الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- إذا اجتمع في الحديث أكثر من سبب للضعف (1).
- وجود سبب خاص أو قرائن خاصة (2) تُضعف صلاحية الحديث للاستشهاد. (3)
نخلص مما سبق:
تتفاوت درجات الحديث الضعيف في الضعف بين خفيف الضعف وشديده، وخفة الضعف تنجبر بوجود العاضد المقوي لها -بالشروط التي سبق ذكرها- بينما الشديد الضعف يظل على حاله ولا يقبل الانجبار.
وإن انتفاء العاضد للضعيف القابل للانجبار يجعل الحديث الضعيف باقياً على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.
السبب الخامس: الشذوذ المردود
(4):
وجود الشذوذ المردود أو النكارة في الحديث من مسببات ضعفه، وقد اعتبر ابن الصلاح كلاً من الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وفرّق بينهما ابن حجر، واعتبر إطلاق الشذوذ خاص بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، بينما النكارة تُطلق على مخالفة الضعيف، وذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاقاً آخر عند المحدثين، وهو إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي
(1) كما سبق معنا في الإشارة إلى طبقات المدلسين، فقد ردّوا حديث الطبقة الخامسة ولو صرّحوا بالسماع؛ لكونهم ضُعِّفوا بأمر آخر سوى التدليس. ينظر: العلائي، المراسيل، 113 - 114، ابن حجر، طبقات المدلسين، 13 - 14.
(2)
مثال هذه القرينة قول ابن حبان في مقدمة كتابه المجروحين: "لا يجوز الاحتجاج بخبر في روايته كنية إنسان لا يُدرى من هو، وإن كان دونه ثقة؛ لأنه يُحتمل أن يكون كذاباً كنّى عن ذكره"، وقال ابن حجر:"للحاكم إذا تعارضت عنده الأحوال وتعددت البينات أن يستدل بالقرائن على الترجيح". ينظر: ابن حبان، المجروحين، 91، ابن حجر، الفتح، 6/ 518.
(3)
ينظر: الفصل الخامس من الباب الرابع. الدريس، الحديث الحسن، 5/ 2179 - 2234 باختصار.
(4)
ويدخل فيه كذلك النكارة، وتقييد وصف الشذوذ بكونه مردوداً؛ للتأكيد على أن المراد هو الشذوذ المؤثر في الحكم على الحديث بالرّد وعدم القبول، ويأتي بيانه - بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.
سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته (1)، وإطلاقهم النكارة على رواية فاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق. (2)
وسبقت الإشارة إلى معاني الشاذ في الاصطلاح (3) - وأنها تراوحت بين معانٍ ثلاثة هي:
مخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام.
وخَلَص ابن الصلاح إلى أن "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف."(4)
وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر "الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة (5) "(6)
قال السخاوي -موضحاً موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ-:
"على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح
(1) ابن حجر، النزهة، 129.
(2)
ابن حجر، المرجع السابق، 113.
(3)
عند الحديث عن قيد نفي الشذوذ في فصل الحديث الصحيح، وسيأتي مزيد بيان وتفصيل في الفصل الخاص بالحديث الشاذ، وكذلك في الفصل الخاص بالحديث المنكر بإذن الله.
(4)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 79.
(5)
الحديث الغريب: "هو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند". ابن حجر، النزهة، 54.
(6)
الدهلوي، أصول الحديث، 77.
وأصح، فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح ; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه.
ولا يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به
…
" (1)
ثم أردف ذلك بقوله: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا، بخلاف العلة القادحة; كالإرسال الخفي (فتوذي) لوجودها الصحة الظاهرة، ويمتنع معها الحكم والعمل معا."(2)
ويمكن صياغة المراد بالشذوذ المردود -ويدخل ضمنها النكارة (3) - بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه وتعذّر الجمع بينهما، فمتى وجد من الراوي
تفرّد لا يُحتمل منه (4)، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظاً وإتقاناً أو عدداً، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت لشذوذها أو نكارتها، ولم تقبل الانجبار؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.
"ويدخل في المعارضة التي يُرد بها الحديث الضعيف ولو اُعتضد بغيره أن يكون مُعارضاً لآية من كتاب الله أو لقاعدة من قواعد الشريعة المقررة أو لمقصد من مقاصد الشريعة العامة أو الخاصة، ولكن يجب أن يُطبّق ذلك بوسطية بعيدة عن الغلو والتكلف.
(1) السخاوي، فتح المغيث، 1/ 31 - 32.
(2)
السخاوي، المرجع السابق، 1/ 32.
(3)
المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، بينما المنكر عند ابن حجر أشدّ ضعفاً من الشاذ. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، 80، ابن حجر، النكت، 1/ 237.
(4)
قال عمرو عبدالمنعم: "وقد أشار الإمام مسلم في مقدمة صحيحه إلى أن الإعلال بالتفرد إنما يكون بالقرائن الدالة على النكارة، لا بعموم مجرد التفرد، حيث قال: "وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث غير مقبوله." مسلم، مقدمة الصحيح، 1/ 7، سليم، ما لا يسع المحدث جهله، 109.
وغني عن القول أن تطبيق هذا الشرط يحتاج لأن يكون المعني به ذا حظ وافر من الفقه، ومن الخبرة بكتب مختلف الحديث ومشكله، وأن يعرف مناهج الأئمة وأساليبهم في الجمع والترجيح، وأن يفرق بين الجمع المتكلف وغيره، وبين الجمع الممكن والجمع اللازم، وعليه أن يعرف متى يقدم الترجيح على الجمع والعكس، ولا يتسنى ذلك إلا لمن رزقه الله الجمع بين الحديث والفقه مع طول الممارسة وتواصل الخبرة." (1)
نخلص مما سبق:
يعدّ الشذوذ المردود -ويدخل ضمن ذلك النكارة أيضاً- من مسالك الضعف إلى الحديث، ويمكن اختصار تعريفهما بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه مع تعذّر الجمع بينهما.
فمتى وجد من الراوي تفرّد لا يُحتمل منه، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظاً وإتقاناً أو عدداً، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت، ولم تقبل الانجبار؛ لشذوذها -وذلك في حال كون المُخالِف ثقة- أو نكارتها في حال كون المُخالِف ضعيفاً؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.
السبب السادس: وجود العلة (2) القادحة في القبول:
العلة بشكل عام تُطلق على كل ما يقدح في صحة الحديث، وفي الاصطلاح على الخفي منها، والعلة الخفية تتطرق غالباً للأحاديث التي ظاهرها الصحة، فإذا ضُعِّف إسناد
(1) الدريس، الحسن، 5/ 2192.
(2)
سبق في فصل الصحيح وكذلك في الحسن بيان المراد بالعلة، وذلك في قيد نفي العلة في كل منهما، وسيأتي - بإذن الله- مزيد تفصيل وإيضاح في الفصل الخاص بالحديث المعلل.
لوجود راوٍ مجروح أو لانقطاع في سلسلة الإسناد، ونحو ذلك فهذا ظاهر العلة، وليس مراداً في هذا المبحث إذ سبق بيان أنواع الضعف الظاهر في المباحث السابقة. (1)
قال الحاكم: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير."(2)
"ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في
حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (3)
وقد تُؤثر بعض أنواع العلل في ضعف يسير ينجبر بمعاضدة غيره له إلا أن المقصود هنا هي: العلة الخفية والتي تسبب ضعفاً شديداً لا يقبل الانجبار، والتي غالباً ما تأتي من خطأ الرواة أو بعضهم، ووهمهم، وسواء كان وجودها في الإسناد أو في المتن، إلا أن صفتها: أن تكون خفية وقادحة في الصحة.
ومما يدلل على تتنوع العلل بين الظهور والخفاء، والقدح وعدمه، ما ذكره ابن حجر في كتابه النكت ومثّل له من أنواع العلل القادحة وغير القادحة حيث قال:
(1) ينظر: سليم، ما لا يسع جهله، 122.
(2)
الحاكم، علوم الحديث، 112 - 113.
(3)
ابن الصلاح، علوم الحديث، 90.
وتعرف العلة في الحديث بأمور منها:
1 -
الإلهام من الله سبحانه وتعالى الناشئ عن الإخلاص وكثرة الممارسة.
2 -
كثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال، وأحاديث كل واحد منهم
…
3 -
جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والاعتبار بمكانتهم من الحفظ والإتقان.
4 -
النص على علة الحديث من إمام من أئمة الحديث المعروفين بتمرّسهم في ذلك. ينظر: الخضير، الضعيف، 235 - 236 باختصار.
"مثال ما وقعت العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقا: ما يوجد مثلا من حديث مدلس بالعنعنة، فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.
وكذا إذا اُختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.
2 -
ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف من إبدال راو ثقة براو ثقة وهو بقسم المقلوب (1) أليق، فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة
وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن- أيضا- إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة." (2)
والعلة أنواع وأجناس متعددة ذكر الحاكم منها عشرة أجناس للعلة على سبيل التمثيل لا الحصر (3).
وقال ابن الصلاح: "ثم اعلم أنه قد يُطلَق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل (4)، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح. (5)
…
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو
(1)"وحقيقة القلب تغيير من يُعرَف برواية ما بغيره عمدا أو سهوا." السخاوي، فتح المغيث، 1/ 335، وسيأتي بيانه وتفصيله وذكر أنواعه -بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث المقلوب.
(2)
ابن حجر، النكت، 2/ 747.
(3)
ينظر أمثلة على أجناس العلل: الحاكم، علوم الحديث، 113 - 119، ويأتي بشيء من التفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل.
(4)
"وبعض العلماء يقيد العلة القادحة بالخفية، وليس معنى هذا أن الظاهرة لا تقدح في صحة الحديث ولكنها تخرج بشرط الاتصال." أبو شهبة، الوسيط، 229، وبالشروط الأخرى لصحة الحديث كعدالة الرواة وضبطهم.
(5)
قال: "وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث". تعقّبه العراقي فقال: "إن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح فاجنح له، أي مِلْ إلى كلامه، وإن يُرد أنه علة في صحة نقله، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة" العراقي، شرح التبصرة، 1/ 290، ينظر كذلك: ابن حجر، النكت، 2/ 771.
إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول." (1)
نخلص مما سبق:
إن من مسالك الضعف إلى الحديث وجود علة فيه، والحديث المعلل هو نوع من أنواع الحديث الضعيف، والمعنى الاصطلاحي الخاص للعلة يشمل العلة القادحة الخفية التي
يكون الظاهر السلامة منها، وهذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فإنها تتعلق بالرواية عموما، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفا وسواء كذلك أكان الوهم بالإسناد أو بالمتن (2).
والعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات والشواهد، أو بتلقي أهل العلم للحديث بالقبول، أما العلل الخفية فلا تزول، وهي على نوعين:
أحدهما: ما كان سببه المخالفة، فتكون الرواية شاذة أو منكرة.
وثانيهما: أحاديث أعلت بأسباب أخرى غير المخالفة: كمعارضة القرآن، أو نص صحيح متواتر أو تأريخ مجمع عليه فهذه لا تزول، ويبقى الحديث معلا.
فالعلل الظاهرة وهي التي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الراوي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بين الضعف الشديد والضعف اليسير، فما كان يسيرا زال بمجيئه من
(1) ابن الصلاح، علوم الحديث، 92 - 93. ولعله يقصد أبو يعلى الخليلي، حيث قال في كتابه الإرشاد: "العلة فأما الحديث الصحيح المعلول: فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال." الخليلي، الإرشاد، 1/ 160 - 163.
(2)
" ومن الملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ" الفحل، العلل، 18