 49، ابن حجر، التقريب، 152 (1119).
(4)
خُصَيف بن عبدالرحمن. مات سنة: 137 هـ وقيل غير ذلك. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 3/ 403 (1848)، ابن حبان، المجروحين، 1/ 287، الذهبي، الكاشف، 1/ 373 (1389)، ابن حجر، التقريب، 193 (1707).
أبي السمح (1)، وخلق
سواهم." (2)، وبالنظر في أقوال النقاد في الرواة السابقين، نجدهم كما ذكر الذهبي تتردد بين التحسين والتضعيف.
نخلص مما سبق:
أن لفظ المستور ذو معنى واسع يتنوّع بحسب السياق والقرينة، وتتفاوت مراتب ستر الرواة بين:
- إرادة المعنى اللغوي، فيصاحب الستر وصف الثقة أو الصلاح بشكل عام: أي لم يظهر منه ما يُعاب عليه.
- وبين إرادة التوسط في الحفظ والإتقان خاصة إذا جاء في مقابلة رواة الصحيح الضابطين المتقنين.
- وبين مطلق الستر وعدم الاشتهار، فهو عدلٌ في الظاهر مجهول عدالة الباطن، وقد يُراد به خفاء أمره وقلة الرواة عنه، أو اختلافهم في الترجيح بين تعديله وجرحه.
وظهر من الأمثلة المذكورة للرواة المستورين تفاوت حديثهم بين التحسين والتضعيف، ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام
(1) درَّاج بن سمعان. مات سنة: 126 هـ ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، 3/ 441 (2008)، ابن حبان، الثقات، 5/ 114، الذهبي، الكاشف، 1/ 383 (1473)، ابن حجر، التقريب، 201 (1824).
(2)
الذهبي، الموقظة، 33.