الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه." (1)
ثم ذكر رحمه الله أموراً كلّية يُعرف بها كون الحديث موضوعاً، منها (2):
1 -
اشتماله على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 -
تكذيب الحس له.
3 -
سماجة الحديث، وكونه مما يُسخر منه.
4 -
مناقضته لما جاءت به السنة مناقضة بيِّنة.
5 -
ركاكة ألفاظه، وكونه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلا عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو وحي يُوحى.
أسباب الوضع في الحديث:
(3)
تعددت الأسباب التي أدّت إلى الوضع في الحديث بحسب غرض أصحابها، ومرادهم من ذلك، ومن تلك الأسباب:
1 -
الجهل بالدين مع الرغبة في الخير واحتساب الأجر:
فمن أكثر أصناف الوضّاع ضرراً: طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، وتعلقوا بشبه باطلة (4)، وهو صنيع كثير من الزهّاد
والعُبّاد ممن يتدينون بذلك؛ لترغيب الناس في أفعال الخير بزعمهم، وضررهم عظيم؛
(1) ابن قيم الجوزية، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، 43 - 44.
(2)
ينظر: المرجع السابق، 43 - 81، العثمان، المحرر، 455.
(3)
ينظر: السباعي، السنة ومكانتها، 78 - 89، عمر حسن فلاته، الوضع في الحديث، 218 - 284، الجديع، التحرير، 2/ 1043 - 1047.
(4)
ينظر تفصيل الشبه، والجواب عليها: ابن حجر، النكت، 2/ 852.
لأنهم يحتسبون بذلك، ويرونه قربة، والناس يثقون بهم، ويركنون إليهم لما نسبوا له من الزهد، والصلاح، فينقلونها عنهم.
قال ابن الصلاح:
"وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتساباً فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم."(1)
"ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكروهم بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) قالوا: نحن نكذب له صلى الله عليه وسلم لا عليه، وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل. حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق."(2)
2 -
الزندقة والإلحاد في الدين:
والزنادقة: هم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو الذين لا يتدينون بدين. (3)
فضربٌ من الزنادقة يضعون الأحاديث، وذلك؛ استخفافاً بالدين، واضلالاً للناس. (4)
3 -
نصرة المذاهب والأهواء: (سواء كان مذهباً سياسياً أو عقدياً، أو فقهياً)
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 99.
(2)
السباعي، السنة ومكانتها، 87.
من أمثلة ذلك أيضاً: أخرج ابن الجوزي إلى محمد بن عيسى الطباع قوله: "سمعت ابن مهدى يقول لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث: (من قرأ كذا فله كذا) قال: وضعتها أرغب الناس فيها." ابن الجوزي، الموضوعات، 1/ 40.
(3)
ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 316.
(4)
"كمحمد بن سعيد المصلوب، والحارث الكذاب الذي ادعى النبوة، والمغيرة بن سعيد الكوفي وغيرهم." ابن حجر، النكت، 2/ 851.
ومثاله: قول الحاكم: "فمما رواه محمد بن سعيد المصلوب، عن حميد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله)). فوضع هذا الاستثناء لما كان يدعوا إليه من الإلحاد والزندقة
…
" الحاكم، الإكليل، 51 - 52.
"فقد نزع الجهال والفسقة من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية إلى تأييد مذهبهم بأحاديث مكذوبة."(1)، وضربٌ منهم يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم، فيضعون الأحاديث في ذلك. (2)
"ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم."(3)
4 -
تحقيق أغراض ومصالح دنيوية:
حيث ذكر ابن حجر من أصناف الوضاعين: "أصحاب الأغراض الدنيوية: كالقصاص، والسؤّال في الطرقات، وأصحاب الأمراء
…
" (4)، وهؤلاء "أمرهم أظهر؛ لأنهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث." (5)
(1) السباعي، السنة ومكانتها، 87.
من أمثلة هؤلاء:
عمرو بن عبدالغفار الفقيمي ابن عدي، الضعفاء، 6/ 253 (1311).
قال ابن حجر: "ومن خفي ذلك ما حكاه ابن عدي أن محمد بن شجاع الثلجي كان يضع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم وينسبها إلى أهل الحديث بقصد الشناعة عليهم لما بينه وبينهم من العداوة المذهبية.". ابن حجر، النكت، 2/ 852، ينظر: ابن عدي، المرجع السابق، 7/ 550 (1776).
(2)
العراقي، شرح التبصرة، 1/ 309.
من أمثلة ذلك: "قيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قوما عندنا يرفعون أيديهم في الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع فقال حدثنا المسيب بن واضح قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من رفع يده في الركوع فلا صلاة له)) ". الحاكم، الإكليل، 57.
(3)
الجديع، التحرير، 2/ 1045.
من أمثلة ذلك: "قيل لمأمون بن أحمد الهروي: ألا ترى إلى الشافعي وإلى من نبغ له بخراسان! ! فقال حدثنا أحمد ابن عبيدالله قال حدثنا عبيدالله بن معدان الأزدي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى)). الحاكم، المرجع السابق، 56
(4)
ابن حجر، النكت، 2/ 856.
(5)
المرجع السابق، 2/ 858.
فمنهم قوم من السؤّال يقفون في الأسواق والمساجد والمحافل فيضعون الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد. (1)
وضرب يتقربون لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وأهوائهم. (2)
ومنهم من يضع الحديث لمصلحة شخصية أو قصد الانتقام من شخص أو فئة مُعيّنة. (3)
وضرب يتكسبون بوضع الحديث، ويرتزقون به في قصصهم، وهم قوم شقّ عليهم الحفظ
أو رأوا أن الحفظ معروف، فأتوا بما يغرب رغبة في استمالة السامعين، وصرف وجوه الناس إليه. (4)
5 -
حب الظهور
ذكر ابن حجر من أصناف الوضّاع: "من حمله الشره ومحبة الظهور على الوضع ممن رق دينه من المحدثين فيجعل بعضهم للحديث الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا كمن يدعي سماع من لم يسمع. وهذا داخل في قسم المقلوب."(5)
(1) الحاكم، الإكليل، 57.
(2)
مثال ذلك: غياث بن إبراهيم، حيث وضع للمهدي في حديث:((لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر)). فزاد فيه: أو جناح. وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام فتركها بعد ذلك وأمر بذبحها، وقال أنا حملته على ذلك. والقصة أخرجها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، 55.
(3)
مثال ذلك: ما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: "ومنهم من كان يضعه في ذم من يريد أن يذمه كما روينه عن سعد بن طريف أنه رأى ابنه يبكى، فقال: مالك، فقال: ضربني المعلم، فقال: أنا والله لأخزينهم، حدثني عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((معلمو صبيانكم شراركم)) ". ابن الجوزي، الموضوعات، 1/ 42.
(4)
مثال ذلك: ما ذكره ابن عدي في الضعفاء عن: جعفر بن أحمد بن علي الغافقي المصري المعروف بابن أبي العلاء، وكان قد أدركه، وكتب عنه، لكنه اتهمه بوضع الحديث وذلك أنه كان مغرماً بأبواب اعتنى بوضع الحديث فيها عن المصريين وغيرهم، وضع في فضل النخلة والتمر، وفي الفراعنة، والسرقة، وأكل الطين، أحاديث بألفاظ ركيكة واضحة في الوضع. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، 2/ 400 (348)، الجديع، التحرير، 2/ 1047.
(5)
ابن حجر، النكت، 2/ 852.