الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سوى رواة من
أهل الصدق قد خفّ ضبطهم، أي أن وصف الحديث بكونه حسناً عند الترمذي لا يختص بالحسن لغيره، بل يدخل فيه الحسن لذاته (1)، والله أعلم.
القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة
(2):
أولاً: السلامة من الشذوذ:
سبق الإشارة إلى معاني الشاذ في اللغة والاصطلاح - وذلك عند الحديث عن قيود الحديث الصحيح- وأن الشذوذ في الاصطلاح يتراوح بين معانٍ ثلاثة هي:
مخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام.
وقد نصّ الترمذي باشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن، لكنه لم يحدد معنى الشذوذ، ولم يصف أي حديث في جامعه بالشذوذ، مما جعل تحديد مراده من هذا الاصطلاح أمراً صعباً؛ لا سيما وأن المحدثين لم يتفقوا على تعريف واحد للشذوذ. (3)
وقد اجتهد العلماء في تفسير مُراد الترمذي بالشذوذ على ثلاث مذاهب:
- المذهب الأول: تفسيره بالمخالفة (4)،
(1) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 4/ 1643 - 1645.
(2)
سبق في فصل الحديث الصحيح الكلام عن قيد نفي الشذوذ، وزِيد في قيود الحسن نفي النكارة، والمنكر بمعنى الشاذ عند ابن الصلاح، وسيأتي بإذن توضيح كل مصطلح منهما في فصل مستقل، وبيان أوجه التداخل بينهما.
(3)
ينظر: الدريس، الحديث الحسن، 3/ 1106.
(4)
يرى الدكتور أبو سمحة: أن المراد بالشاذ عند الترمذي: هو مخالفة الراوي -سواء كان ثقةً أو ضعيفاً- للأوثق منه.
وأضاف الدكتور الدريس إلى ما ذكره أبو سمحة: شرط ألا يكون الجمع بين الحديثين ممكناً. وقد أضاف الدريس هذا القيد ليجيب عن إشكال تحسين الترمذي لبعض الأحاديث رغم مخالفتها لأحاديث صحيحة، المراجع: ينظر: السخاوي، فتح المغيث، 1/ 244. الدريس، 3/ 1133، عبدالسلام أبو سمحة، الحديث المنكر، 149 - 152.
وقال بذلك كلٌ من: ابن تيمية (1)، والزركشي (2)، وابن رجب (3)، وابن حجر (4).
- المذهب الثاني: فسّره بالتفرّد: وقال به ابن الصلاح (5)، ومن سار على نهجه في تلخيص كتابه أو شرحه دون تعقيب، إلا أن الحافظ ابن حجر تعقَّب هذا التفسير لمعنى الشذوذ فقال في كتابه النكت على ابن الصلاح:
"قوله (6): حكاية عن بعض المتأخرين (7) أنه زعم أن قول الترمذي: ولا يكون شاذا "زيادة لا حاجة إليها، لأن قوله يُروى من غير وجه يغني عنه، ثم قال: فكأنه كرره بلفظ مباين".
أقول: ليس في كلامه تكرار بل الشاذ عنده ما خالف فيه الراوي من هو أحفظ منه أو أكثر سواء انفرد به أو لمن ينفرد، كما صرح به الشافعي رضي الله عنه.
وقوله: يُروى من غير وجه شرط زايد على ذلك. وإنما يتمشى ذلك على رأي من يزعم أن الشاذ ما تفرد به الراوي مطلقا. وحمل كلام الترمذي على الأول أليق؛ لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، ولا سيما في التعاريف - والله أعلم" (8).
(1)" وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة." ابن تيمية، الفتاوي، 18/ 39.
(2)
"احترز بقوله: "ولا يكون حديثا شاذا" عن الشاذ، وهو: ما خالف فيه الثقة روايات الثقات". الزركشي، النكت، 1/ 307.
(3)
"الظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه." ابن رجب، شرح العلل، 1/ 384.
(4)
ينظر: ابن حجر، النكت، 1/ 406.
(5)
حيث صرّح بذلك في تعريفه للحسن الذي نزّله على تعريف الترمذي، وفسّر نفي الشذوذ بمجيء الحديث أو نحوه من طريق آخر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 31.
(6)
أي الحافظ العراقي، عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ت 806 هـ). ينظر: العراقي، التقييد، 39 - 40.
(7)
يقصد: الحافظ أبي عبدالله علاء الدين مُغلطاي (ت 762 هـ). ينظر: مُغلطاي، إصلاح كتاب ابن الصلاح، 2/ 122.
(8)
ابن حجر، النكت، 1/ 406.
- المذهب الثالث: ما ذهب إليه ابن سيّد الناس حيث جمع بين المعنيين (1) ولم يرجّح أحدهما على الآخر، فقال - بعد أن ذكر معاني الشاذ في الاصطلاح:"والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ."(2) ثم قال بعد ذلك- وهو يظهر تردده في الجزم بالمراد من الشذوذ في تعريف الترمذي-: " إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: "ويُروى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير
(1) وهو ما ذهب إليه الدكتور عداب الحمش في كتابه عن منهج الإمام الترمذي في جامعه، فقد تتبع إطلاق الترمذي للفظ (غير محفوظ) -والذي يُعدّ رديفاً للشاذ عند أهل الاصطلاح- على ثمانية وعشرين حديثاً، واستنتج من صنيع الترمذي أنه: استعمل هذا اللفظ استعمالاً يشمل الشاذ والمنكر أو استعمالاً يشمل كل ما يندرج تحت المخالفة وتفرد الضعفاء، ومن يلتحق بهم.
فمن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الثقات: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأذان بالليل، من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بلالا يؤذن بليل
…
))
…
ثم قال الترمذي: وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:((أن بلالا أذن بليل، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي: إن العبد نام.)) قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ،
…
وهذا لا يصح، واستدل بقول علي بن المديني بأنه غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة. 1/ 276 ح (203). وحماد بن سلمة من الثقات. يُنظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 349 (1220)، ابن حجر، التقريب، 178 (1499).
ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال:((اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم لدخوله مكة بفخ)). 2/ 200 ح (852).
ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على تفرد الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر؟ ، من حديث سويد بن عبدالعزيز، عن حميد، عن أنس، ((استعار النبي صلى الله عليه وسلم قصعة فضاعت، فضمنها لهم.)) قال الترمذي: وهذا حديث غير محفوظ، وإنما أراد عندي سويد الحديث الذي رواه الثوري. 3/ 33 ح (1360).
وسويد بن عبدالعزيز بن نمير السلمي، أبو محمد الدمشقي، قاضي بلعبك، نقل الذهبي قول البخاري: فيه نظر لا يُحتمل، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة 194 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 472 (2195)، ابن حجر، التقريب، 260 (2692).
ينظر: الحمش، الإمام الترمذي، 1/ 336 - 342.
(2)
ابن سيد الناس، النفح الشذي، 1/ 244 - 245.
لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين." (1)
وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن الخلاصة من مراد الترمذي بالشاذ هو:
- أن لا يتفرد الراوي - الذي هو دون الثقة- بالحديث إن كان ممن لا يقوى حاله على التفرّد.
- وأن لا يخالف الراوي الثقة غيره إن كان ممن يسمح حاله بالتفرّد.
- وأن لا يعارض هذا الحديث أصلاً من الأصول. (2)
ما سبق كان بياناً لبعض الاجتهادات في تفسير مراد الترمذي بنفي الشذوذ في حد الحديث الحسن، أما الخطابي فلم ينص على نفي الشذوذ في تعريفه، لكن قد يُشير إليه قوله:"يقبله أكثر العلماء" إذ الشاذ مردود عندهم، ويُضاف إليه ما ذكره البقاعي من أن:"قول الخطابي: "ما عرف مخرجه" يُخرِج المعلل فإنه لم يُعرف مخرجه، والشاذ قسم من أقسام المعلل، والمنكر معلل على كل حال."(3)
ورغم اختصار ابن الجوزي لتعريف الحسن إلا أن مفهوم قوله: "ما فيه ضعف قريب محتمل"(4) يتضمن نفي الشذوذ المُسبب لضعف الحديث ضعفاً لا يُحتمل، هذا عدا أنه أضاف "ويصلح البناء عليه والعمل" بينما الشاذ لا يصلح لذلك.
(1) ابن سيد الناس، المرجع السابق، 1/ 266 - 267.
(2)
ينظر: بلعمري، الشاذ، 72 بتصرّف يسير.
(3)
البقاعي، النكت، 1/ 232.
(4)
ابن الجوزي، الموضوعات، 1/ 35.
وماثل تعريف ابن دحية (1) في شقٍ منه تعريف ابن الجوزي مع إضافة شروط في الراوي دون المروي مما حدا بابن حجر للتعقيب بقوله: "وهو جيد بالنسبة إلى النظر في الراوي لكن صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة، فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي لا المجبور على رأي الترمذي، والله أعلم."(2)
والفرق بين تعريف ابن الجوزي وابن دحية، أن الأول رغم اختصاره إلا أنه كان عاماً شاملاً للراوي والمروي على حد سواء، بينما الثاني جعل الضعف خاصاً بالراوي، فتعقّبه ابن حجر لذلك، والله أعلم.
أما ابن القطان فمما "يؤخذ عليه في تعريفه أنه لم يتعرّض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى هذه الأمور موجبة لضعف الحديث وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن، لكن عُرِف ذلك في مواضع أخرى (3) إلا أن له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة."(4)
وقد استنتج الدكتور أكرم بلعمري معنى الشذوذ عند ابن القطان عن طريق دراسة آرائه وأقواله في المسائل المتعلّقة تعلّقاً وطيدا بمبحث الشاذ، كزيادة الثقة وتعارض الوصل
(1) قال ابن دحية رحمه الله: "الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق". ابن حجر، النكت، 1/ 404.
(2)
ابن حجر، المرجع السابق، 1/ 404 - 405.
(3)
ينظر: ابن القطان، بيان الوهم، 4/ 25 - 26.
(4)
الدريس، الحديث الحسن، 4/ 1670، وستأتي الإشارة إلى بعض آرائه في العلل غير المؤثرة على صحة الحديث، في قيد السلامة من العلة.
والإرسال والوقف والرفع، فمن خلال ذلك - كما ذكر- حدّد مفهوم الشاذ عند ابن القطان الفاسي بأنه:
"مخالفة الراوي لغيره مخالفة منافية يلزم من قبولها ردّ رواية الأحفظ أو رواية الجماعة. ويتوسع في ذلك فيشمل مخالفة الضعيف، فإن رُدّت مخالفة الثقة بالقرينة فمن باب أولى تُردّ مخالفة الضعيف بها."(1)
أما من جاء بعد ابن الصلاح:
- فهناك من لم يصرح بنفي الشذوذ في حدّ الحديث الحسن؛ إلا أنه داخل في مفهوم تعريفه، ومن ذلك:
تعريف ابن جماعة (2)، إذ اكتفى بنفي العلل، والشذوذ نوع منها، (3) وكذلك ابن الملقّن في كتابه التذكرة (4)، فإن نفي الشذوذ داخل في تعريفه المجمل، خاصة أنه اكتفى بذكر تعريف واحد مجمل للحسن، ويريد به الحسن لذاته، وأشار فيه إلى موضع الافتراق بين الصحيح والحسن بشيء من الدقة حيث حصر ذلك في ضبط الراوي، أما ما عدا ذلك فيبقى كما
(1) بلعمري، الشاذ، 114. ينظر ما ذكره من آراء ابن القطان في هذه المسائل. المرجع السابق، 111 - 114.
(2)
"ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن". ابن جماعة، المنهل، 103.
(3)
فقد أوضح ابن الصلاح أن مما يُستعان بع في معرفة العلل وجود التفرد أو المخالفة من الراوي فقال: "ويستعان على إدراكها - أي: العلل- بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." ابن الصلاح، علوم الحديث، 90.
(4)
ابن الملقن، التذكرة، 14.
اشترطه في تعريفه للصحيح من سلامة الإسناد والمتن من الطعن، والشذوذ يطعن في سلامتهما.
- وهناك من صرّح بنفي الشذوذ عن قسم واحد من أقسام الحديث الحسن دون الآخر، حيث صرّح بنفيه عن الحسن لذاته ابن حجر في تعريفه (1)، وتبعه الشّمُني في ذلك، وزاد في وصف راويه بقوله:"وارتفع عن حال من يُعدّ تفرده منكراً"(2).
أما ما يخص تعريف الحسن لغيره، فإذا حملنا معنى الشذوذ على ما اعتمده ابن حجر واختاره في النخبة، وهو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، فإن الشذوذ إنما يكون في أحاديث الثقات، والحسن لغيره في أصله ضعيف انجبر بمثله أو نحوه فلم يصرّح بنفي الشذوذ فيه.
وفي حال فُسِّر الشذوذ بالمعنى الثاني الذي عزاه ابن حجر لبعض أهل الحديث-وهو: تفرد الراوي سيِّئ الحفظ، - فإن تعريفه للحسن لغيره يتضمنه، وإن لم يصرّح به؛ لأن من شروطه في الحسن لغيره أن يكون ضعفه مُنجبِراً، ويُتابَع بمُعتَبر، فاشتراط المتابِع المُعتبر هنا ينفي التفرّد، وبالتالي ينتفي الشذوذ بانتفاء التفرّد، والله أعلم.
- أما ابن الصلاح - ومن تبعه وسار على نهجه- فالشذوذ عندهم على قسمين: "أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف."(3)
والحسن عنده على قسمين كذلك، وفي تعريفه نفى الشذوذ عن القسمين كليهما (الحسن لذاته ولغيره)، ويظهر أنه أراد في كل قسم معنى للشذوذ دون الآخر.
(1) ينظر: السخاوي، الجواهر والدرر، 2/ 913 - 914.
(2)
السيوطي، التدريب، 1/ 173.
(3)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 79.
ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي، وقال فيه: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا
…
"، فهو هنا صرّح بأن نفي الشذوذ مرادف لقوله "ويُروى من غير وجه" أي أنه نفي للتفرد.
بينما في القسم الثاني، والذي نزّله على تعريف الخطابي، اشترط في راويه أن يكون من مرتبة من لا يُستنكر تفرّده، فقال:"وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا"، والشذوذ والنكارة عند ابن الصلاح بمعنى واحد، فإذا كان تفرّد رواة هذا القسم لا يُعدّ منكراً ولا شاذاً، فيُحمل اشتراط نفي الشذوذ هنا على المعنى الثاني الذي قرره من معاني الشاذ اصطلاحاً، وهو المخالفة، والله تعالى أعلم. (1)
ثانياً: السلامة من النكارة (2):
النكارة تأتي في اللغة بمعنى: الدهاء، والأمر الشديد أو الصعب، والنكرة: خلاف المعرفة، والمنكر: ضد المعروف.
ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه. (3)
(1)"فقوله: "يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا" احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعدُّ منكراً، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة." السليماني، الجواهر، 82.
(2)
سيأتي الحديث بالتفصيل عن المنكر في الفصل الخاص به بإذن الله.
(3)
ينظر مادة (نكر): الفراهيدي، العين، 5/ 355، ابن فارس، المقاييس، 5/ 476، الرازي، المختار، 319، الفيروزآبادي، القاموس، 487.
والمنكر في الاصطلاح: عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ حيث قال: "المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ؛ فإنه بمعناه"(1).
أما ابن حجر فقد عرّف الشاذ ثم أتبعه بتعريف المنكر فقال: " وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر"(2)، فالمنكر عنده: ما رواه الضعيف مخالفاً به من هو أولى منه.
وأشار كذلك إلى الإطلاقات الأخرى للمنكر، ومنها: إطلاقهم المنكر على مجرد التفرد، إلا أنه ذكر معياراً لذلك فقال:"حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده"(3)، ويُشير بذلك إلى اختلاف الحكم بالنسبة للحديث الفرد، فليس كل تفرد منكر (4)، ثم أعقب كلامه ببيان موطن الاختلاف بين المنكر والشاذ فقال:
"وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد، ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكراً، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط، لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ وهو المعتمد في تسميته.
وأما انفرد المستورُ، أو الموصوفُ بسوء الحفظ، أو المضعفُ في بعض مشايخه دون بعض، بشيء لا متابعَ له ولا شاهدَ، فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث.
وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين.
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 80."أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف".
(2)
ابن حجر، النزهة، 86.
(3)
ابن حجر، النكت، 2/ 674.
(4)
سيأتي الحديث عن الفرد، وأنواع الأفراد بإذن الله في فصل مستقل.
فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة، والله أعلم". (1)
وخلاصة كلامه: أن الراوي الصدوق إذا كان ضبطه في مرتبة رواة الصحيح والحسن، ثم خالف من هو أرجح منه فيُحكم على روايته بالشذوذ، وهذا هو المعتمد في تسمية الشاذ.
وإذا كان ضبط الراوي الصدوق أقل مما يُشترط في الصحيح أو الحسن ثم تفرّد بالرواية، فروايته شاذة على قول، فإن خالف هذا الراوي من هو أولى منه كان شذوذه أشد، وهناك من يحكم بالنكارة على هذه الرواية. (2)
أما الراوي الضعيف في بعض شيوخه أو الموصوف بسوء الحفظ (3) أو المستور-بمعناه عند ابن حجر (4) - إذا تفرّد بالرواية، فروايته منكرة على قول كثير من أهل الحديث، وإذا خالف بروايته من هو أولى منه، فهذا هو القسم الثاني من المنكر، وهو المعتمد عند الأكثرين.
ويظهر من كلام ابن حجر- رحمه الله أن الراوي كلما نزلت مرتبته عن الرواة المتقنين-رواة الصحيح والحسن- وضعف ضبطه، كان المعتمد عند الأكثر إطلاق النكارة على تفرده أو مخالفته؛ لذا فرّق بين رواة الشاذ والمنكر، فذكر أن المعتمد إطلاق الشاذ على رواية المقبول إذا خالف من هو أولى منه، وإطلاق النكارة على رواية الضعيف إذا وقعت منه المخالفة للأَولى.
(1) ابن حجر، المرجع السابق، 2/ 674 - 675.
(2)
فهذا جزء مشترك - في إطلاقات العلماء- بين الشاذ والمنكر، يأتي تفصيله في كل من: الفصل الخاص بالشاذ، وكذلك الفصل الخاص بالمنكر، وبيان أوجه التداخل بينهما بإذن الله.
(3)
وقد أشار أيضاً إلى ان سوء حفظ الراوي "إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث." ابن حجر، النزهة، 129.
(4)
والمستور عند ابن حجر مرادف لمجهول الحال، وهو: من روى عنه اثنان فصاعدا، ولم يوثق. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، 126.
وبتأمل تعريف ابن الصلاح للصحيح وللحسن، نجده:
- نفى الشذوذ في حدّ الصحيح، إذ راوي الصحيح يكون على درجة عالية من الثقة والضبط فغالباً لا يُستنكر منه التفرّد.
بينما في تعريفه للحسن: قرن نفي الشذوذ بالنكارة في قسميّ الحسن.
- ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي: قال: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا
…
"
فجعل نفي الشذوذ والنكارة ثمرة لاشتراط تعدد طرق الحديث ومجيئه من طريق آخر. (1)
- بينما في القسم الذي نزّله على تعريف الخطابي صرّح بأن راويه في مرتبة من لا يُعدّ تفرده منكراً، وقوله هذا يُعدُّ نفياً ضمنياً للنكارة التي هي بمعنى التفرد، ثم إن تكراره لنفي النكارة في حد الحسن بقوله:"ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا."(2) إما أن:
يُحمل على التأكيد، أو على المعنى الآخر للنكارة وهي المخالفة، وبهذا يكون قد نفى النكارة عن قسمي الحديث الحسن كليهما.
(1) مما يدعم هذا، ما توصّل إليه الدكتور عبدالجواد حمام في المراد بالمنكر عند الترمذي. المراجع: حمام، التفرد، 488، التركي، الحديث المنكر 67.
(2)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 31.
- أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الصحيح ولا في الحسن، وعلّل ذلك بقوله:"أن المنكر على قسميه عند من يخرجُ الشاذَّ هو أشد ضعفا من الشاذ. فنسبة الشاذ من المنكر نسبة الحسن من الصحيح فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة؛ كذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة"(1).
وكذلك فإن تعريف المنكر عنده هو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وكونه لم يشترط في تعريف الحسن لذاته نفي النكارة؛ لأن رواة الحسن لذاته ليسوا ضعفاء، إنما هم في مرتبة تقلّ قليلاً عن مرتبة رواة الصحيح عنده.
أما الحسن لغيره فمن شروطه أن يكون ضعفه منجبراً؛ بينما المنكر لا ينجبر في جميع أحواله؛ إذ يتراوح عنده بين تفرّد ضعيف لا يُحتمل تفرّده- ففي هذه الحالة لم يتحقق شرط المتابعة - وبين ضعيف خالف من هو أولى منه، وكليهما لا ينجبران، فانتفى شرط النكارة باشتراط انجبار الضعف؛ لذا لم يكن هناك داعٍ لاشتراطه في حد الحسن عند ابن حجر، والله أعلم.
نخلص مما سبق:
أن من المعاني التي يأتي بها الشذوذ في اللغة معنى التفرّد، والمخالفة، وهي كذلك في الاصطلاح، وقد استعمل ابن الصلاح المعنيين في تعريف الشاذ اصطلاحاً -إذ جعله على قسمين- بينما اختار ابن حجر لتعريف الشاذ أنه: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، وذكر أنه هو المعتمد عند أهل الاصطلاح (2)، وفرّق بين الشاذ والمنكر خلافاً لابن الصلاح الذي جعلهما بمعنى واحد.
(1) ابن حجر، النكت، 1/ 237.
(2)
وأشار إلى الإطلاقات الأخرى للشذوذ والنكارة والتي يتداخل بعضها مع الآخر.