الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تكرمة له؛ ثم خرج عبد الله من العراق بجيوشه حتى قرب من مصر، فتهيأ عبيد الله ابن السري المذكور لحربه وعبأ جيوشه وحفر خندقاً عليه، ثم تقدم بعساكره إلى خارج مصر والتقى مع عبد الله بن طاهر وتقاتلا قتالاً شديداً وثبت كل من الفريقين ساعة كبيرة حتى كانت الهزيمة على عبيد الله بن السري أمير مصر، وانهزم إلى جهة مصر، وتبعه عبد الله بن طاهر بعساكره، فسقط غالب جند عبيد الله المذكور في الخندق الذي كان عبيد الله احتفره، ودخل هو بأناس قليلة إلى داخل مصر وتحصن به؛ فحاصره عبد الله بن طاهر وضيق عليه حتى أباده وأشرف على الهلاك، فطلب عبيد الله بن السري الأمان من عبد الله بن طاهر بشروطه، وبعث إليه بتقدمة من جملتها ألف وصيف ووصيفة مع كل وصيف ووصيفة ألف دينار في كيس حرير وبعث بهم ليلاً؛ فرد عبد الله بن طاهر ذلك عليه، وكتب إليه: لو قبلت هديتك نهاراً قبلتها ليلاً (بل أنتم بهديتكم تفرحون) الآية. فلما بلغه ذلك طلب الأمان من غير شرط؛ فأمنه عبد الله بن طاهر بعد أمور صدرت؛ فخرج إليه عبيد الله بن السري بالأمان وبذل إليه أموالاً كثيرة وأذعن له وسلم إليه الأمر، وذلك في آخر صفر سنة إحدى عشرة ومائتين. قال صاحب البغية: وعزله المأمون في ربيع الأول وذكر السنة انتهى.
قلت: فكانت ولاية عبيد الله هذا على إمرة مصر أربع سنين وسبعة أشهر إلا ثمانية أيام. وتوجه عبيد الله إلى المأمون في السنة المذكورة فأكرمه وعفا عنه.
***
[ما وقع من الحوادث سنة 207]
السنة الأولى من ولاية عبيد الله بن السري وهي سنة سبع ومائتين- فيها حج بالناس أبو عيسى أخو الخليفة المأمون. وفيها ولى المأمون موسى بن حفص طبرستان. وفيها ظهر الصناديقي باليمن واستولى عليها وقتل النساء والولدان وادّعى
النبوة وتبعه خلق وآمنوا بنبوته وارتدوا عن الإسلام، فأهلكه الله بالطاعون بعد أمور رقعت منه. وفيها خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علىّ ابن أبي طالب ببلاد عك من اليمن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكان خروجه من سوء سيرة عامل اليمن، فبايعه خلق؛ فوجه إليه المأمون لحربه دينار ابن عبد الله وكتب معه بأمانه؛ فحج دينار ثم سار إلى اليمن حتى قرب من عبد الرحمن المذكور، وبعث إليه بأمانه فقبله وعاد مع دينار إلى المأمون. وفيها خلع طاهر ابن الحسين المأمون من الخلافة باكر النهار من يوم الجمعة وقطع الدعاء له، فدعا الخطيب:«اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى عليها» ولم يزد على ذلك، ثم طرح طاهر لبس السواد فعرض له عارض فمات من ليلته فأتى الخبر بخلعه على المأمون أول النهار من النصحاء له، ووافى الخبر بموته ليلاً وكفى الله المأمون مؤونته. وقام بعده على خراسان ابنه طلحة فأقره المأمون مكان والده طاهر المذكور؛ وكان ذلك قبل تولية ابنه عبد الله بن طاهر مصر بمدة طويلة.
وطاهر هذا هو الذي كان قام ببيعة المأمون وحاصر الأمين ببغداد تلك المدة الطويلة حتى ظفر به وقتله. وكان طاهر المذكور أعور، وكان يلقب بذي اليمينين؛ فقال فيه بعض الشعراء:
يا ذا اليمينين وعين واحدة
…
نقصان عين ويمين زائدة
وكان في نفس المأمون منه شيء لكونه قتل أخاه الأمين محمداً بغير «1» مشورته لما ظفر به بعد حصار بغداد، ولم يرسله إلى أخيه المأمون ليرى فيه رأيه مراعاة لخاطر أمه زبيدة، فلما قتله طاهر المذكور لم يسع المأمون إلا السكوت لكون طاهر هو القائم بدولة المأمون وبنصرته على أخيه الأمين حتى تم له ذلك. وفيها
توفي الواقدي، واسمه محمد بن عمر بن واقد، الإمام أبو عبد الله الأسلمي، مولده سنة تسع وعشرين ومائة وكان إماماً عالماً بالمغازي والسير والفتوح وأيام الناس، وكان ولي القضاء للمأمون أربع سنين. وفيها توفي الأمير طاهر بن الحسين بن مصعب أبو طلحة الخزاعي الملقب ذا اليمينين، أحد قواد المأمون الكبار والقائم بأمره وخلع أخيه الأمين من الخلافة؛ ولاه المأمون خراسان وما يليها حتى خلع المأمون فمات من ليلته في جمادى الأولى فجاءة، أصابته حمى وحرارة فوجد على فراشه ميتاً.
حكي أن عميه علي بن مصعب وحميد بن مصعب عاداه بغلس، فقال الخادم: هو نائم فانتظرا ساعة، فلما انبسط الفجر قالا للخادم: أيقظه؛ قال: لا أجسر؛ فدخلا عليه فوجداه ميتاً. وفيها توفي عمر بن حبيب العدوي القاضي الحنفي البصري هو من بنى عدىّ بن عبد مناة «1» ، قدم بغداد وولي قضاء الشرقية بها وقضاء البصرة، وكان إماماً عالماً بارعاً في فنون كثيرة مشكور السيرة محبباً إلى الناس. رحمه الله. وفيها توفي أبو عبيدة «2» معمر بن المثنى التيمي البصري النحوي العلامة مولى تيم قريش، كان من أعلم الناس بأنساب العرب وله مصنفات مشهورة في علوم كثيرة. وفيها توفي الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن يزيد الكوفي صاحب التواريخ والأشعار، ولد بالكوفة ونشأ بها ثم انتقل إلى بغداد، وكان مليح الشكل نظيف الثوب طيب الرائحة حلو المحاضرة عالماً بارعاً.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي جعفر بن عون، وطاهر ابن الحسين الأمير بخراسان، وأبو قتادة الحراني، وعبد الصمد بن عبد الوارث،